• 25 أكتوبر، 2018 الساعة 11:59 م
    أبوزيد السيد عبد السلام رزق الأزهري
    إتحاف النبلاء بفضل الصبر على البلاء

    إتحاف النبلاء بفضل الصبر على البلاء

    الْحَمْدُ للَّهِ الْوَاحِدِ الْمَاجِدِ الْعَظِيمِ ، الْقَدِيرِ الْبَصِيرِ النَّصِيرِ الْحَلِيمِ ، الْقَوِيِّ الْعَلِيِّ الْغَنِيِّ الْحَكِيمِ ، قَضَى فَأَسْقَمَ الصَّحِيحَ وَعَافَى السَّقِيمَ قَسَمَ عِبَادَهُ قِسْمَيْنِ : طَائِعٌ وَأَثِيمٌ ، وَجَعَلَ مَآلَهُمْ إِلَى دَارَيْنِ : دَارِ النَّعِيمِ وَدَارِ الْجَحِيمِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ عَصَمَهُ مِنَ الْخَطَايَا كَأَنَّهُ فِي حَريِمٍ ، ومِنْهُمْ مَنْ قَضَى لَهُ أَنْ يَبْقَى عَلَى الذُّنُوبِ وَيُقِيمَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ الأَمْرَيْنِ وَالْعَمَلُ بِالْخَوَاتِيمِ ، خَرَجَ مُوسَى رَاعِيًا فعاد وَهُوَ الْكَلِيمُ ، وَذَهَبَ ذُو النُّونِ مُغَاضِبًا فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مليِم ، وَكَانَ مُحَمَّدٌ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَتِيمًا فَكَانَ الْكَوْنُ لِذَلِكَ الْيَتِيمِ ، وَعَصَى آدَمُ وَإِبْلِيسُ فَهَذَا مَرْحُومٌ وَهَذَا رَجِيمٌ ، فَإِذَا سَمِعْتَ بِنَيْلِ الْمَمَالِكِ أَوْ رَأَيْتَ وُقُوعَ الْمَهَالِكِ ، فَقُلْ : ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [فصلت آية 12] وأشهدُ أن لا إلهَ إلاَ اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ ولا شيء مثلُه، ولا شيء يعجزُه، ولا إلهَ غيرُه ، أولٌ بلاَ إبتداء دائمٌ بلا َانتهاء لايفنى ولا يبيدُ،ولا يكونُ إلا مايريد ، لا تبلغُه الأوهامُ ولا تدركُه الأفهامُ، ولا يشبهُ الأنامَ، حيٌّ لا يموت، قيومٌ لا ينامُ ، وأشهدُ أنَ محمداً عبدهُ ورسولهُ وصفيهُ منْ خلقهِ وحبيبهُ وخليِلُه صلىَ عليهِ صلَّى عليه بارئُ العباد، ما جرت الأقلام بالمداد، وأمطرت سحبٌ وسال وادِ وآله وصحبه ومن سلك سبيلهم ما دار نجم في فلك ثُمَ أمَا بعد :

    أيها الناس اتقوا الله تعالى، واعلموا أن الصبر من الدين بمنزلة الرأس من الجسد، فلا إيمان لمن لا صبر له، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر، وبه يظهر الفرق بين ذوي العزائم والهمم، وبين ذوي الجبن والضعف والخور، والصبر من مقام الأنبياء والمرسلين وحلية الأصفياء المتقين، قال الله تعالى عن عباد الرحمن: ﴿ أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا ﴾ [الفرقان: 75] وقال عن أهل الجنة: ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ﴾ [الرعد: 23، 24] والصبر في اللغة : الحبس والكف والمنع أي يجب أن يقوم الإنسان بحبس نفسه وإلزامها على ذلك، و الصبر اصطلاحا : هو حبس النفس عن الجزع واللسان عن التسخط والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب .والصبر ثلاثة أقسام: صبر على طاعة الله، وصبر عن محارم الله، وصبر على أقدار الله التي يجريها إما مما لا كسب للعباد فيه، وإما مما يجريه الله على أيدي بعض ا لعباد .

