• 1 نوفمبر، 2018 الساعة 10:32 م
    شبيب القحطاني
    خطبة : ( العمل والعمال حقوق وواجبات )
    العمل والعمال حقوق وواجبات      24 / 2 / 1440
     
    الخطبة الأولى :
    أَمَّا بَعدُ ، فَـ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم وَالَّذِينَ مِن قَبلِكُم لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ “
    أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، شَأنُ العَمَلِ في حَيَاةِ الإِنسَانِ عَظِيمٌ ، بِهِ يَنفَعُ نَفسَهُ وَأَهلَهُ وَوَلَدَهُ ، وَيُوَسِّعُ رِزقَهُ وَيَعُفُّ عَنِ استِجدَاءِ غَيرِهِ ، وَيُحَصِّلُ بِهِ مَصَالِحَ مُختَلِفَةً ، وَيَدفَعُ عَن نَفسِهِ وَعَن مُجتَمَعِهِ مَفَاسِدَ مُؤَكَّدَةً أَو مُحتَمَلَةً . وَمَا انفَكَّ النَّاسُ مُنذُ أَن وُجِدُوا يَعمَلُونَ وَيَحتَرِفُونَ ، وَمَا زَالُوا يَكُدُّونُ وَيَكدَحُونَ ، حَتَى لَقَد عَمِلَ أَفضَلُهُم وَأَزكَاهُم وَهُمُ الأَنبِيَاءُ ، فَعَمِلَ آدَمُ في الزِّرَاعَةِ , وَكَانَ نُوحٌ نَجَّارًا ، وَإِدرِيسُ خَيَّاطًا ، وَدَاوُدُ حَدَّادًا ، وَرَعَى مُوسَى الغَنَمَ عَشرَ سَنَوَاتٍ , وَعَمِلَ نَبِيُّنَا – صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ – في رَعيِ الغَنَمِ وَمَارَسَ التِّجَارَةَ , وَلَيسَ مِنَ الدِّينِ تَركُ العَمَلِ وَلا نَبذُ الأَسبَابِ ، وَلا تَعطِيلُ اليَدِ مِن صَنعَةٍ وَمِهنَةٍ ، بِدَعوَى التَّفَرُّغِ لِلعِبَادَةِ ، أَو بِزَعمِ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ , إِذْ لا بُدَّ لِكُلِّ امرِئٍ مِن عَمَلٍ وَلَو قَلَّ ، فَهُوَ خَيرٌ لَهُ مِن أَن يَسأَلَ النَّاسَ وَينثُرَ مَاءَ وَجهِهِ بَينَ أَيدِيهِم مُستَعطِيًا ، قَالَ  – صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ – : ” لأَن يَأخُذَ أَحَدُكُم أَحبُلَهُ ، فَيَأتِيَ بِحُزمَةٍ مِن حَطَبٍ عَلَى ظَهرِهِ ، فَيَبِيعَهَا فَيَكُفَّ اللهُ بِهَا وَجهَهُ ، خَيرٌ لَهُ مِن أَن يَسأَلَ النَّاسَ أَعطَوهُ أَم مَنَعُوهُ ” رَوَاهُ البُخَارِيُّ ، وَقَالَ – صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ – : ” مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا خَيرًا مِن أَن يَأكُلَ مِن عَمَلِ يَدِهِ ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ دَاوُدَ – عَلَيهِ السَّلامُ – كَانَ يَأكُلُ مِن عَمَلِ يَدِهِ ” رَوَاهُ البُخَارِيُّ . وَعنِ ابنِ عُمَرَ – رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا – قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللهِ  – صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ – : أَيُّ الكَسبِ أَفضَلُ ؟ قَالَ : ” عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ ، وَكُلُّ بَيعٍ مَبرُورٍ ” رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ . وَقَد بَلَغَ مِن عِنَايَةِ الإِسلامِ بِالعَمَلِ وَالحَثِّ عَلَيهِ وَمَدحِ أَهلِهِ ، أَن عَدَّهُ نَوعًا مِنَ الجِهَادِ وَالعِبَادَةِ ، مَا دَامَ المَرءُ فِيهِ عَلَى الفِطرَةِ ، يَبحَثُ عَن رِزقِهِ وَرِزقِ أَبَوَيهِ وَبَنِيهِ ، وَيُعِفُّ نَفسَهُ ويُخلِصُ لِرَبِّهِ وَيَتَّقِيهِ ، فَعَن كَعبِ بنِ عُجرَةَ – رَضِيَ اللهُ عَنهُ – قَالَ : مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ – رَجُلٌ ، فَرَأَى أَصحَابُ رَسُولِ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ – مِن جَلَدِهِ وَنَشَاطِهِ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ ، لَو كَانَ هَذَا في سَبِيلِ اللهِ ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ – : ” إِن كَانَ خَرَجَ يَسعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا فَهُوَ في سَبِيلِ اللهِ ، وَإِن كَانَ خَرَجَ يَسعَى عَلَى أَبَوَينِ شَيخَينِ كَبِيرَينِ فَهُوَ في سَبِيلِ اللهِ ، وَإِن كَانَ خَرَجَ يَسعَى عَلَى نَفسِهِ يُعِفُّهَا فَهُوَ في سَبِيلِ اللهِ ، وَإِن كَانَ خَرَجَ يَسعَى رِيَاءً وَمُفَاخَرَةً فَهُوَ في سَبِيلِ الشَّيطَانِ ” رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ وَقَالَ الأَلبَانيُّ : صَحِيحٌ لِغَيرِهِ . أَجَل – أَيُّهَا المُسلِمُونَ – إِنَّهُ لا بُدَّ مِنَ العَمَلِ وَلا مَنَاصَ عَنهُ ، وَالمَرءُ إِمَّا أَن يَعمَلَ لِنَفسِهِ فَيَنفَعَهَا ، وَإِمَّا أَن يَكُونَ أَجِيرًا عِندَ غَيرِهِ وَيَكتَسِبَ ، وَالغَالِبُ في دُنيَا النَّاسِ أَنَّهُ لا بُدَّ أَن يَعمَلَ بَعضُهُم لِبَعضٍ وَيَخدِمَ بَعضُهُم بَعضًا ، وَقَد وَرَدَت في كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ آيَاتٌ كَرِيمَةٌ وَأَحَادِيثُ عَظِيمَةٌ ، ذُكِرَت فِيهَا أَحكَامٌ تَضبِطُ العَمَلَ ، وَتُبَيِّنُ حَقَّ صَاحِبِ العَمَلِ وَالعَامِلِ ، وَمَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنهُمَا ، وَهِيَ أَحكَامٌ جَلِيلَةٌ كَثِيرَةٌ ، نَاقَشَهَا فُقَهَاءُ الإِسلامِ في أَبوَابِ المُعَامَلاتِ ، وَأَصَّلُوا بِنَاءً عَلَيهَا كَثِيرًا مِنَ الأُصُولِ وَقَعَّدُوا كَثِيرًا مِنَ القَوَاعِدِ ، وَفَرَّعُوا عَلَيهَا تَفرِيعَاتٍ وَذَكَرُوا مَسَائِلَ وَضَوَابِطَ ، غَيرَ أَنَّ ثَمَّةَ مُهِمَّاتٍ ، حَقِيقٌ بِالمُسلِمِينَ تَذَكُّرُهَا وَالوُقُوفُ عِندَهَا ، لِيَحفَظُوا أَنفُسَهُم مِن أَن يَظلِمُوا أَو يُظلَمُوا ، أَو يَعتَدُوا أَو يُعتَدَى عَلَيهِم ، أَو يَأكَلُوا حَقَّ أَحَدٍ أَو يُؤكَلَ لَهُم حَقُّ ، فَمِن أَهَمِّ تِلكَ المُهِمَّاتِ أَنَّ مِمَّا يُحِبُّهُ اللهُ تَجوِيدَ العَمَلِ وَإِتقَانَهُ ، قَالَ – عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ – : ” إِنَّ اللهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُم عَمَلاً أَن يُتقِنَهُ ” رَوَاهُ أَبُو يَعلَى وَغَيرُهُ وَحَسَّنَهُ الأَلبَانيُّ . وَإِتقَانُ العَمَلِ هُوَ أَحَدُ رُكنَي نَجَاحِهِ ، إِذ هُوَ جَانِبُ القُوَّةِ الَّتي