• 29 نوفمبر، 2018 الساعة 8:01 ص
    أبوزيد السيد عبد السلام رزق الأزهري
    الغيث المدرار في زهد النبي المختار

    الغيث المدرار في زهد النبي المختار

    للشيخ أبوزيد السيد عبد السلام رزق الأزهري

    أما بعد : نعيشأيها الأحبه  مع جانب من زهد النبي في الدنيا في طعامه وشرابه ومسكنه ،إنه أزهد الناس في الدنيا وأرغبهم في الأخري ،إنه زهد من خير بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا نَبِيًّا أَوْ مَلَكًا نَبِيًّا،فاختار أن يكون  : عَبْدًا نَبِيًّا يجوع يوما ويشبع يوما ولو أراد أن يجري الله معه جبال الذهب والفضة لأجراها ولكنه أباها ،وكان من دعائه كما روي البيهقي في السنن الكبري  عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- :« اللَّهُمَّ أَحْيِنِى مِسْكِينًا وَأَمِتْنِى مِسْكِينًا وَاحْشُرْنِى فِى زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ». فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا : وَلِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ :« لأَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الأَغْنِيَاءِ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا يَا عَائِشَةُ لاَ تَرُدِّى الْمِسْكِينَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ يَا عَائِشَةُ أَحِبِّى الْمَسَاكِينِ وَقَرِّبِيهِمْ فَإِنَّ اللَّهَ يُقَرِّبُكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ » ‘إنه زهد من عرضت عليه الدنيا وتزينت له فقال مالي وللدنيا إنما أنا والدنيا كراكب إستظل تحت شجرة ثم راح وتركها ‘إنه زهد من علمنا أنه من أصبح أمنا في سربه معافا في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا ‘إنه زهد من عَرَضَ عَلَيَّه رَبِّه أَنْ يَجْعَلَ له بَطْحَاءَ مَكَّةَ ذَهَبًا، فَقال: لَا يَا رَبِّ، وَلَكِنْ أَشْبَعُ يَوْمًا وَأَجُوعُ يَوْمًا، فَإِذَا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ ، وَإِذَا شَبِعْتُ حَمِدْتُكَ وَذَكَرْتُكَ ” فتحت له جزيرة العرب وأوتي مفاتيح خزائن الدنيا وأهدت له ملوك الأقاليم أثمن الهدايا فأغني أمته بها وما استأثر بشئ منها ،يقسم في حنين علي أصحابه والمؤلفة قلوبهم أربعة ألآف أوقية من الفضة ولم يترك لنفسه شيئا منها ويوزع عليهم من الإبل أربعة وعشرين ألفا ومن الغنم أربعين ألفا ولم يأخذ شاة واحدة منها .مسكنه حجراتُ متقاربةُ الأطراف من لبن وطين سقفها من جريد يناله الغلام بيده ، في المسند وصحيح ابن حبان عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أحب دُنياه أضرَّ بآخرته، ومن أحبَّ آخرته أضرَّ بدُنياه فآثروا ما يبقى على ما يفنى) وبالجمله فقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم أزهد الناس في الدنيا ، وأقلهم رغبة فيها ، مكتفياً منها بالبلاغ ، راضياً فيها بحياة الشظف ، ممتثلاً قول ربه عز وجل :{ ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى} (طه : 131)