    فوائد البلاء

    : إن للبلاء فوائد عظيمة لو علمها المبتلى لهانت عليه المصائب ورضي ولم يسخط ولم يشتكي من ربه تبارك وتعالى ومن فوائد البلاء

    أولا : من فوائد البلاء أن البلاء يغفر الخطايا ويغسل الذنوب أخرج الطبراني في معجمه الكبير بسند صححه الألباني في السلسلة الصحيحة الجزء الرابع حديث رقم (1611) عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : ” إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا مَرِضَ , أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مَلَائِكَتِهِ , فَيَقُولُ : يَا مَلَائِكَتِي : أَنَا قَيَّدْتُ عَبْدِي بِقَيْدٍ مِنْ قُيُودِي ، فَإِنْ قَبَضْتُهُ , أَغْفِرْ لَهُ ، وَإِنْ عَافَيْتُهُ , فَجَسَدٌ مَغْفُورٌ لَهُ , لَا ذَنْبَ لَهُ ” وفي صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ) وفي رواية لمسلم (( ما يصيبُ المؤمنَ من وصبٍ ، ولا نصبٍ ، ولا سقمٍ ، ولا حَزنٍ ، حتَّى الهمَّ يُهمُّه ، إلَّا كفَّر به من سيِّئاتِه )) . النصب: التعب ، الوصب: المرض .وفي الصحيحين عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا ) وفي سنن الترمذي بسند قال عنه حسن صحيح عن أبي هريرة – رضي الله عنه – ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله – صلى الله عليه وسلم – : (( مَا يَزَالُ البَلاَءُ بالمُؤمِنِ وَالمُؤْمِنَةِ في نفسِهِ ووَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى الله تَعَالَى وَمَا عَلَيهِ خَطِيئَةٌ )) وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أم السائب , أو أم المسيب فقال (( مالَكِ ؟ يا أمَّ السائبِ ! أو يا أمَّ المُسيَّبِ ! تُزَفْزِفينَ ؟ ” قالت : الحمَّى . لا بارك اللهُ فيها . فقال ” لا تسُبِّي الحُمَّى . فإنها تُذهِبُ خطايا بني آدمَ . كما يُذهبُ الكِيرُ خبثَ الحديدِ)) رواه مسلم . تزفزفين وهو الرعدة التي تحصل للمحموم ، وأخرج البيهقي في الآداب بسند قال عنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب حسن لغيره ( صحيح الترغيب والترهيب الجزء الثالث حديث رقم (3431) عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكَيْنِ ، فَيَقُولُ : انْظُرُوا مَا يَقُولُ لِعُوَّادِهِ فَإِنْ هُوَ إِذَا جَاؤُوهُ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ رَفَعَا ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ أَعْلَمُ ، فَيَقُولُ : لِعَبْدِي عَلَيَّ إِنْ تَوَفَّيْتُهُ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ ، وَإِنْ شَفَيْتُهُ أَنْ أُبَدِّلَهُ لَحْمًا خَيْرًا مِنْ لَحْمِهِ وَدَمًا خَيْرًا مِنْ دَمِهِ ، وَأَنْ أُكَفِّرَ عَنْهُ سَيِّئَاتَهُ ) .

    ثانيا: من فوائد البلاء أن البلاء يرفع العبد الدرجات العالية في جنة الله تعالى يبتلي عباده بالسراء والضراء وبالشدة والرخاء، وقد يبتليهم بها لرفع درجاتهم وإعلاء ذكرهم كما يفعل بالأنبياء والرسل -عليهم الصلاة والسلام- والصلحاء من عباد الله، ففي مسند أحمد بسند صحيح عن مصعب بن سعد عن أبيه رضي الله عنه قال (( قلتُ يا رسولَ اللهِ أيُّ النَّاسِ أشدُّ بلاءً قالَ الأَنبياءُ ثمَّ الأَمثلُ فالأَمثلُ ؛ يُبتلَى الرَّجلُ علَى حسَبِ دينِهِ ، فإن كانَ في دينِهِ صلبًا اشتدَّ بلاؤُهُ ، وإن كانَ في دينِهِ رقَّةٌ ابتليَ علَى قدرِ دينِهِ ، فما يبرحُ البلاءُ بالعبدِ حتَّى يترُكَهُ يمشي علَى الأرضِ وما علَيهِ خطيئةٌ) فإذا احب الله تعالى عبدا إبتلاه ليرفع درجته في الجنة في سنن أبي داود بسند صححه الألباني في الصحيحة حديث رقم (2599 ) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يَقُولُ : ” إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَنْزِلَةٌ لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ ، ابْتَلاهُ اللَّهُ فِي جَسَدِهِ أَوْ فِي مَالِهِ أَوْ فِي وَلَدِهِ ، ثُمَّ صَبَّرَهُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يُبَلِّغَهُ مَنْزِلَتَهُ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ” وفي صحيح مسلم عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ شَوْكَةٍ فَمَا فَوْقَهَا إِلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً أَوْ حَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً » .

    ثالثاً : من فوائد البلاء أن البلاء يعجل العقوبة للعبد في الدنيا لتسقط عنه يوم القيامة مما لا شك فيه أنه لا يخلو عبد من ذنب فمن ذا الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط ، هنا يأتي البلاء ليرد العبد إلى ربه ويرجع إلى خالقه ويجدد التوبة والعهد مع الله كما جاء في الأثر ( إن الله تعالى يبتلى عبده وهو يحبه ليسمع تضرعه وبكائه) والبلاء يكون بالخير والشر فيبتلى عبده ليعجل عقوبته في الدنيا فيطهره بها والبلاء يحل في رحل العبد بذنوبه كما قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [شورى:30]، قال ابن عباس: “يعجل للمؤمنين عقوبتهم بذنوبهم ولا يؤاخذون بها في الآخرة” وأخرج الترمذي بسند صححه الألباني في صحيح الجامع في الجزء الأول حديث رقم ( 307) عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إذا أرادَ اللَّهُ بعبدِهِ الخيرَ عجَّلَ لهُ العقوبةَ في الدُّنيا ، وإذا أرادَ بعبدِهِ الشَّرَّ أمسَكَ عنهُ بذنبِهِ حتَّى يوافى بهِ يومَ القيامةِ)) وفي سنن البيهقي بسند صححه الألباني في السلسلة الصحيحة في الجزء الثاني حديث رقم (557) عنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ : خَرَجَ النَّبِيُ -صلى الله عليه وسلم- يَعُودُ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِهِ وَبِهِ وَجَدٌ وَأَنَا مَعَهُ فَقَبَضَ عَلَى يَدِهِ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ ، وَكَانَ يَرَى ذَلِكَ مِنْ تَمَامِ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ ثُمَّ قَالَ :« إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ هِىَ نَارِى أُسَلِّطُهَا عَلَى عَبْدِى الْمُؤْمِنِ لِتَكُونَ حَظَّهُ مِنَ النَّارِ فِي الآخِرَةِ ».

    رابعاً :من فوائد البلاء أن الله تعالى ضمن الجنة لأهل البلاء وأعظم لهم الأجر فيها ولم يحدده لهم في الدنيا ليرى منهم الرضا والصبر الجميل قال الله تعالى (( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) في تفسير البغوي/ قال علي رضي الله عنه: كل مطيع يكال له كيلا ويوزن له وزنًا إلا الصابرون، فإنه يحثى لهم حثيًا .وقال أنس بن مالك رضي الله عنه : “يؤتي بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان، ويصب عليهم الأجر صبًا بغير حساب” وفي تفسير ابن كثير/ قال الأوزاعي ليس يوزن لهم ولا يكال لهم إنما يغرف لهم غرفا وقال ابن جريج بلغني أنه لا يحسب عليهم ثواب عملهم قط ولكن يزادون على ذلك وقال السدي « إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب » يعني في الجنة ، في الصحيحين عن عطاء بن أبي رباح قال قال لي ابن عباس رضي الله عنهما (( أَلاَ أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ ؟ قُلْتُ : بلى، قال : هذه المرأةُ السَّوْداءُ، أتَتِ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالتْ : إني أُصْرَعُ، وإني أتَكَشَّفُ، فادْعُ اللهَ لي، قال : ( إن شِئتِ صبرتِ ولك الجنَّةُ، وإن شِئتِ دعَوتُ اللهَ أن يُعافيَكِ ) . فقالتْ : أصبِرُ، فقالتْ : إني أتَكَشَّفُ، فادْعُ اللهَ أنْ لا أتَكَشَّفَ، فدَعا لها )) وفي صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى مَا لِعَبْدِي الْمُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ إِلَّا الْجَنَّةُ ) .