تُكَوِّنُ مَعَ الأَمَانَةِ أَسَاسَيِ العَمَلِ النَّاجِحِ ، قَالَ – تَعَالى – عَلَى لِسَانِ إِحدَى ابنَتَي شُعَيبٍ وَقَد سَقَى مُوسَى – عَلَيهِ السَّلامُ – لَهُمَا ، فَرَأَت فِيهِ القُوَّةَ وَالأَمَانَةَ : ” قَالَت يَا أَبَتِ استَأجِرْهُ إِنَّ خَيرَ مَنِ استَأجَرتَ القَوِيُّ الأَمِينُ ” وَهَكَذَا – أَيُّهَا المُسلِمُونَ – فَلا حَقَّ لِغَيرِ مُختَصٍّ وَلا مُتَمَكِّنٍ مِن عَمَلٍ مَا ، أَن يَبتَلِيَ النَّاسَ فَيُفسِدَ عَلَيهِم أَعمَالَهُم وَمُقَدَّرَاتِهِم وَيَأكُلَ أَموَالَهُم بِالبَاطِلِ ، وَمَن كَانَ كَذَلِكَ فَقَد ظَلَمَ نَفسَهُ وَظَلَمَ عِبَادَ اللهِ ، وَعَرَّضَ نَفسَهُ لأَكلِ الحَرَامِ أَوِ الوُقُوعِ في المُشتَبَهِ ، وَبِهَذَا وَمِثلِهِ تَقِلُّ البَرَكَةُ في الأَرزَاقِ ، وَتَفسُدُ النُّفُوسُ وَتَختَلِفُ القُلُوبُ ، وَتَكثُرُ المُشكِلاتُ وَتَحدُثُ القَضَايَا الشَّائِكَةُ . غَيرَ أَنَّ مِمَّا يَجِبُ التَّنَبُّهُ لَهُ في هَذَا المَقَامِ ، وَهُوَ مِمَّا قَد يَفهَمُهُ أَصحَابُ العَمَلِ عَلَى غَيرِ وَجهِهِ ، فَيَتَجَاوَزُونَ فِيهِ حُدُودَهُم وَيَظلِمُونَ العُمَّالَ ، أَنَّ لِلعَامَلِ حَقًّا بِعَدَمِ تَكلِيفِهِ مَا يَشُقُّ عَلَيهِ وَلا يُطِيقُهُ ، وَلا إِرهَاقِهِ بِمَا يَضُرُّ جَسدَهُ أَو صِحَّتَهُ ، أَو يُعِيقُهُ عَنِ العَمَلِ وَيَجعَلُهُ عَاجِزًا عَنِ الكَسَبِ ، قَالَ – تَعَالى – : ” لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفسًا إِلاَّ وُسعَهَا ” وَقَالَ حِكَايَةً عَن شُعَيبٍ – عَلَيهِ السَّلامُ – حِينَ أَرَادَ أَن يَعمَلَ لَهُ مُوسَى في مَالِهِ : ” وَمَا أُرِيدُ أَن أَشُقَّ عَلَيكَ ” وَقَالَ – صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ – : ” إِخوَانُكُم خَوَلُكُم – أَيْ خَدَمُكُم – جَعَلَهُمُ اللهُ تَحتَ أَيدِيكُم ، فَمَن كَانَ أَخُوهُ تَحتَ يَدِهِ فَليُطعِمْهُ مِمَّا يَأكُلُ ، وَليُلبِسْهُ مِمَّا يَلبَسُ ، وَلا تُكَلِّفُوهُم مَا يَغلِبُهُم ، فَإِن كَلَّفتُمُوهُم فَأَعِينُوهُم ” رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ . وَمِنَ المُهِمَّاتِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالعَمَلِ وَالعُمَّالِ : أَنَّهُ في مُقَابِلِ مُطَالَبَةِ العَامِلِ بِإِتقَانِ عَمَلِهِ قَدرَ مَا يَستَطِيعُ ، فَإِنَّهُ لا يَجُوزُ لِصَاحِبِ العَمَلِ أَن يَبخَسَهُ شَيئًا مِن حَقِّهِ ، أَو يَغبِنَهُ في تَقدِيرِ أَجرَهُ الَّذِي يَستَحِقُّهُ جَزَاءَ عَمَلِهِ ، قَالَ – تَعَالى – : ” وَلا تَبخَسُوا النَّاسَ أَشيَاءَهُم وَلا تَعثَوا في الأَرضِ مُفسِدِينَ ” وَعَن أَبي هُرَيرَةَ – رَضِيَ اللهُ عَنهُ – عَنِ النَّبيِّ – صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ – قَالَ : قَالَ اللهُ : ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصمُهُم يَومَ القِيَامَةِ : رَجُلٌ أَعطَى بي ثُمَّ غَدَرَ ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ ، وَرَجُلٌ استَأجَرَ أَجِيرًا فَاستَوفَى مِنهُ وَلَم يُعْطِهِ أَجرَهُ ” رَوَاهُ البُخَارِيُّ . وَقَالَ – صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ – : ” أَعطُوا الأَجِيرَ أَجرَهُ قَبلَ أَن يَجِفَّ عَرَقُهُ ” رَوَاهُ ابنُ مَاجَه وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ . وَمِنَ المُهِمَّاتِ في مَجَالِ العَمَلِ وُالعُمَّالِ : وُجُوبُ الأَمَانَةِ في أَدَاءِ العَمَلِ ، وَالحَذَرُ مِنَ الغِشِّ وَالخِيَانَةِ ، قَالَ – تَعَالى – : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُم وَأَنتُم تَعلَمُونَ ” وَقَالَ – صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ – : ” مَن غَشَّ فَلَيسَ مِنَّا ” رَوَاهُ مُسلِمٌ . وَقَالَ – صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ – : ” لا إِيمَانَ لِمَن لا أَمَانَةَ لَهُ ” رَوَاهُ أَحمَدُ وَغَيرُهُ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ . وَقَالَ – صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ – : ” أَدِّ الأَمَانَةَ إِلى مَنِ ائتَمَنَكَ ، وَلا تَخُنْ مَن خَانَكَ ” رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ . وَمِنَ المُهِمَّاتِ في مَوضُوعِ العَمَلِ وَالعُمَّالِ : مَا يَنبَغِي أَن يَكُونَ صَاحِبُ العَمَلِ عَلَيهِ مِنَ المُعَامَلَةِ بِالحُسنَى ، وَحِفظِ كَرَامَةِ العَامِلِ أَيًّا كَانَ ، وَالحِرصِ عَلَى مَا يُصلِحُ شَأنَهُ ، وَذَلِكَ خُلُقٌ نَبَوِيٌّ كَرِيمٌ ، فَرَّطَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ اليَومَ وَتَنَاسَوهُ ، قَالَت عَائِشَةُ – رَضِيَ اللهُ عَنهَا – : ” مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ – شَيئًا قَطُّ بِيَدِهِ وَلا امرَأَةً وَلا خَادِمًا إِلاَّ أَن يُجَاهِدَ في سَبِيلِ اللهِ ” رَوَاهُ مُسلِمٌ . وقال أنس بن مالك خادم رسول الله – صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ – : كَانَ رَسُولُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ – مِن أَحسَنِ النَّاسِ خُلُقًا ، فَأَرسَلَنِي يَومًا لِحَاجَةٍ ، فَقُلتُ : وَاللهِ لا أَذهَبُ ، وَفي نَفسِي أَن أَذهَبَ لِمَا أَمَرَني بِهِ نَبيُّ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ – قَالَ : فَخَرَجتُ حَتَّى أَمُرَّ عَلَى صِبيَانٍ وَهُم يَلعَبُونَ في السُّوقِ ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ قَابِضٌ بِقَفَايَ مِن وَرَائِي ، فَنَظَرتُ إِلَيهِ وَهُوَ يَضحَكُ ، فَقَالَ : ” يَا أُنَيسُ ، اِذهَبْ حَيثُ أَمَرتُكَ ” قُلتُ : نَعَم ، أَنَا أَذهَبُ يَا رَسُولَ اللهِ . قَالَ أَنَسٌ : وَاللهِ لَقَد خَدَمتُهُ سَبعَ سِنِينَ أَو تِسعَ سِنِينَ ، مَا عَلِمتُ قَالَ لِشَيءٍ صَنَعتُ لِمَ فَعَلتَ كَذَا وَكَذَا ، وَلا لِشَيءٍ تَرَكتُ هَلاَّ فَعَلتَ كَذَا وَكَذَا . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَحَسَّنَهُ الأَلبَانيُّ . أَلا فَلْنَتَّقِ اللهَ – أَيُّهَا المُسلِمُونَ – وَلْنُحسِنْ إِلى بَعضِنَا ، وَلْنَتَحَرَّ إِتقَانَ الأَعمَالِ وَتَنَاوُلَ المَالِ الحَلالِ ، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم : ” أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ “
     
     
    الخطبة الثانية :
     
    أَمَّا بَعدُ ، فَاتَّقُوا اللهَ – تَعَالى – وَأَطِيعُوهُ وَلا تَعصُوهُ ”  وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجعَلْ لَهُ مَخرَجًا . وَيَرزُقْهُ مِن حَيثُ لا يَحتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسبُهُ إِنَّ اللّهَ بَالِغُ أَمرِهِ قَد جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيءٍ قَدْرًا “
    أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، وَمِن أَهَمِّ المُهِمَّاتِ في العَمَلِ ، وُجُوبُ الوَفَاءِ بِالعُقُودِ بَينَ صَاحِبِ العَمَلِ وَالعَامِلِ ، مَا دَامَت مُوَافِقَةً لِلشَّرِيعَةِ وَلا تُخَالِفُ الأَنظِمَةَ الرَّسْمِيَّةَ ، قَالَ – تَعَالَى – : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوفُوا بِالعُقُودِ ” وَقَالَ – تَعَالى – في وَصفِ المُؤمِنِينَ : ” وَالَّذِينَ هُم لأَمَانَاتِهِم وَعَهدِهِم رَاعُونَ ” وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ أَنظِمَةِ العَمَلِ في بِلادِنَا قَد بُنِيَت عَلَى الدَّلِيلِ الشَّرعِيِّ ، وَهَذَا مِن أَعظَمِ مَا يُوجِبُ العَمَلَ بِهَا ، يُضَافُ إِلى ذَلِكَ أَنَّ العَمَلَ بِهَا وَعَدَمَ الخُرُوجِ عَنهَا يَدخُلُ في طَاعَةِ وَلِيِّ الأَمرِ الَّتي أُمِرنَا بِهَا جَمِيعًا ، قَالَ – جَلَّ وَعَلا – : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولي الأَمرِ مِنكُم ” وَإِنَّ مِمَّا يَتَجَاوَزُ النَّاسُ فِيهِ الأَنظِمَةَ ، فَيَدخُلُونَ بِذَلِكَ في مُخَالَفَةِ وَلِيِّ الأَمرِ ، وَيُعَرِّضُونَ أَنفُسَهُم لأَكلِ الحَرَامِ ، أَوِ الوُقُوعِ في المُشتَبَهِ ، بَيعَ التَّأشِيرَاتِ عَلَى العُمَّالِ ، وَاستِقدَامَهًم وَتَسرِيحَهُم دُونَ تَكلِيفٍ بِعَمَلٍ ، ثم مُطَالَبَتُهُم بِمَبلَغٍ شَهرِيٍّ أَو سَنَوِيٍّ يَأخُذُهُ الكَفِيلُ ، وَمِنَ المُخَالَفَاتِ التَّسَتُّرُ عَلَى العُمَّالِ المُتَخَلِّفِينَ أَوِ المُخَالِفِينَ لِلأَنظِمَةِ ، وَالتَّعَامُلُ مَعَهُم وَإِعَانَتِهِم عَلَى خَطَئِهِم ، فَلْيَتَّقِ اللهَ المُسلِمُونَ جَمِيعًا ، فَإِنَّ الأَنظِمَةَ لم تُوضَعْ إِلاَّ لِتَنظِيمِ أُمُورِ العَمَلِ وَالعُمَّالِ وَحِفظِ الحُقُوقِ ، وَالوَاجِبُ عَلَى الجَمِيعِ التَّعَاوُنُ فِيمَا يُحَقِّقُ المَصَالِحَ وَيَدرَأُ المَفَاسِدَ ، وَالحَذَرُ مِنَ التَّحَايُلِ ومُخَالَفَةِ الأَنظِمَةِ لِمَا في ذَلِكَ مِنَ المَفَاسِدِ المُحَقَّقَةِ أَوِ المُحتَمَلَةِ , وَاللهُ لا يُصلِحُ عَمَلَ المُفسِدِينَ .
جميع الحقوق محفوظة لموقع خطباء © 2019