     فراشه النبي صلى الله عليه وسلم 

    عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: ” كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَدَمَ ـ جلد، وَحَشْوُهُ مِنْ لِيفٍ ” ، روي البيهقي في دلائل النبوة بسند قال عنه الألباني حسن صحيح  عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ عَلَى سَرِيرٍ مُضْطَجِعٌ مُرْمَلٌ بِشَرِيطٍ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وَسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ ـ أي من الجلد المدبوغ ـ حَشْوُهَا لِيفٌ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَدَخَلَ عُمَرُ فَانْحَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم انْحِرَافَةً، فَلَمْ يَرَ عُمَرُ بَيْنَ جَنْبِهِ، وَبَيْنَ الشَّرِيطِ ثَوْبًا، وَقَدْ أَثَّرَ الشَّرِيطُ بِجَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَبَكَى عُمَرُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم: مَا يُبْكِيكَ يَا عُمَرُ؟ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَبكِى إِلاَّ أَنْ أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّكَ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ تبارك وتعالى مِنْ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَهُمَا يَعْبَثَانِ فِى الدُّنْيَا فِيمَا يَعْبَثَانِ فِيهِ، وَأَنْتَ [يَا] رَسُولَ اللَّهِ بِالْمَكَانِ الَّذِى أَرَى؟ فَقَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم: أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةُ؟ قَالَ عُمَرُ: بَلَى، قَالَ: فَإِنَّهُ كَذَاكَ.قال له عمر رضي الله عنه كما في الصحيحين  ادْعُ اللَّهَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى أُمَّتِكَ فَقَدْ وَسَّعَ عَلَى فَارِسَ وَالرُّومِ وَهُمْ لاَ يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاسْتَوَى جَالِسًا ثُمَّ قَالَ « أَفِى شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا » وفي شعب الإيمان للبيهقي بسند صححه الألباني  “عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَرَأَتْ فِرَاشَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطِيفَةٌ مَثْنِيَّةٌ، فَانْطَلَقَتْ فَبَعَثَتْ إِلَيَّ بِفِرَاشٍ حَشْوُهُ الصُّوفُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ” مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ ؟ ” قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ فُلَانَةٌ الْأَنْصَارِيَّةُ دَخَلَتْ عَلَيَّ، فَرَأَتْ فِرَاشَكَ فَذَهَبَتْ فَبَعَثَتْ إِلَيَّ بِهَذَا قَالَ: ” رُدِّيهِ يَا عَائِشَةُ، فَوَاللهِ لَوْ شِئْتُ لَأَجْرَى اللهُ مَعِيَ جِبَالَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ “عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، فَأَخْرَجَتْ إِلَيْنَا إِزَارًا غَلِيظًا، وَكِسَاءً مُلَبِّدًا فَقَالَتْ: ” فِي هَذَا قُبِضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ” رَوَاهُ مُسْلِمٌ

    طعامه صلى الله عليه وسلم

    عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: ” كَانَ يَأْتِي عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشَّهْرُ مَا يُوقِدُونَ فِيهِ نَارًا لَيْسَ إِلَّا التَّمْرَ وَالْمَاءَ عن عروة بن الزبير عن عائشة – رضي الله عنها – أنها كانت تقول: “يا بن أختي، إن كنا لَننظرُ إلى الهلال ثم الهلال، ثلاثة أهلَّة في شهرين وما أُوقد في أبيات رسول الله – صلى الله عليه وسلم – نار، فقلت: يا خالة، ما كان يُعَيِّشُكم؟ قالت: الأسودانِ: التمرُ والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – جيرانٌ من الأنصار كانت لهم منائحُ، وكانوا يمنحون رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – من ألبانهم، فيسقينا”؛ رواه البخاري 2567، ومسلم 2972، واللفظ لمسلم.

    وعن النُّعمان بن بشير – رضي الله عنه – أن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – ذكر ما أصاب الناسُ من الدنيا، فقال: لقد رأيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يظل اليوم يلْتوي ما يجد دقَلاً – الدقل: الرديء من التمر – يملأ به بطنه”؛ رواه مسلم 2978.