    خامساً: من فوائد البلاء صلاة الله تعالى عليهم ورحمته لهم وهدايتهم إلى صراطه المستقيم قال الله تعالى في محكم التنزيل وأحسن القيل {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ, الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ, أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة:155-157] قال ابن كثير “قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: نعم العدلان ونعمت العلاوة (أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ) فهذان العدلان ، (وأولئك هم المهتدون ) فهذه العلاوة، وهي ما توضع بين العدلين، وهي زيادة في الحمل وكذلك هؤلاء، أعطوا ثوابهم وزيدوا أيضا ، فالعدل الأول أن صلى الله عليهم والعدل الثاني أن رحمهم الله فلما زادوا في الصبر زادهم الله في الأجر فأعطاهم فوق ذلك علاوة فهداهم إلى صراطه المستقيم .يذكر ابن الجوزي في «عيون الحكايات» قال الأصمعي: خرجت أنا وصديق لي إلى البادية، فضللنا الطريق، فإذا نحن بخيمة على يمين الطريق، فقصدنا نحوها فسلمنا فإذا عجوز تردُّ السلام، ثم قالت: من أنتم؟ قلنا: قوم ضللنا الطريق، وأَنِسْنا بكم، وقوم جياع، فقالت: ولُّو وجوهكم حتى أقضي من حقكم ما أنتم له أهل ، ففعلنا وجلسنا على فراش ألقته لنا، وإذا ببعير مقبل وعليه راكب، وإذا بها تقول: أسأل الله بركةَ المُقبل، أما البعير فبعير ولدي أمَّا راكبه فليس بولدي ، فجاء الراكب قال: يا أمَّ عقيل السلام عليك، أعظم الله أجرك في عقيل! فقالت: ويحك أو قد مات عقيل؟ قال: نعم، قالت: ما سبب موته؟ قال: ازدحمت عليه الإبل فرمت به في البئر ، فقالت: انزل، فدفعت له كبشًا ونحن مدهوشون، فذبحه وأصلحه وقرَّب إلينا الطعام، فجعلنا نتعجب من صبرها، فلمَّا فرغنا، قالت: هل فيكم أحد يحسن من كتاب الله عزَّ وجلَّ شيئًا، قلنا: نعم، قالت: فاقرأوا عليَّ آيات أتعزَّى بها عن ابني، قال: قلت: «وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ» قالت: آلله إنها لفي كتاب الله؟ قلت: والله إنها لفي كتاب الله، قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، صبر جميل، وعند الله احتسب عقيلاً. اللهم إني فعلت ما أمرتني به فأنجز لي ما وعدتني، ولو بقي أحد لأحد لبقي محمد صلى الله عليه وسلم لأمته ؛ قال: فخرجنا ونحن نقول: ما أكمل منها ولا أجزل، لمَّا علمت أن الموت لا مدفع ولا محيص عنه، وأن الجزع لا يجدي نفعًا، وأن البكاء لا يرد هالكًا، رجعت إلى الصبر الجميل والرِّضا بقضاء السميع العليم، فاحتسبت ابنها لله عزَّ وجلَّ ذخيرة نافعة ليوم الفقر والفاقة. فما أجمل الرضا بقضاء الله بكشف محن المصاب وكرباته.

    سادساً : ومن فوائدِ البلاء أنَّ اللهَ – تعالى – يكونُ قريباً من المبتلى يرحمُه ويجيبُ دعاءَه ويُثيبُ زوَّارَه والقائمين عليه.. ولذلك تحتفي الملائكةُ بعائدِ المريضِ، بل ويعتبُ –سبحانَه- على من تركَ عيادة المريض؛ كما جاءَ في صحيح مسلم عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِى. قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ. قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِى فُلاَنًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ ) عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ سَلْمَانَ رضي الله عنه وَعَادَ مَرِيضًا فِي كِنْدَةَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ: (أَبْشِرْ!) -سلمان يبشر المريض- (فَإِنَّ مَرَضَ الْمُؤْمِنِ يَجْعَلُهُ اللهُ لَهُ كَفَّارَةً وَمُسْتَعْتَبًا) لو كان صحيحا حتى يرجع على الإساءة مرة أخرى (وَإِنَّ مَرَضَ الْفَاجِرِ، كَالْبَعِيرِ عَقَلَهُ أَهْلُهُ)، -أي: رَبَطوهُ بالحبل-، (ثُمَّ أَرْسَلُوهُ، فَلَمْ يَدْرِ لِمَ عَقَلُوهُ، وَلَمْ يَدْرِ لِمَ أَرْسَلُوهُ) ، وهنا قد يتبيَّنُ لنا بعض الحِكَم في مرضِ كثيرٍ من المسلمينَ في آخرِ حياتِهم.. وأن الله يريد بعبدِه المؤمن الخيرَ.. فأهلُه بينَ الهمومِ والأحزانِ والقيام على شؤونه مأجورون.. وهو بمرضه وصبره مأجور ويُهيَّأُ للحورِ الحِسانِ، إخوة الإيمان، ومما يدل على عظم ثواب المرضى الصابرين في الآخرةِ ما صححه الألباني في صحيح الجامع أن النبي – صلى الله عليه وسلم –ِ قال : (يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حِينَ يُعْطَى أَهْلُ الْبَلاَءِ الثَّوَابَ، لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بالْمَقَارِيضِ ” ، ومصداق ذلك في قولِه تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾.

    سابعاً : ومن فوائد البلاء أنَّ صاحبَه تُكتبْ له جميعُ أعمالِه التي كانَ يَعملُها وهو صحيحٌ.. فتستمرُ حسناتُه على ما كانَ يعملُ وهو مُعافى لا ينقصُ منها شيءٌ…. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم -: (إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا) رواه البخاري ، وحسن الألباني في السلسلة الصحيحة عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (“إِذَا ابْتَلَى اللهُ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ بِبَلَاءٍ فِي جَسَدِهِ، قَالَ اللهُ لِلْمَلَكِ الَّذِي يَكْتُبُ عَمَلَهُ: اكْتُبْ لِعَبْدِي فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِثْلَ مَا كَانَ يَعْمَلُ مِنْ الْخَيْرِ مَا دَامَ مَحْبُوسًا فِي وَثَاقِي، حَتَّى أَقْبِضَهُ”) -أي يموت في مرضه- (“أَوْ أُطْلِقَهُ، فَإِنْ شَفَاهُ، غَسَلَهُ وَطَهَّرَهُ، وَإِنْ قَبَضَهُ، غَفَرَ لَهُ وَرَحِمَهُ”) .

    قصص في الصبر على البلاء

    أولا :صبر نبي الله أيوب عليه السلام أخرج الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم ، قَالَ : إِنَّ أَيُّوبَ نَبِيُّ اللهِ كَانَ فِي بَلاَئِهِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً ، فَرَفَضَهُ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ إِلاَّ رَجُلاَنِ مِنْ إِخْوَانِهِ كَانَا من أخص إِخْوَانِهِ كَانَا يَغْدُوَانِ إِلَيْهِ وَيَرُوحَانِ إِلَيْهِ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ : أَتَعْلَمُ ؟ وَاللهِ لَقَدْ أَذْنَبَ أَيُّوبُ ذَنْبًا مَا أَذْنَبَهُ أَحَدٌ ، قَالَ لَهُ صَاحِبِهُ : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ : مُنْذُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً لَمْ يَرْحَمْهُ اللَّهُ فَيَكْشِفْ عَنْهُ مَا بِهِ ، فَلَمَّا رَاحَا إِلَيْهِ لَمْ يَصْبِرِ الرَّجُلُ حَتَّى ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ أَيُّوبُ : لاَ أَدْرِي مَا تَقُولُ ، غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ أَمُرُّ بِالرَّجُلَيْنِ يَتَنَازَعَانِ ، فَيَذْكُرَانِ اللَّهَ ، فَأَرْجِعُ إِلَى بَيْتِي فَأُكَفِّرُ عَنْهُمَا كَرَاهِيَةَ أَنْ يُذْكَرَ اللَّهُ إِلاَّ فِي حَقٍّ ، قَالَ : وَكَانَ يَخْرُجُ إِلَى حاجتهِ فَإِذَا قَضَى حَاجَتَهُ أَمْسَكْتِ امْرَأَتُهُ بِيَدِهِ حَتَّى يَبْلُغَ ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَبْطَأَ عَلَيْهَا ، وَأُوحِيَ إِلَى أَيُّوبَ فِي مَكَانِهِ أَنِ {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} ، فَاسْتَبْطَأَتْهُ فَتَلَقَّتْهُ يَنْظُرُ ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهَا وَقَدْ أَذْهَبَ اللَّهُ مَا بِهِ مِنَ الْبَلاَءِ ، وَهُوَ عَلَى أَحْسَنِ مَا كَانَ ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ : أَيْ بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ ، هَلْ رَأَيْتَ نَبِيَّ اللهِ هَذَا الْمُبْتَلَى ، فوَاللهِ عَلَى ذَلِكَ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ بِهِ إذْ كَانَ صَحِيحًا مِنْكَ ، قَالَ : فَإِنِّي أَنَا هُوَ ، وَكَانَ لَهُ أَنْدَرَانِ : أَنْدَرٌ لِلْقَمْحِ ، وَأَنْدَرٌ لِلشَّعِيرِ ، فَبَعَثَ اللَّهُ سَحَابَتَيْنِ ، فَلَمَّا كَانَت إِحْدَاهُمَا عَلَى أَنْدَرِ الْقَمْحِ أفَرغَتْ فِيهِ الذَّهَبَ حَتَّى فَاضَ ، وَأَفْرَغَتِ الأُخْرَى عَلَى أَنْدَرِ الشَّعِيرِ الْوَرِقَ حَتَّى فَاضَ) وفي صحيح البخاري عن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- :« بَيْنَمَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا خَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ ، فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْتَثِي فِي ثَوْبِهِ ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ : يَا أَيُّوبُ أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى؟ قَالَ : بَلَى يَا رَبِّ ، وَلَكِنْ لاَ غِنَى لِي عَنْ بَرَكَتِكَ) .

