• 11 نوفمبر، 2018 الساعة 10:15 ص
    الشيخ السيد مراد سلامة
    قافلة الاثنين: صور من طفولة النبي -صلى الله عليه وسلم

    قافلة الاثنين: صور من طفولة النبي -صلى الله عليه وسلم  
    للشيخ السيد مراد سلامة

    الحمد لله الذي أطلع للإسلام في شهر ربيع الأول سعده، ونظم فيه للهدى عقده، حيث أبرز للوجود نبيه وعبده، وأفض عليه من الكمالات مالا يمكن لحاسب أن يعده، وحلاه بالرسالة فبذل في أدائها جهده، أضاء الوجود بالدعوة إلى الله وحده، أحمده أن جعل أمتنا [ آخر الأمم ] وخير أمة، وبعث فينا رسولا منا يتلو علينا آياته ويزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة، أحمده على نعمه الجمّة وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تكون لمن اعتصم بها خير عصمة، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله للعالمين رحمة، [ فدعا إلى كلمة التوحيد وتوحيد الكِلْمَة، فكشف الله به الغمّة، ومحا بنور سنته الظلمة ] صلى الله عليه، صلاة تكون لنا [ طريقا إلى الجنة ]، وسلم تسليما كثيرا على آله وصحبه0أما بعد، فاتقوا الله عباد الله، وتمسكوا بسنة الحبيب ، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار

    أما بعد:

    أخي المسلم نعيش  في هذه الليلة  مع طفولة رسول الله – صلى الله عليه و سلم – لنلقي الضوء على بعض منها لنرى عناية الله تعالى بنبيه- – صلى الله عليه و سلم – و نرى بعض المشاهد التي نتعلم من خلالها الدروس و العبر

    نور أضاءت له قصور الشام

    عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ , صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ , صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يَقُولُ: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ، وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ؛ أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبِشَارَةُ عِيسَى، وَرُؤْيَا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ، وَكَذَلِكَ أُمَّهَاتُ النَّبِيِّينَ تَرَيْنَ.

    وَإِنَّ أُمَّ رَسُولِ اللَّهِ , صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , رَأَتْ حِينَ وَضَعَتْهُ نُورًا أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ. ([1])

     بركاتهصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على بني سعد

    بركة النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم في طفولته: حسبُنا ما تحدثت به مرضعته حليمة السعدية

    آيات البركة والخير التي عمت بني سعد عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم عندهم؛ كثيرة حيث رأت حليمة مرضعته من البركة التي حلّت عليها بوجوده صلى الله عليه وسلم، حيث امتلأ صدرها بالحليب بعد جفافه، حتى هدأ صغارها وكفّوا عن البكاء جوعاً، وكانت ماشيتها في السابق لا تكاد تجد ما يكفيها من الطعام، فإذا بالحال ينقلب عند مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى زاد وزنها وامتلأت ضروعها باللبن.

    عَنْ حَلِيمَةَ بنت الْحَارِثِ أَنَّهَا قَالَتْ: قَدِمْتُ مَكَّةَ فِي نِسْوَةٍ – وَذكر الْوَاقِدِيّ بِإِسْنَادِهِ أَنَّهُنَّ كن عشرَة نِسْوَةٍ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ يَلْتَمِسْنَ بِهَا الرُّضَعَاءَ – مِنْ بَنِي سَعْدٍ نَلْتَمِسُ بِهَا الرضعاء فِي سنة شهباء ([2])، فَقدمت عَلَى أَتَانٍ لِي قَمْرَاءَ كَانَتْ أَذَمَّتْ بِالرَّكْبِ ([3]) ، وَمَعِي صَبِيٌّ لَنَا، وَشَارِفٌ لَنَا وَاللَّهِ مَا تبض ([4]) بقطرة، وَمَا ننام لينًا ذَلِكَ أَجْمَعَ مَعَ صَبِيِّنَا ذَاكَ، مَا نَجِدُّ ِي ثدى مَا يُغْنِيهِ وَلَا فِي شَارِفِنَا مَا يُغَذِّيهِ، وَلَكِنَّا كُنَّا نَرْجُو الْغَيْثَ وَالْفَرَجَ، فَخَرَجْتُ عَلَى أَتَانِي تِلْكَ فَلَقَدْ أَذَمَّتْ بِالرَّكْبِ حَتَّى شَقَّ ذَلِك عَلَيْهِم ضعفا وعجفا.

    فقدمنا مَكَّة، فو الله مَا عَلِمْتُ مِنَّا امْرَأَةً إِلَّا وَقَدْ عُرِضَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فتأباه إِذا قيل إِنَّه يَتِيم، تَرَكْنَاهُ قُلْنَا: مَاذَا عَسَى أَنْ تَصْنَعَ إِلَيْنَا أُمُّهُ؟ إِنَّمَا نَرْجُو الْمَعْرُوفَ مِنْ أَبِي الْوَلَدِ، فَأَمَّا أُمُّهُ فَمَاذَا عَسى أَن تصنع إِلَيْنَا! فو الله مَا بَقِيَ مِنْ صَوَاحِبِي امْرَأَةٌ إِلَّا أَخَذَتْ رَضِيعًا غَيْرِي.

    فَلَمَّا لَمْ نَجِدْ غَيْرَهُ وَأَجْمَعْنَا الِانْطِلَاقَ قُلْتُ لِزَوْجِي الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى: وَالله إنى لَأَكْرَهُ أَنْ أَرْجِعَ مِنْ بَيْنِ صَوَاحِبِي لَيْسَ مَعِيَ رَضِيعٌ، لَأَنْطَلِقَنَّ إِلَى ذَلِكَ الْيَتِيمِ فَلْآخُذَنَّهُ.

    فَقَالَ: لَا عَلَيْكِ أَنْ تَفْعَلِي، فَعَسَى أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَنَا فِيهِ بَرَكَةً.

    فَذَهَبْتُ فَأَخَذَتْهُ، فَوَاللَّهِ مَا أَخَذْتُهُ إِلَّا أَنِّي لَمْ أَجِدْ غَيْرَهُ.

    فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ أَخَذْتُهُ فَجِئْتُ بِهِ رَحْلِي فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ ثَدْيَايَ بِمَا شَاءَ مِنْ لَبَنٍ، فَشَرِبَ حَتَّى رَوِيَ وَشَرِبَ أَخُوهُ حَتَّى رَوِيَ، وَقَامَ صَاحِبِي إِلَى شَارِفِنَا تِلْكَ فَإِذَا إِنَّهَا لَحَافِلٌ، فَحَلَبَ مَا شَرِبَ وَشَرِبْتُ حَتَّى روينَا، فبتنا بِخَير لَيْلَة.

    فَقَالَ صَاحِبِي حِينَ أَصْبَحْنَا: يَا حَلِيمَةُ وَاللَّهِ إِنِّي لِأَرَاكِ قَدْ أَخَذْتِ نَسَمَةً مُبَارَكَةً، أَلَمْ تَرَيْ مَا بِتْنَا بِهِ اللَّيْلَةَ مِنَ الْخَيْرِ وَالْبركَة حِين أخذناه؟ ! فَلم يزل الله عزوجل يَزِيدُنَا خَيْرًا.

    ثُمَّ خَرَجْنَا رَاجِعِينَ إِلَى بِلَادِنَا فو الله لَقَطَعَتْ أَتَانِي بِالرَّكْبِ حَتَّى مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حِمَارٌ، حَتَّى إِنَّ صَوَاحِبِي لَيَقُلْنَ: وَيْلَكِ يَا بِنْتَ أَبِي ذُؤَيْبٍ! هَذِهِ أَتَانُكِ الَّتِي خَرَجْتِ عَلَيْهَا مَعَنَا؟ فَأَقُولُ: نَعَمْ وَاللَّهِ إِنَّهَا لَهِيَ.

    فَيَقُلْنَ: وَاللَّهِ إِنَّ لَهَا لَشَأْنًا.