    ماشبع من خبز الشعير يومين متتاليتين ،يبيت الليالي المتتابعة طاويا جائعا وأهله لا يجدون عشاءا يأتي علي أهله الشهر والذي يليه ولا يختبزون خبزا ولايطبخون قدرا،لا توقد النار في بيته ثلاثة أشهر ،ثبتَ فيِ صحيحِ مسلمِ أنَ أبا طلحةَ رآهُ فيِ المسجدِ يتقلبُ ظهراً لبطنِ وقدْ عصبَ بطنَهُ  فَدَخَلَ أَبو طَلْحَةَ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ  ، فَقَالَ :رأيتُ رسولَ اللهِ صليَ اللهُ عليهِ وسلمَ يتقلبُ ظهراً لبطنِ وأظنهُ جائعاً فهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيءٍ ؟  قَالتْ : نَعَمْ ، عِنْدِي كِسَرٌ مِنْ خُبْزٍ وَتَمَرَاتٌ ، فَإنْ جَاءَ رسولُ اللهِ – صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ – وَحْدَهُ أشْبَعْنَاهُ ، وَإنْ جَاءَ آخَرُ مَعَهُ قَلَّ عَنْهُمْ فأَرسَلُوا لهُ أَنَسا ًفقالَ لهُ فيِ إستحياءٍ يا رسولَ اللهِ أجبْ أباَ طلحةَ فقالَ لمنْ معَه ُوكانواَ ثمانيينَ قوُمُوا فقامُوا معهُ وقُدمَ الطعامُ لهُ فوضعَ يدهُ عليهِ ثمْ سميَ ودعاَ بالبركةِ فأكلَ الثمانونَ جميعاً حتيَ شَبِعُوا ثمْ أَكَلَ هُوَ وأَهْلُ البيتِ حتيَ شَبِعُوا وفَضَلَتْ مِنْ ذلكَ الطعامِ فَضْلَهْ ” وَأَتَتْ عَلَيَّهِ ثَلاَثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي ولِبِلاَلٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدِ إِلاَّ شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلاَل، كَانَ لاَ يَجِدُ مِنَ الدِّقْلِ وَهَوَ رَدِيُ التَمْرِ مَا يَمْلأُ بَطْنَهُ  قَصَدَه ُضَيْفُ جَائِعُ يَقُولُ إِنِي مَجْهُودٌ ياَ رسولَ اللهِ فَأَرْسَلَ إِليَ أَبْيَاتِهِ كُلِهَاَ وكَان َالجَوَابُ وَاَحِدَ والذيِ بَعَثَكَ بِالْحَقِ مَاَ عِنْدَنَاَ إِلاَ المَاء ،خَرَجَ يَوْمَاً مِنْ أَبْيَاتِهِ جَاَئِعاً فَلَقِيَ الشَيْخَيينِ أَباَ بَكْرٍ وَ عُمَرَ رَضْيَ اللهٌ عَنْهُمَا فَقَالَ مَاَ أَخْرَجَكُمَا الْسَاَعَهْ فَقَاَلاَ الْجُوُعُ يَاَ رَسُوُلَ اللهِ فَقَاَلَ وَأَناَ والذيِ نَفْسِيِ بِيَدِهِ مَاَ أَخْرَجَنِيِ إِلاَ الْجُوُعْ ،وَحَسَنَ الأَلْباَنِيٌ أَنَ كَعْبَ بنَ عُجْرَةَ رَأَهُ يَوْمَاً مُتَغَيِرَاً فَقَالَ بِأَبِيِ أَنْتَ وَأُميِ مَاََلِيِ أَرَاَكَ مُتَغَيِراً ياَ رسولَ اللهِ ؟ فَقَالَ رسولُ اللهِ صليَ اللهُ عليهِ وسلمَ: مَاَ دَخَلَ جَوُفِيِ مَاَ يَدْخُلُ جَوَفَ ذَاتِ كَبِدٍ مُنْذُ ثَلَاثْ، فَمَضَيَ كَعْبُ إِليَ يَهُوُدِيُ فَسَقَيَ لَهُ إِبِلٌ بِتَمَرَاَتٍ كُلُ دَلْوٍ بِتَمْرَهْ ثُمَ أَتَيَ بِهَاَ رَسُوُلَ اللهِ صليَ اللهُ عليهِ وسلمَ فَأَكَلَهَاَ وَحَاَلُ كَعْبٍ أَفْدِيكَ بِالنَفسِ والدُنْيَاَ وَمَاَ فِيِهَاَ وَالأَهْلِ وِالنَاَسِ قَاَصِيِهَاَ ودَاَنِيِهَاَ ،كانَ مِنْ هَدْيَهِ فِيِ طَعَاَمِهِ كَمَاَ أَخَبَرَ بنِ القَيِمِ فِيِ زَادِ المَعَاَدِ كَاَنَ لاَيَرُدُ مَوْجُوداً ولاَ يَتَكَلَفُ مَفْقُوُدَاً إِنْ قُرِبَ لَهُ شِيءُ مِنْ الطَيِبِاتِ أَكَلَهُ من غير سرف ولا مَخِيِلَهْ  وإنْ عافَتْهُ نَفْسه تركه الزهد عنده لا ينافي الأكل من الطيبات التي  أباحها الله لعباده ففي إسناد جوده الأرنؤط  يقول مولاه أبو عبيد رضي الله عنه طبخت قدرا لرسول الله صلي الله عليه وسلم  وكان يعجبه الذراع ثم قال نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ ، فَنَاوَلْتُهُ الذِّرَاعَ  ثُمَّ قَالَ :  نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ الأخرى  فَنَاوَلْتُهُ الذِّرَاعَ الثانية    ثُمَّ قَالَ :  نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، هَلْ لِلشَّاةِ غَيْرُ ذِرَاعَيْنِ ؟ فَقَالَ : لَوْ سَكَتَّ لَنَاوَلْتَنِي الذِّرَاعَ مَا سَأَلْتُكَ ”