    ثانيا :صبر أبو قلابة الجرمي: من عباد أهل البصرة وزهادهم ، عالم بالقضاء والاحكام ، أرادوه على القضاء. فهرب إلى الشام، فمات فيها. وكان من رجال الحديث الثقات … مات بالشام سنة أربع ومائة في ولاية يزيد بن عبد الملك … يروي حكايته ابن حبان في كتاب الثقات بسنده عن الأوزاعي ، عن عبد الله بن محمد قال: خرجت إلى ساحل البحر مرابطًا وكان رابطنا يومئذ عريش مصر. قال: فلما انتهيت إلى الساحل فإذا أنا بِبطيحة، وفي البطيحة خيمة، فيها رجل قد ذهب يداه ورجلاه وثقل سمعه وبصره، وماله من جارحة تنفعه إلا لسانه، وهو يقول: ” اللهم أوزعني أن أحمدك حمدًا، أكافئ به شكر نعمتك التي أنعمت بها عليَّ، وفضلتني على كثير ممن خلقت تفضيلا “ ، قال الأوزاعي: قال عبد الله: قلت: والله لآتينَّ هذا الرجل، ولأسألنَّه أنَّى له هذا الكلام !!! ، فهمٌ أم علمٌ أم إلهامٌ أُلهم؟ فأتيتُ الرجل فسلمت عليه، فقلت: سمعتك وأنت تقول: “اللهم أوزعني أن أحمدك حمدًا، أكافئ به شكر نعمتك التي أنعمت بها عليَّ، وفضلتني على كثير ممن خلقت تفضيلا” فأي نعمة من نعم الله عليك تحمده عليها ؟ ، وأي فضيلة تفضل بها عليك تشكره عليها ؟ قال: وما ترى ما صنع ربي؟ والله لو أرسل السماء علي نارًا فأحرقتني، وأمر الجبال فدمرتني، وأمر البحار فغرقتني، وأمر الأرض فبلعتني، ما ازددت لربي إلا شكرًا، لما أنعم علي من لساني هذا، ولكن يا عبد الله إذ أتيتني، لي إليك حاجة، قد تراني على أي حالة أنا، أنا لست أقدر لنفسي على ضُرٍّ ولا نفع، ولقد كان معي بنيٌّ لي يتعاهدني في وقت صلاتي، فيوضيني، وإذا جعت أطعمني، وإذا عطشت سقاني، ولقد فقدته منذ ثلاثة أيام ، فتحسَّسه لي رحمك الله. فقلت: واللهِ ما مشى خَلْقٌ في حاجة خلقٍ، كان أعظم عند الله أجرًا ممن يمشي في حاجةِ مثلك. فمضيت في طلب الغلام ، فما مضيتُ غير بعيد ، حتى صرت بين كثبان من الرمل ، فإذا أنا بالغلام قد افترسه سبع وأكل لحمه، فاسترجعت … وقلت: أنى لي وجه رقيق آتي به الرجل؟ فبينما أنا مقبل نحوه ، إذ خطر على قلبي ذكر أيوب النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما أتيته سلمت عليه، فرد علي السلام، فقال: ألست بصاحبي ؟قلت: بلى. قال: ما فعلت في حاجتي؟ فقلت: أنت أكرم على الله أم أيوب النبي ؟قال: بل أيوب النبي. قلت: هل علمت ما صنع به ربه؟ أليس قد ابتلاه بماله وآله وولده؟ قال: بلى. قلت: فكيف وجده؟ قال: وجده صابرًا شاكرًا حامدًا. قلت: لم يرضَ منه ذلك حتى أوحش من أقربائه وأحبابه ؟قال: نعم. قلت: فكيف وجده ربُّه؟ قال: وجده صابرًا شاكرًا حامدًا قلت: فلم يرض منه بذلك حتى صيَّره عَرَضًا لمار الطريق، هل علمتَ؟ قال: نعم. قلت: فكيف وجده ربه؟ قال: صابرًا شاكرًا حامدًا، أوجز رحمك الله. قلت له: إن الغلام الذي أرسلتني في طلبه وجدته بين كُثبان الرمل، وقد افترسه سبع فأكل لحمه، فأعظم الله لك الأجر وألهمك الصبر. فقال المبتلى: الحمد لله الذي لم يخلق من ذريتي خلقًا يعصيه، فيعذبه بالنار. ثم استرجع، وشهق شهقة فمات. فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، عظمت مصيبتي، رجل مثل هذا إن تركته أكلته السباع، وإن قعدتُ، لم أقدر على ضر ولا نفع. فسجَّيته بشملةٍ كانت عليه، وقعدت عند رأسه باكيًا، فبينما أنا قاعد إذ تهجم علي أربعة رجال، فقالوا: يا عبد الله، ما حالك؟ وما قصتك؟ فقصصت عليهم قصتي وقصته، فقالوا لي: اكشف لنا عن وجهه، فعسى أن نعرفه. فكشفت عن وجهه، فانكبَّ القوم عليه، يقبلون عينيه مرة، ويديه أخرى، ويقولون: بأبي عينٌ طالما غُضّت عن محارم الله، وبأبي وجسمه طالما كنت ساجدًا والناس نيام. فقلتُ: من هذا يرحمكم الله؟ فقالوا: هذا أبو قلابة الجرمي، صاحب ابن عباس، لقد كان شديد الحب لله وللنبي صلى الله عليه وسلم . فغسَّلناه وكفنَّاه بأثواب كانت معنا، وصلينا عليه ودفنَّاه. فانصرف القوم وانصرفتُ إلى رباطي، فلما أن جَنَّ عليَّ الليل، وضعت رأسي، فرأيته فيما يرى النائم في روضة من رياض الجنة، وعليه حُلَّتانِ من حُلَلِ الجنة، وهو يتلو الوحي: “سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار“، فقلتُ: ألست بصاحبي ؟قال: بلى… قلت: أنى لك هذا؟ قال: “إن للهِ درجاتٍ لا تُنَال إلا بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، مع خشية الله عز وجل في السرِّ والعلانية“.

