• 7 ديسمبر، 2018 الساعة 12:12 ص
    شبيب القحطاني
    خطبة : ( من أسباب التوفيق والخذلان )
    من أسباب التوفيق والخذلان    29 / 3 / 1440
     
    الخطبة الأولى :
     
    أَمَّا بَعدُ ، فَـ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم وَالَّذِينَ مِن قَبلِكُم لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ “
    أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، لِلمَرءِ في حَيَاتِهِ حَاجَاتٌ وَغَايَاتٌ ، يَتَطَلَّعُ إِلَيهَا وَيَسعَى لِتَحقِيقِهَا ، وَأَهدَافٌ وَمَآرِبُ يَطمَحُ إِلى نَيلِهَا وَالوُصُولِ إِلَيهَا ، وَكَم يُتعِبُ أُنَاسٌ أَنفُسَهُم لِتَحقِيقِ مَا يُرِيدُونَ فَلا يَكُونُ ، وَلا يَبذُلُ آخَرُونَ نِصفَ مَا بَذَلَ أُولَئِكَ فَيُوَفَّقُونَ ، وَقَد يَتَسَاءَلُ هَؤُلاءِ أَو أُولَئِكَ ، أَو غَيرُهُم مِمَّن يَدرُسُ حَيَاةَ النَّاسِ وَيَسبُرُ أَغوَارَهَا ، مَا سِرُّ نَجَاحِ أَفرَادٍ مِنَ النَّاسِ دُونَ كَثِيرِ عَنَاءٍ مِنهُم ، وَفَشَلِ آخَرِينَ مَعَ مَا بَذَلُوا وَقَدَّمُوا وَأَخَّرُوا ؟! فَيُقَالُ : إِنَّ وَرَاءَ ذَلِكَ أَسرَارًا كَثِيرَةً ، أَعظَمُهَا سِرٌّ يُقَالُ لَهُ القَدَرُ ، نَعَم ، قَدَرُ اللهِ  وَقَضَاؤُهُ ، حَيثُ عَلِمَ – سُبحَانَهُ – مَن هُوَ أَهلٌ لِلتَّوفِيقِ فَوَفَّقَهُ ، وَمَن لَيسَ كَذَلِكَ فَخَذَلَهُ ، وَكَتَبَ ذَلِكَ وَهُوَ الحَكِيمُ العَلِيمُ قَبلَ خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ ، قَالَ – جَلَّ وَعَلا – : ” وَكَانَ أَمرُ اللهِ قَدَرًا مَقدُورًا ” وَقَالَ – عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ – : ” إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ القَلَمُ ، فَقَالَ لَهُ : اكتُبْ . قَالَ : مَا أَكتُبُ ؟ قَالَ : اُكتُبِ القَدَرَ ، مَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلى الأَبَدِ ” رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ .
    وَمَعَ هَذَا – أَيُّهَا الإِخوَةُ – فَإِنَّ لِلعَبدِ أَثَرًا فِيمَا يَحصُلُ لَهُ مِن تَوفِيقٍ أَو خِذلانٍ ، وَهُوَ سِرٌّ آخَرُ قَد لا يَحسِبُ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ حِسَابًا صَحِيحًا ، حَيثُ يَعتَمِدُونَ عَلَى ظَوَاهِرَ مِنَ الأُمُورِ ، وَيَتَّخِذُونَ أَسبَابًا مَادِّيَّةً بَحتَةً ، وَيَتَّكِلُونَ عَلَى أَنفُسِهِم أَو عَلَى غَيرِهِم مِنَ النَّاسِ ، مِمَّن يَرَونَ فِيهِم عَونًا لهم وَقُدرَةً عَلَى قَضَاءِ حَاجَاتِهِم ، بَينَمَا يَسلُكُ المُوَفَّقُونَ في الجَانِبِ الآخَرِ طُرُقًا أُخرَى خَفِيَّةً وَنَاعِمَةً ، لا يَرفَعُ بها أُولَئِكَ الجَهَلَةُ رَأسًا وَلا يَهتَمُّونَ بها ، غَافِلِينَ عَن كَونِهَا قُوًى عَظِيمَةً كَامِنَةً ، وَأَسرَارًا لَطِيفَةً مِنَ الأَسرَارِ الَّتي أَودَعَهَا اللهُ في هَذَا الكَونِ الوَاسِعِ ، وَالَّذِي لا يَكُونُ فِيهِ إِلاَّ مَا يُرِيدُهُ اللهُ ، كَمَا قَالَ – عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ – لابنِ عَبَّاسٍ في الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَحمَدُ وَالتِّرمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ : ” وَاعلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجتَمَعَتْ عَلَى أَن يَنفَعُوكَ بِشَيءٍ لم يَنفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيءٍ قَد كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ ، وَلَوِ اجتَمَعُوا عَلَى أَن يَضُرُّوكَ بِشَيءٍ لم يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيءٍ قَد كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيكَ ، رُفِعَتِ الأَقلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ ” نَعَم – أَيُّهَا المُسلِمُونَ – قَد يُوَفِّقُ اللهُ عَبدَهُ وَيُلهِمُهُ مَا فِيهِ خَيرٌ لَهُ في دِينِهِ وَدُنيَاهُ ، وَيُنجِحُهُ فِيمَا يَسعَى إِلَيهِ وَيُسَدِّدُ خُطَاهُ ، وَقَد تَكُونُ الأُخرَى فَيُخذَلُ العَبدُ وَيَتَخَلَّى رَبُّهُ عَنهُ وَلا يُعَانُ ، قَالَ – تَعَالى – : ” إِن يَنصُرْكُمُ اللهُ فَلا غَالِبَ لَكُم وَإِن يَخذُلْكُم فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِن بَعدِهِ ” وَإِذَا كَانَ اللهُ – تَعَالى – هُوَ النَّاصِرَ لِلمُتَوَكِّلِ عَلَيهِ ، فَإِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ خِذلانًا هُم أَتبَاعُ الشَّيطَانِ ، الَّذِينَ يُطِيعُونَهُ فِيمَا يُملِيهِ عَلَيهِم وَيَأمُرُهُم بِهِ ، وَيُصَدِّقُونَهُ فِيمَا يَقذِفُهُ في نُفُوسِهِم ، وَيَتَعَلَّقُونَ بِهِ مِن دُونِ اللهِ ، قَالَ – تَعَالى – : ” لا تَجعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقعُدَ مَذمُومًا مَخذُولاً ” أَيْ مَذمُومًا لا حَامِدَ لَكَ ، مَخذُولاً لا نَاصِرَ لَكَ ، وَقَالَ – تَعَالى – : ” وَكَانَ الشَّيطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولاً “
    وَمِن أَهَمِّ الأَسبَابِ الَّتي يَكُونُ بها التَّوفِيقُ أَوِ الخِذلانُ ، نِيَّةُ العَبدِ وَقَصدُهُ ، وَمَا يَقَعُ في قَلبِهِ قَبلَ إِقدَامِهِ عَلَى مَا يُرِيدُهُ ، وَعَلَى قَدرِ نِيَّةِ العَبدِ وَحُسنِ مُرَادِهِ أَو سُوءِ رَغبَتِهِ ، يَكُونُ تَوفِيقُهُ وَإِعَانَتُهُ ، أَو خِذلانُهُ وَفَشَلُهُ ، فَالمَعُونَةُ مِنَ اللهِ تَنزِلُ عَلَى العِبَادِ بِقَدرِ نَيِّتِهِمُ الخَيرَ وَرَغبَتِهِم فِيهِ ، وَالخِذلانُ يَنزِلُ عَلَيهِم عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ ، وَمَن صَدَقَ اللهَ صَدَقَهُ اللهُ ، وَفي الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيهِ : ” إِنَّمَا الأَعمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امرِئٍ مَا نَوَى ” وَإِنَّهُ لَفَرقٌ بَينَ امرِئٍ طَاهِرِ القَلبِ زَكِيِّ النَّفسِ ، سَلِيمِ الصَّدرِ يُرِيدُ مَا عِندَ اللهِ ، وَآخَرَ مَدخُولٍ في نِيَّتِهِ ، شَاكٍّ مُرتَابٍ ، هَمُّهُ الدُّنيَا وَمَكَاسِبُهَا ، فَهُوَ لِهَذَا يَتبَعُ هَوَى نَفسِهِ ، وَيَتَرَبَّصُ الشَّرَّ بِغَيرِهِ ، قَالَ – تَعَالى – : ” وَلا تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ” أَيْ : لا تَمِلْ مَعَ أَهوَاءِ نَفسِكَ وَحُظُوظِهَا ، فَيَصرِفَكَ اللهُ عَنِ الدَّلائِلِ الدَّالَّةِ عَلَى الحَقِّ . وَقَالَ – صلى الله عليه وسلم – : ” مَن كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ ، جَعَلَ اللهُ غِنَاهُ في قَلبِهِ ، وَجَمَعَ لَهُ شَملَهُ ، وَأَتَتهُ الدُّنيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ ، وَمَن كَانَتِ الدُّنيَا هَمَّهُ ، جَعَلَ اللهُ فَقرَهُ بَينَ عَينَيهِ ، وَفَرَّقَ عَلَيهِ شَملَهُ ، وَلم يَأتِهِ مِنَ الدُّنيَا إِلاَّ مَا قُدِّرَ لَهُ ” رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ . وَهَكَذَا – أَيُّهَا المُؤمِنُونَ – مَن عَلِمَ اللهُ – سُبحَانَهُ – مِن قَلبِهِ أَنَّهُ مَحَلٌّ لِلخَيرِ وَفَّقَهُ إِلَيهِ ، وَمَن عَلِمَ أَنَّهُ خِلافُ ذَلِكَ خَذَلَهُ وَأَهَانَهُ ، قَالَ – تَعَالى – : ” إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكمُ الَّذِينَ لا يَعقِلُونَ . وَلَو عَلِمَ اللَّهُ فِيهِم خَيرًا لأَسمَعَهُم وَلَو أَسمَعَهُم لَتَوَلَّوا وَهُم مُعرِضُونَ “
    وَمِن أَسبَابِ التَّوفِيقِ وَالخِذلانِ الطَّاعَاتُ وَالمَعَاصِي ؛ فَمَن أَطَاعَ اللهَ هَدَاهُ وَزَادَهُ مِن فَضلِهِ وَأَصلَحَ لَهُ شَأنَهُ ، وَمَن عَصَاهُ أَعمَى بَصِيرَتَهُ وَطَمَسَ نُورَ قَلبِهِ ، وَسَدَّ عَنهُ طُرُقَ التَّوفِيقِ وَحَجَبَهُ عَن مَوَارِدِ الهِدَايَةِ ، قَالَ – سُبحَانَهُ – : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَولاً سَدِيدًا . يُصلِحْ لَكُم أَعمَالَكُم وَيَغفِرْ لَكُم ذُنُوبَكُم ” وَقَالَ – تَعَالى – : ” مَن عَمِلَ صَالِحًا مِن ذَكَرٍ أَو أُنثَى وَهُوَ مُؤمِنٌ فَلَنُحيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ” وَقَالَ – عَزَّ وَجَلَّ – : ” وَمَا أَصَابَكُم مِن مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَت أَيدِيكُم وَيَعفُو عَن كَثِيرٍ ” وَمَتى عَرَفَ العَبدُ قَدَرَ نِعمَةِ اللهِ عَلَيهَ فَشَكَرَهَا ، أَدَامَهَا اللهُ عَلَيهِ وَزَادَهُ مِنهَا ، وَوَفَّقَهُ إِلى تَحصِيلِ غَيرِهَا ، وَإِلاَّ عَذَّبَهُ وَخَذَلَهُ بِكُفرِهِ وَجُحُودِهِ ، قَالَ – سُبحَانَهُ – : ” وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُم لَئِنْ شَكَرتُم لأَزِيدَنَّكُم وَلَئِن كَفَرتُم إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ” وَمِن أَسبَابِ التَّوفِيقِ وَالخِذلانِ الدُّعَاءُ لِلعَبدِ أَو عَلَيهِ ، مِنَ المُسلِمِينَ عَامَّةً ، وَمِنَ الوَالِدَينِ خَاصَّةً ، وَقَد نَهَى – صلى الله عليه وسلم – عَنِ الدُّعَاءِ عَلَى النَّفسِ أَوِ الوَلَدِ أَوِ المَالِ ؛ لأَنَّ ذَلِكَ مِن أَسبَابِ الخِذلانِ وَعَدَمِ التَّوفِيقِ وَنَزعِ البَرَكَةِ ، قَالَ – عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ – : ” لا تَدعُوا عَلَى أَنفُسِكُم ، وَلا تَدعُوا عَلَى أَولادِكُم ، وَلا تَدعُوا عَلَى أَموَالِكُم ، لا تُوَافِقُوا مِنَ اللَّهِ سَاعَةً يُسأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَستَجِيبُ لَكُم ” رَوَاهُ مُسلِمٌ . أَلا فَلْنَتَّقِ اللهَ – أَيُّهَا المُسلِمُونَ – وَلْنَتَحَرَّ دُعَاءَ الصَّالِحِينَ وَالوَالِدَينِ ، وَالحَذَرَ مِن ظُلمِ مَن لا نَاصِرَ لَهُ إِلاَّ اللهُ ، مِمَّن يَرفَعُ يَدَيهِ في ظُلمَةِ اللَّيلِ عَلَى ظَالِمِهِ وَيَدعُو عَلَى هَاضِمِهِ ، وَلْنَسأَلِ اللهَ التَّوفِيقَ في كُلِّ شَأنٍ مِن شُؤُونِنَا وَإِن صَغُرَ ؛ فَإِنَّ مَنَ وَكَلَهُ اللّهُ إِلى نَفسِهِ أَو إِلى النَّاسِ ، وَكَلَهُ إِلى ضَيعَةٍ وَعَجَزٍ ، وَقَد كَانَ مِن دُعَاءِ نَبِيِّنَا – صَلَّى اللّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ – : ” اللَّهُمَّ لا تَكِلْني إِلى نَفسِي طَرفَةَ عَينٍ ، وَأَصلِحْ لي شَأني كُلَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ “
     
    الخطبة الثانية :
     
    أَمَّا بَعدُ ، فَاتَّقُوا اللهَ – تَعَالى – وَأَطِيعُوهُ وَلا تَعصُوهُ ، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ وَلا تَكفُرُوهُ ، وَكُونُوا مَعَهُ يَكُنْ مَعَكُم ، وَانصُرُوهُ يَنصُرْكُم ” وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجعَلْ لَهُ مَخرَجًا . وَيَرزُقْهُ مِن حَيثُ لا يَحتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمرِهِ قَد جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيءٍ قَدْرًا “
    أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، قَد يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّ الحَدِيثَ عَنِ التَّوفِيقِ وَالخِذلانِ حَدِيثٌ لِلدُّنيَا وَمَا فِيهَا مِن مُكتَسَبَاتٍ زَائِلَةٍ ، مِن مَالٍ وَجَاهٍ وَمَنصِبٍ ، وَهَذَا وَإِن كَانَ مِمَّا يَقَعُ فِيهِ التَّوفِيقُ وَالخِذلانُ ، فَإِنَّ التَّوفِيقَ وَالخِذلانَ أَعَمُّ مِن ذَلِكَ ، وَأَهَمُّهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَمرِ الآخِرَةِ وَالفَوزِ فِيهَا أَوِ الخُسرَانِ ، فَشُهُودُ صَلاةِ الفَجرِ مَعَ الجَمَاعَةِ ، وَأَدَاءُ الصَّلَوَاتِ الخَمسِ مَعَ المُسلِمِينَ في بُيُوتِ اللهِ ، وَالمُحَافَظَةُ عَلَى النَّوَافِلِ وَالتَّزَوُّدُ مِنهَا ، وَكَثرَةُ قِرَاءَةِ القُرآنِ وَدَوَامُ ذِكرِ اللهِ ، وَمُتَابَعَةُ الإِنفَاقِ في وُجُوهِ الخَيرِ وَدَعمِ مَشرُوعَاتِ البِرِّ ، وَبِرُّ الوَالِدَينِ وَصِلَةُ الأَرحَامِ وَالإِحسَانُ إِلى الجِيرَانِ ، وَمَحَبَّةُ النَّاسِ لِلمَرءِ ، وَحُسنُ خُلُقِهِ في تَعَامُلِهِ ، وَصِدقُهُ في بَيعِهِ وَشِرَائِهِ ، وَإِعطَاؤُهُ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ، كُلُّ تِلكُم وَأَمثَالُهَا ، هِيَ مِمَّا يَدخُلُ فِيهَا التَّوفِيقُ وَالخِذلانُ ، فَمَنِ اهتَدَى وَتَحَرَّى الخَيرَ زَادَهُ اللهُ هُدًى ، وَمَن أَعرَضَ وَنَسِيَ اللهَ ، نَسِيَهُ اللهُ وَتَخَلَّى عَنهُ ، وَهَكَذَا تَجِدُ النَّاسَ مُوَفَّقًا وَمَخذُولاً ، لا لِشَيءٍ مِنَ الأَسبَابِ المَادِّيَّةِ الَّتي تَرَاهَا أَمَامَكَ ظَاهِرَةً ، وَلَكِنْ لأَسبَابٍ لَطِيفَةٍ خَفِيَّةٍ ، فَقَد تُوَفَّقُ امرَأَةٌ وَيُخذَلُ رَجُلٌ ، وَيُوَفَّقُ شَابٌّ وَيُخذَلُ كَهلٌ ، وَيُهدَى وَضِيعٌ ضَعِيفٌ وَيُضَلُّ رَفِيعٌ شَرِيفٌ ، وَيُبَارَكُ لِمَن قَلَّ مَالُهُ وَقُدِرَ عَلَيهِ رِزقُهُ ، وَتُمحَقُ بَرَكَةُ ثرِيٍّ غَنيٍّ مَلِيءٍ ، وَهَكَذَا مَا يُوكَلُ أَحَدٌ إِلى حَولِهِ وَقُوَّتِهِ إِلاَّ خُذِلَ ، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبدٍ خَيرًا وَتَوفِيقًا دَلَّهُ عَلَى طَرِيقِ التَّوفِيقِ ، فَرَزَقَهُ حُسنَ التَّوَكُّلِ عَلَيهِ والاستِعَانَةِ بِهِ ، وَأَعَانَهُ عَلَى بَذلِ الأَسبَابِ الصَّحِيحَةِ وَهَيَّأَ لَهُ أَسبَابَ الهِدَايَةِ ، وَإِذَا أَرَادَ خِذلانَهُ لم يَدُلَّهُ عَلَى بَابِ التَّوَكُّلِ ، وَلم يُوَفِّقْهُ لإِخلاصِ النِّيَّةِ وَلا صِدقِ القَصدِ ، وَأَمَّا أَعظَمُ صُوَرِ خِذلانِ اللهِ لِلعَبدِ ، وَالَّتي يَغفَلُ عَنهَا كَثِيرٌ مِنَ المُتَكَبِّرِينَ المُغتَرِّينَ ، فَهِيَ أَن يُعَاقَبَ أَحَدُهُم بِإِعرَاضِهِ عَن رَبِّهِ ، أَو إِسَاءَتِهِ في حَقِّ خَلقِهِ ، ثم لا يَشعُرَ أَنَّهُ مُعَاقَبٌ ، إِذْ لا يُؤَنِّبُهُ ضَمِيرُهُ ، وَلا تُحَدِّثُهُ نَفسُهُ بِأَنَّهُ عَلَى خَطَأٍ ، وَلا يُصِيبُهُ أَرَقٌ وَلا هَمٌّ مِن سُوءِ مَا فَعَلَ بِعِبَادِ اللهِ ، وَلا يَكُونُ لَهُ وَاعِظٌ مِن دَاخِلِ نَفسِهِ يُقَلِقُهُ لأَنَّهُ خَالَفَ أَمرَ اللهِ ، فَاتَّقُوا اللهَ وَأَحسِنُوا ” إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقُوا وَالَّذِينَ هُم مُحسِنُونَ “
جميع الحقوق محفوظة لموقع خطباء © 2019