    وعن أنس بن مالك رضي الله عنه : (مَا أَكَلَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم خُبْزًا مُرَقَّقًا ، وَلاَ شَاةً مَسْمُوطَةً حَتَّى لَقِىَ اللَّهَ) – مسموطة : أي : مشوية – رواه البخاري (5385).

    نفقته صلي الله عليه وسلم

    صحح الألباني أن بلال سئل كيف كانت نفقته صلي الله عليه وسلم فقال بلال مَا كَانَ لَهُ شَىْءٌ إِلاَّ أَنَا الَّذِى كُنْتُ أَلِى ذَلِكَ مِنْهُ مُنْذُ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَنْ تُوُفِّىَ فَكَانَ إِذَا أَتَاهُ الإِنْسَانُ الْمُسْلِمُ فَرَآهُ عَارِيًا يَأْمُرُنِى فَأَنْطَلِقُ فَأَسْتَقْرِضُ فَأَشْتَرِى الْبُرْدَةَ وَالشَّىْءَ فَأَكْسُوهُ وَأُطْعِمُهُ حَتَّى اعْتَرَضَنِى رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ : يَا بِلاَلُ إِنَّ عِنْدِى سَعَةً فَلاَ تَسْتَقْرِضْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ مِنِّى فَفَعَلْتُ فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ تَوَضَّئْتُ ثُمَّ قُمْتُ لأُؤَذِّنَ بِالصَّلاَةِ فَإِذَا الْمُشْرِكُ فِى عِصَابَةٍ مِنَ التُّجَّارِ فَلَمَّا رَآنِى قَالَ : يَا حَبَشِىُّ قَالَ قُلْتُ :  فَتَجَهَّمَنِى وَقَالَ قَوْلاً غَلِيظًا فَقَالَ : أَتَدْرِى كَمْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الشَّهْرِ قَالَ قُلْتُ : قَرِيبٌ قَالَ : إِنَّمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ أَرْبَعُ لَيَالٍ فَآخُذُكَ بِالَّذِى لِى عَلَيْكَ فَإِنِّى لَمْ أُعْطِكَ الَّذِى أَعْطَيْتُكَ مِنْ كَرَامَتِكَ وَلاَ مِنْ كَرَامَةِ صَاحِبِكَ وَلَكِنْ أَعْطَيْتُكَ لِتَجِبَ لِى عَبْدًا فَأَرُدُّكَ تَرْعَى الْغَنَمَ كَمَا كُنْتَ قَبْلَ ذَلِكَ فَأَخَذَ فِى نَفْسِى مَا يَأْخُذُ فِى أَنْفُسِ النَّاسِ فَانْطَلَقْتُ ثُمَّ أَذَّنْتُ بِالصَّلاَةِ حَتَّى إِذَا صَلَّيْتُ الْعَتَمَةَ رَجَعَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- إِلَى أَهْلِهِ فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لِى فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِى أَنْتَ وَأُمِّى إِنَّ الْمُشْرِكَ الَّذِى ذَكَرْتُ لَكَ أَنِّى كُنْتُ أَتَدَيَّنُ مِنْهُ قَدْ قَالَ كَذَا وَكَذَا وَلَيْسَ عِنْدَكَ مَا تَقْضِى عَنِّى وَلاَ عِنْدِى وَهُوَ فَاضِحِى فَأْذَنْ لِى أَنْ آتِىَ إِلَى بَعْضِ هَؤُلاَءِ الأَحْيَاءِ الَّذِينَ قَدْ أَسْلَمُوا حَتَّى يَرْزُقَ اللَّهُ رَسُولَهِ -صلى الله عليه وسلم- مَا يَقْضِى عَنِّى فَخَرَجْتُ حَتَّى أَتَيْتُ مَنْزِلِى فَجَعَلْتُ سَيْفِى وَجِرَابِى وَرُمْحِى وَنَعْلِى عِنْدَ رَأْسِى وَاسْتَقْبَلْتُ بِوَجْهِىَ الأُفُقَ فَكُلَّمَا نِمْتُ انْتَبَهْتُ فَإِذَا رَأَيْتُ عَلَىَّ لَيْلاً نِمْتُ حَتَّى انْشَقَّ عَمُودُ الصُّبْحِ الأَوَّلِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَنْطَلِقَ فَإِذَا إِنْسَانٌ يَسْعَى يَدْعُو يَا بِلاَلُ أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَانْطَلَقْتُ حَتَّى آَتِيهِ فَإِذَا أَرْبَعُ رَكَائِبَ مناخاتُ عَلَيْهِنَّ أَحْمَالُهُنَّ فَأَتَيْتُ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- فَاسْتَأْذَنْتُ فَقَالَ لِى النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- :« أَبْشِرْ فَقَدْ جَاءَكَ اللَّهُ بِقَضَائِكَ ». فَحَمِدْتُ اللَّهَ وَقَالَ :« أَلَمْ تَمُرَّ عَلَى الرَّكَائِبِ الْمُنَاخَاتِ الأَرْبَعِ » عَلَيْهِنَّ كِسْوَةٌ وَطَعَامٌ أَهْدَاهُنَّ لَهُ عَظِيمُ فَدَكَ :« فَاقْبِضْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اقْضِ دَيْنَكَ » قَالَ : فَفَعَلْتُ فَحَطَطْتُ عَنْهُنَّ أَحْمَالَهُنَّ ثُمَّ عَقَلْتُهُنَّ ثُمَّ عَمَدْتُ إِلَى تَأْذِينِ صَلاَةِ الصُّبْحِ حَتَّى إِذَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- خَرَجْتُ إِلَى الْبَقِيعِ فَجَعَلْتُ إِصْبَعَىَّ فِى أُذُنَىَّ فَنَادَيْتُ وَقُلْتُ مَنْ كَانَ يَطْلُبُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- دَيْنًا فَلْيَحْضُرْ فَمَا زِلْتُ أَبِيعُ وَأَقْضِى وَأُعَرِّضُ وَأَقْضِى حَتَّى لَمْ يَبْقَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- دَيْنٌ فِى الأَرْضِ حَتَّى فَضَلَ عِنْدِى أُوقِيَّتَيْنِ أَوْ أُوقِيَّةٌ وَنِصْفٌ ثُمَّ انْطَلَقْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَقَدْ ذَهَبَ عَامَّةُ النَّهَارِ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَاعِدٌ فِى الْمَسْجِدِ وَحْدَهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ لِى :« مَا فَعَلَ مَا قِبَلَكَ ». ُلْتُ : قَدْ قَضَى اللَّهُ كُلَّ شَىْءٍ كَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَلَمْ يَبْقَ شَىْءٌ فَقَالَ :« فَضَلَ شَىْءٌ ». قُلْتُ : نَعَمْ دِينَارَانِ قَالَ :« انْظُرْ أَنْ تُرِيحَنِى مِنْهَا فَلَسْتُ بِدَاخِلٍ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِى حَتَّى تُرِيحَنِى مِنْهَا ». فَلَمْ يَأْتِنَا فَبَاتَ فِى الْمَسْجِدِ حَتَّى أَصْبَحَ وَظَلَّ فِى الْمَسْجِدِ الْيَوْمَ الثَّانِىَ حَتَّى كَانَ فِى آخِرِ النَّهَارِ جَاءَ رَاكِبَانِ فَانْطَلَقْتُ بِهِمَا فَكَسَوْتُهُمَا وَأَطْعَمْتُهُمَا حَتَّى إِذَا صَلَّى الْعَتَمَةَ دَعَانِى فَقَالَ :« مَا فَعَلَ الَّذِى قِبَلَكَ ». قُلْتُ : قَدْ أَرَاحَكَ اللَّهُ مِنْهُ فَكَبَّرَ وَحَمِدَ اللَّهَ شَفَقًا مِنْ أَنْ يُدْرِكَهُ الْمَوْتُ وَعِنْدَهُ ذَلِكَ ” صلي عليه ربنا وسلم ما أستقبلت أودية غيث السماء