    ثالثا : صبر الإمام العابد عروة بن الزبير أحد فقهاء المدينة السبعة، وهو ابن السيدة أسماء، ذهب إلى الوليد بن عبد الملك ومعه ابنه محمد ووقعت الأكلة -السوسة- في رجل عروه فقال له الأطباء: لابد من قطعها، قالوا له: نعطي لك دواء يغيب عقلك، أو تشرب الخمر حتى تفقد الوعي فأبى وقال: إن ربي اختبرني؛ ليرى مدى صبري ،قالوا فماذا نفعل قال إذا دخلت إلى الصلاة فاقطعوها لي فدخل في صلاته فلما علا المنشار على العرق ما زاد على أن قال: حسبي، ثم غشي عليه، فلما أفاق من غشيته استنار وجهه وقال أين القدم المبتورة فحملها على يديه وقال أما والذي حملني عليكي إلى عتبات الليل إلى المساجد إنه ليعلم أنني ما مشيت بك إلى حرام قط ثم قال : خذها يا بني فكفنها وطيبها وادفنها في مقابر المسلمين والله ما مشيت بها إلى فاحشة قط، وَأُصِيبَ عُرْوَةُ بِابْنٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدٌ فِي ذَلِكَ السَّفَرِ وَدَخَلَ اصْطَبْلَ دَوَابٍّ مِنَ اللَّيْلِ لِيَبُولَ فَرَكَضَتْهُ بَغْلَةٌ فَقَتَلَتْهُ وَكَانَ مِنْ أَحَبِّ وَلَدِهِ إِلَيْهِ، وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْ عُرْوَةَ فِي ذَلِكَ كَلِمَةٌ حَتَّى رَجَعَ فَلَمَّا كَانَ بِوَادِي الْقُرَى قَالَ: {لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} [الكهف: 62] وجاء الناس يعزونه فقالوا له أحسن الله عزاءك في رجلك، وأحسن الله عزاءك في ابنك فقال عروة رضي الله عنه ( اللَّهُمَّ كَانَ لِي بَنُونَ سَبْعَةٌ فَأَخَذْتَ مِنْهُمْ وَاحِدًا وأَبْقَيْتَ سِتَّةً، وَكَانَتْ لِي أَطْرَافٌ أَرْبَعَةٌ فَأَخَذْتَ مِنِّي طَرَفًا وَأَبْقَيْتَ لِي ثَلَاثًا وَايْمُكَ لَئِنِ ابْتَلَيْتَ لَقَدْ عَافَيْتَ، وَلَئِنْ أَخَذْتَ لَقَدْ أَبْقَيْتَ فلك الحمد ياربي على ما قضيت )