    حَتَّى قَدِمْنَا أَرْضَ بَنِي سَعْدٍ، وَمَا أَعْلَمُ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ اللَّهِ أَجْدَبَ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَتْ غَنَمِي لَتَسْرَحُ ثُمَّ تَرُوحُ شِبَاعًا لَبَنًا فَنَحْلِبُ مَا شِئْنَا، وَمَا حَوَالَيْنَا أَوْ حَوْلَنَا أَحَدٌ تَبِضُّ لَهُ شَاةٌ بِقَطْرَةِ لَبَنٍ، وَإِنَّ أَغْنَامَهُمْ لَتَرُوحَ جِيَاعًا، حَتَّى إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ لِرُعَاتِهِمْ أَوْ لِرُعْيَانِهِمْ: وَيْحَكُمُ انْظُرُوا حَيْثُ تَسْرَحُ غَنَمُ بِنْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ فَاسْرَحُوا مَعَهُمْ.

    فَيَسَرَحُونَ مَعَ غَنَمِي حَيْثُ تَسْرَحُ، فَتَرُوحُ أَغْنَامُهُمْ جِيَاعًا مَا فِيهَا قَطْرَةُ لَبَنٍ، وَتَرُوحُ أَغْنَامِي شِبَاعًا لَبَنًا نَحْلِبُ مَا شِئْنَا.

    فَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ يُرِينَا الْبَرَكَةَ نَتَعَرَّفُهَا. ([5])

    الاستسقاء به صلى الله عليه وسلم

    أخرج ابن عساكر عن جلهمة بن عرفطة قال: قدمت مكة وهم في قحط، فقالت قريش: يا أبا طالب، أقحط الوادي وأجدب العيال، فهلم فاستسق، فخرج أبو طالب، ومعه غلام كأنه شمس دجن، تجلت عنه سحابة قتماء، وحوله أغيلمة فأخذه أبو طالب، فألصق ظهره بالكعبة، ولاذ الغلام بأصبعه وما في السماء قزعة، فأقبل السحاب من هاهنا وهاهنا، وأغدق وأغدوق، وانفجر له الوادي، وأخصب النادي والبادي. وفي هذا يقول أبو طالب:

    وأبيض يستقي الغمام بوجهه … ثمال([6]) اليتامى عصمة للأرامل

    يلوذ به الهلاك من آل هاشم … فهم عنده في نعمة وفواضل ([7])

    حادثة شق الصدر

    عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل عليه السلام ذات يوم وهو يلعب مع الغلمان ، فأخذه فصرعه([8])  فشق عن قلبه فاستخرج القلب ، ثم شق القلب فاستخرج منه علقة([9])

     فقال : هذا حظ الشيطان منك ، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ، ثم لأمه([10])وأعاده في مكانه ، وجعل الغلمان يسعون إلى أمه – يعني ظئره([11])  فقالوا : إن محمدا قد ق تل ، فجاءوا وهو منتقع اللون ، فقال أنس : فلقد كنت أرى أثر المخيط ([12]) في صدره . ([13])

    و قالت حليمة : فبينما هو يلعب خلف البيوت هو وأخوه من الرضاعة في بهمٍ له، النبي عليه الصلاة والسلام نشأ مع الغنم منذ صغره يلعب مع البهم، إذ أتى أخوه يشتد، جاءنا أخوه الذي كان يلعب معه، وأنا وأبوه في البدن؛ مع الجمال، فقال: إن أخي القرشي أتاه رجلان عليهما ثيابٌ بيض فأخذاه وأضجعاه فشقا بطنه، فخرجت أنا وأبوه يشتد لإدراك الغلام الذي شق بطنه، فوجدناه قائماً قد امتقع لونه -تغير- فلما رآنا أجهش إلينا وبكى، قالت: فالتزمته أنا وأبوه، فضممناه إلينا، فقلنا: مالك بأبي أنت؟ فقال: أتاني رجلان وأضجعاني فشقا بطني وصنعا به شيئاً ثم رداه كما هو، فقال أبوه: والله ما أرى ابني إلا وقد أصيب، أي: حدث له شيء مكروه، الحقي بأهله فرديه إليهم قبل أن يظهر له ما نتخوف منه، قالت: فاحتملناه فقدمنا به على أمه، فلما رأتنا أنكرت شأننا، لأنهم ألحوا عليها وطلبوا منها في البداية ولما سمحت لهم يرجعون بعد ثلاثة أو أربعة أشهر بهذه السرعة وقالت: ما أرجعكما به قبل أن أسألكماه وقد كنتما حريصين على حبسه؟