    ثبت في صحيح بن حبان بسند حسن  عن عائشة أنها قالت اشتد وجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده سبعة دنانير أو تسعة فقال يا عائشة ما فعلت تلك الذهب فقلت هي عندي قال تصدقي بها قالت فشغلت به ثم قال يا عائشة ما فعلت تلك الذهب فقلت هي عندي فقال ائتني بها قالت فجئت بها فوضعها في كفه ثم قال ما ظن محمد أن لو لقي الله وهذه عنده ما ظن محمد أن لو لقي الله وهذه عنده ، فبعثت عائشة بهم إلي علي فتصدق بها ” في صحيح البخاري  عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ قَالَ مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا عَبْدًا وَلَا أَمَةً إِلَّا بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ الَّتِي كَانَ يَرْكَبُهَا وَسِلَاحَهُ وَأَرْضًا جَعَلَهَا لِابْنِ السَّبِيلِ صَدَقَةً ” عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتِ : تُوُفِّىَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِىٍّ بِثَلاَثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ إستقرضه طعاما لأهله ، علمنا رسول الله صلي الله عليه وسلم أن الدنيا قنطره من وضعها تحت قدمه جاءته الدنيا وهي راغمه و إجتاز بها إلي دار الكرامة ومن وضعها فوق رأسه  أهوت به إلي مسالك الهالكين ، وعلمنا أن الزهد في الدنيا لا يعني التخلي عنها بل إخراجها من القلب فهي كما قال علي رضوان الله عليه الدنيا دار صدق لمن صدقها ودار نجاة لمن فهمها ودار غني لمن تزود فيها بالأعمال الصالحة التي تخلده في جنات النعيم ، { وَابْتَغِ فِيمَا آتَاك اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَك مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إلَيْك وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ }

    وزهد النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا زهد اختياري وليس فقراً كما قد يظنه بعض الناس إذ يظن بعضهم أنه فقر وأنه صبر عليه فلو شاء لجعل الله له الجبال ذهباً ، وقد فتح الله تعالى له البلاد ، وجعل له خمس الغنائم حقاً له ، وكان له نصف مزارع خيبر ، ومع ذلك .. كان يتصدق بكل ما يأتيه من الأموال ، ويبقى ينام على الأرض ، ولا يجد شيئاً يأكله ولما تكلم بعض الناس على تقسيم الغنائم قال النبي صلى الله عليه وسلم : (إِنَّهُ لَيْسَ لِي مِنْ هَذَا الْفَيْءِ شَيْءٌ، إِلَّا الْخُمُسَ ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ) رواه أبو داود (2694) وصححه الألباني في صحيح أبي داود .أي أن الخمس الذي كان حقاً له من الغنائم لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يأخذه لنفسه ، بل كان يتصدق به على المسلمين، وكان صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول : ( اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا ) مسلم (1055) .

    وفي صحيح البخاري عن عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ قَالَ أَبُو ذَرٍّ كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَرَّةِ الْمَدِينَةِ فَاسْتَقْبَلَنَا أُحُدٌ فَقَالَ يَا أَبَا ذَرٍّ قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مَا يَسُرُّنِي أَنَّ عِنْدِي مِثْلَ أُحُدٍ هَذَا ذَهَبًا تَمْضِي عَلَيَّ ثَالِثَةٌ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ إِلَّا شَيْئًا أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ إِلَّا أَنْ أَقُولَ بِهِ فِي عِبَادِ اللَّهِ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ثُمَّ مَشَى فَقَالَ إِنَّ الْأَكْثَرِينَ هُمْ الْأَقَلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ثُمَّ قَالَ لِي مَكَانَكَ لَا تَبْرَحْ حَتَّى آتِيَكَ ثُمَّ انْطَلَقَ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ حَتَّى تَوَارَى فَسَمِعْتُ صَوْتًا قَدْ ارْتَفَعَ فَتَخَوَّفْتُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَرَضَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَرَدْتُ أَنْ آتِيَهُ فَذَكَرْتُ قَوْلَهُ لِي لَا تَبْرَحْ حَتَّى آتِيَكَ فَلَمْ أَبْرَحْ حَتَّى أَتَانِي قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتًا تَخَوَّفْتُ فَذَكَرْتُ لَهُ فَقَالَ وَهَلْ سَمِعْتَهُ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ ذَاكَ جِبْرِيلُ أَتَانِي فَقَالَ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ).

    فالصحيح أنه صلى الله عليه وسلم زهد في الدنيا اختياراً منه وإيثارا لما عند الله عز وجل وادخاراً لثوابه ولتتأسى به أمته صلى الله عليه وسلم فلم يكن صلى الله عليه وسلم فقيرًا من المال قط، ولا حاله حال فقير، بل كان أغنى الناس، فقد كفي أمر دنياه في نفسه وعياله وقد جاء في الحديث عن أبي هريرة قال: (جلس جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى السماء، فإذا ملك ينزل، فقال له جبريل: هذا الملكُ ما نزل منذ خُلق قبل هذه الساعة، فلما نزل قال: يا محمد! أرسلني إليك ربك، أملكاً أجعلك، أم عبداً رسولاً؟ قال له جبريل: تواضع لربك يا محمد! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا بل عبداً رسولاً) رواه ابن حبان وصححه الألباني.

    وقد كان يُربي أصحابه على الزهد في الدنيا ويعلمهم الصبر على اللأواء والشدة فعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى بالناس يَخرُّ رجالٌ من قامتهم في الصلاة من الخصاصة ـ  الخصاصة: الفاقة والجوع ـ  وهم أصحاب الصُفَّةِ، حتى يقول الأعراب هؤلاء مجانين، فإذا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف إليهم فقال: (لو تعلمون ما لكم عند الله لأحببتم أن تزدادوا فاقةً وحاجةً) رواه الترمذي وابن حبان وصححه الألباني.

    هذا وصلى الله وسلم على الهادي البشير والسراج المنير

جميع الحقوق محفوظة لموقع خطباء © 2019