    رابعاً : صبر الصحابي الجليل عمران بن حصين فقد بلغ من شدة المرض أن ثقبوا له ثقباً في السرير ينزل منه الغائط، فصبر على ذلك وهو صاحب الكرامات التي أوردها علماء أهل السنة التي منها أنه كانت تسلم عليه الملائكة.

    رسالة إلى كل مبتلى 

    إن ما يهون البلاء على العبد أن يَعلم المؤمن أن البلاء خير له إن صَبَر واحتَسَب ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ» (صحيح البخاري [5645]). وكلّما عظُمَت المصيبة كلّما عظُم الأجر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ» (جامع الترمذي [2396]، وسنن ابن ماجه [2396]، وصححه الشيخ الألباني، وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط: “إسناده جيد”)، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دُعائه: «أَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بَعْدَ الْقَضَاءِ» (مسند أحمد [22069]، وسنن النسائي [1304/1]، وصححه الألباني) .وأن يستشعر الأجر لتهون عليه البلايا هذه امرأة فتح الموصلي كانت من الصالحات، وقد أثنى عليها الإمام أحمد بن حنبل، ذكر عنها أنها لما قطع أصبعها ضحكت، فقال لها رجل: يقطع أصبعك فتضحكين، قالت: أحدثك على قدر عقلك: حلاوة أجرها أنستني مرارة قطعها ، ولذلك كان فتح الموصلي إذا رجع إلى بيته ولم يجد في البيت طعاماً ولا شراباً ولا موقداً ووجد السقف قد وقع على أهله يرفع يده إلى السماء ويقول: إلهي سلبتني، أجعتني وأجعت أولادي وأعريتني وأعريت أولادي وقديماً كنت تفعل هذا بأنبيائك وأوليائك وعبادك الصالحين، فبأي خصلة من خصال الخير تقربت بها إليك يا مولاي فقبلتها مني حتى أداوم عليها .

    وأن يحمد ربه عند البلاء ويسترجع ليخلف الله تعالى له خيرا مما فقد في صحيح مسلم عن أمِ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِي -صلى الله عليه وسلم- تَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إِلاَّ أَجَرَهُ اللَّهُ فِي مُصِيبَتِهِ وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا ». قَالَتْ فَلَمَّا تُوُفِّىَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ كَمَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِى خَيْرًا مِنْهُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-) .

    وأن يلح على ربه في الدعاء أن يكشف عنه البلاء ويسأل ربه العافية قال مطرف بن عبد الله ( لأن أعافى فأشكر أحب إلى من أن أبتلى فأصبر) لأن هناك أناس لا يثبتون عند البلاء روى الحاكم في ((المستدرك)) (4121)، وقال: «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ»، ووافقه الذهبي، والبيهقي في ((الشعب)) (611)، وغيرهما، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (3383). عن سعد ابن أبي وقاص قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” دَعْوَةُ ذِي النُّونِ الَّتِي دَعَا بِهَا فِي بَطْنِ الْحُوتِ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، لَمْ يَدْعُ بِهَا مُسْلِمٌ فِي كُرْبَةٍ إِلَّا اسْتَجَابَ اللهُ لَهُ ” ، وفي لفظ عند الحاكم (1864) عن سعد رضي الله عنه أيضا: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا نَزَلَ بِرَجُلٍ مِنْكُمْ كَرِبٌ، أَوْ بَلَاءٌ مِنْ بَلَايَا الدُّنْيَا دَعَا بِهِ يُفَرَّجُ عَنْهُ؟» فَقِيلَ لَهُ: بَلَى، فَقَالَ: ” دُعَاءُ ذِي النُّونِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ “، وفي لفظ عند ابن السني في ((اليوم والليلة)) (343): ” إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَا يَقُولُهَا مَكْرُوبٌ إِلَّا فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ: كَلِمَةُ أَخِي يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}هذا وصلى الله على البشير النذير والسراج المنير صلى الله عليه وسلم .

جميع الحقوق محفوظة لموقع خطباء © 2019