    فقلنا: لا شيء إلا أن قد قضى الله رضاعه وسرنا ما نراه، وكنا نئويه كما تحبون أحب إلينا، فما اقتنعت آمنة فقالت: إن لكما شأناً فأخبراني ما هو؟

     فلم تدعنا حتى أخبرناها، لما رأى الصبي الآخر من قدوم اثنين وشق صدره وبطنه وصنعا به شيئاً ورداه كما هو، فقالت: كلا والله، لا يصنع الله ذلك به، إن لابني شأناً أفلا أخبركما خبره؟

     إني حملت به فوالله ما حملت حملاً قط كان أخف عليَّ منه، ولا أيسر منه، ثم أريت حين حملته أنه خرج مني نورٌ أضاء منه أعناق الإبل بـ بصرى -قصور بصرى البعيدة عن مكة – نور عظيم أضاء أعناق الإبل بـ بصرى ، ثم وضعته حين وضعته فوالله ما وقع كما يقع الصبيان، لقد وقع معتمداً بيديه على الأرض رافعاً رأسه إلى السماء، فدعاه عنكما، فقبضته وانطلقنا.)([14])

    ما يستفاد من حادثة شق الصدر:

    تعد حادثة شق الصدر التي حصلت له عليه الصلاة والسلام أثناء وجوده في مضارب بني سعد من إرهاصات النبوة ودلائل اختيار الله إياه لأمر جليل ([15])  .

    وقد روى الإمام مسلم في صحيحه حادثة شق الصدر في صغره، فعن أنس بن مالك: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه ([16]) ، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه -يعني ظئره- فقالوا: إن محمدًا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال إنس: وقد كنت أرى أثر المخيط في صدره ([17])                                                               ولا شك أن التطهير من حظ الشيطان هو إرهاص مبكر للنبوة، وإعداد للعصمة من الشر وعبادة غير الله، فلا يحل في قلبه إلا التوحيد الخالص، وقد دلت أحداث صباه على تحقق ذلك فلم يرتكب إثمًا، ولم يسجد لصنم ([18]) رغم انتشار ذلك في قريش ([19]) .

    وتحدث الدكتور البوطي عن الحكمة في ذلك فقال: يبدو أن الحكمة في ذلك إعلان أمر الرسول صلى الله عليه وسلم -وتهيؤه للعصمة والوحي منذ صغره بوسائل مادية ليكون ذلك أقرب إلى إيمان الناس به وتصديقهم برسالته، إنها إذن عملية تطهير معنوي، ولكنها اتخذت هذا الشكل المادي الحسي، ليكون فيه ذلك الإعلان الإلهي بين أسماع الناس وأبصارهم  ([20]) , إن إخراج العلقة منه تطهير للرسول صلى الله عليه وسلم من حالات الصبا اللاهية العابثة المستهترة, واتصافه بصفات الجد والحزم والاتزان وغيرها من صفات الرجولة الصادقة، كما تدلنا على عناية الله به وحفظه له، وأنه ليس للشيطان عليه سبيل  ([21]).

    صيانة الله للرسول صلى الله عليه و سلم و هو غلام :

     و روى محمد بن إسحق قال حدثني بعض أصحابنا : أن رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم قال : لقد رأيتني و أنا غلام يفع بمكة مع غلمان قريش نحمل حجارة على أعناقنا و قد حملنا أزرنا فوطأنا على رقابنا إذ دفعني دافع ما أراه و قال : اشدد عليك إزارك فشددت إزاري و هذا من نذر الصيانة ليكون عليها ناشئا و لها آلفا )([22])

    صيانة اللهللرسول صلى الله عليه و سلم و هو يافع :

     [ و روى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم يقول : ما هممت بشيء مما كان في الجاهلية يعملون به غير مرتين كل ذلك يحول الله تعالى بيني و بين ما أريد

     فإني قلت ليلة لغلام من قريش كان يرعى معي بأعلى مكة : لو أبصرت إلى غنمي حتى أدخل مكة فأسمر بها ما يسمر الشباب فقال : أدخل فخرجت أريد ذلك حتى إذا جئت أول دار من دور مكة سمعت عزفا بالدفوف و المزامير فقلت : ما هذا ؟ قالوا : فلان بن فلان تزوج فلانة ابنة فلان فجلست أنظر إليهم فضرب الله على أذني فنمت فما أيقظني إلا مس الشمس قال : فجئت صاحبي فقال : ما فعلت ؟ فقلت : ما صنعت شيئا و أخبرته الخبر

     قال ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك فقال : افعل فخرجت فسمعت حين جئت مكة مثل ما سمعت و دخلت مكة تلك الليلة فجلست أنظر فضرب الله على أذني فو الله ما أيقظني إلا مس الشمس فرجعت إلى صاحبي فأخبرته الخبر ثم ما هممت بعدهما بسوء حتى أكرمني الله برسالته ]

     فهذه أحوال عصمته قبل الرسالة و صده عن دنس الجهالة فاقتضى أن يكون بعد الرسالة أعظم و من الأدناس أسلم كفى بهذه الحالة أن يكون من الأصفياء الخيرة إن أمهل و من الأتقياء البررة إن أغفل و من أكبر الأنبياء عند الله تعالى من أرسل مستخلص الفطرة على النظرة و قد أرسله الله تعالى بعد الاستخلاص و طهره من الأدناس فانتفت عن تهم الظنون و سلم من ازدراء العيون ليكون الناس إلى إجابته أسرع و إلى الانقياد له أطوع)([23])

     

     

     

     

    [1] – المستدرك على الصحيحين للحاكم (2/ 453) وقال «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ»

    [2] -شهباء: مُجْدِبَة.

    [3] – أَنَّهَا أَبْطَأت عَلَيْهِم حَتَّى حبستهم.

    [4] – مَا تبض: مَا ترشح.

    [5] – السيرة النبوية لابن كثير (1/ 225/226)

    [6] والثمال -بكسر المثلثة: الملجأ والغياث، وقيل: المطعم في الشدة.

    [7] – شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (1/ 355)

    [8] – الصرع : السقوط والوقوع

    [9] – العلقة : القطعة من الدم الغليظ الجامد

    [10] – لأمه : ضم بعضه إلى بعض

    [11] – الظئر : المرضعة لغير ولدها ، ويطلق على زوجها أيضا

    [12] – المخيط : الإبرة

    [13] – مسلم (162).

    [14] – أبو يعلي في مجمع الزوائد (8/ 221)، السيرة النبوية بشرح الخشني: (1/ 214) من طريق ابن إسحاق وقد صرح ابن إسحاق بالسماع في رواية السيرة، قال الذهبي في السيرة النبوية ص8: هذا حديث جيد الإسناد وله شواهد تقويها ولذلك فالحديث حسن لشواهده.

    [15] – فقه السيرة للبوطي ص47.

    [16] – جمعه وضم بعضه إلى بعض (شرح النووي على مسلم 2/ 216).

    [17] – مسلم، كتاب الإيمان، (1/ 45) رقم 259.

    [18] -زعم المستشرق نيكلسون أن حديث شق الصدر أسطورة نشأت عن تفسير الآية (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) وأنه لو كان لها أصل فعلينا أن نخمن أنها تشير إلى نوع من الصرع، وهذا الذي زعمه نيكسون سبقه إليه المشركون حين اتهموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنون فنفى الله عنه ذلك (وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ).

    [19] – السيرة النبوية الصحيحة للعمري (1/ 104).

    [20] -فقه السيرة للبوطي, ص47.

    [21] -السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث (ص: 53)السيرة النبوية لأبي فارس ص106، 107.

    [22] – أعلام النبوة (ص: 240)

    [23] – أعلام النبوة (ص: 240)

جميع الحقوق محفوظة لموقع خطباء © 2019