• 23 أكتوبر، 2018 الساعة 6:36 ص
    أبوزيد السيد عبد السلام رزق الأزهري
    كنز الكنوز

    الحمد لله قضى ألا تعبدوا إلا إياه، لا يكشف السوء سواه، ولا يجيب المضطر إلا إياه، نعوذ من سخطه برضاه، وننزل فقرنا بغناه، نستغفره ومن يغفر الذنوب إلا الله، نحمده والحمد من إنعامه، إذْ ذكْرُنا إياه من إلهامه، سبحانه أحصى كل شيء عدداً، ووسع كل شيء علماً، وأحاط بكل شيء رحمةً وعلماً، فلق البحر لموسى الكليم، وجعل النار بردًا وسلامًا على إبراهيم، وأشهدُ أن لا إلهَ إلاَ اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ ولا شيء مثلُه، ولا شيء يعجزُه، ولا إلهَ غيرُه، أولٌ بلاَ ابتداء دائمٌ بلا َانتهاء لايفنى ولا يبيدُ،ولا يكونُ إلا ما يريد، لا تبلغُه الأوهامُ ولا تدركُه الأفهامُ، ولا يشبهُ الأنامَ، حيٌّ لا يموت، قيومٌ لا ينامُ، وأشهدُ أنَ محمداً عبدهُ ورسولهُ وصفيهُ منْ خلقهِ وحبيبهُ وخليِلُه صلَّى عليه بارئُ العباد، ما جرت الأقلام بالمداد، وما أمطرت سحبٌ وسال وادِ وآله وصحبه ومن سلك سبيلهم ما دار نجم في فلك ثُمَ أمَا بعد:فقد أخرج الطبراني في معجمه الكبير بسندٍ ثابتٍ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث شداد بن أوسٍ رضي الله عنه، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا شداد بن أوس، إذا كنَز الناسُ الذهبَ والفضة، فاكنِز هؤلاء الكلماتِ: اللهم إني أسألك الثباتَ في الأمر والعزيمة على الرُّشد، وأسألك شُكْر نعمتك، وحُسْن عبادتك، وأسألك لسانًا صادقًا، وقلبًا سليمًا، وأسألك من خير ما تَعلَم، وأعوذ بك من شرِّ ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب)[1].هذا الدعاء من جوامع كلم سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم وهذه الدعوات من الباقيات الصالحات التي تدخر للعبد عند ربه تبارك وتعالى وترفع إلى محل كرامة الله في السماء قَالَ عَبْدُ اللهِ بن مسعود ” مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَجْعَلَ كَنْزَهُ فِي السَّمَاءِ حَيْثُ لاَ يَأْكُلُهُ السُّوسُ، وَلاَ يَنَالُهُ الُلصوص فَلْيَفْعَلْ، فَإِنَّ قَلْبَ الرَّجُلِ مَعَ كَنْزِهِ” [2] ومراده رضي الله عنه العمل الصالح، قال الله تعالى: ﴿ إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ [فاطر:10] إن الكلمات الطيبات من التسبيح والتهليل والتكبير والتحميد والأعمال الصالحات من أعمال البر والدعوات التي يتقرب بها العبد إلى رب الأرض والسماوات كل ذلك يصعد إلى الله أي يتقبله الله والمعنى أن الحسنات تصعد إلى محل كرامة الله أي إلى السماء لأنها مكان مشرف عند الله، فالسماء مسكن الملائكة ومهبط الرحمات وقبلة الدعاء، فإذا كنز الناس الذهب والفضة فاجعل ربك كنزك إنما كنزُ المؤمنِ ربُه.فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول لشداد بن أوس رضي الله عنه إذا تسابق الناس وكنزوا الذهب والفضة فتسابق أنت إلى طاعة ربك واجعل كنزك عند ربك تسلم الفاقة والفقر، ومعنى إذا كنَز الناسُ الذهبَ والفضة أي كنزوها ومنعوا زكاتها قال الله تعالى ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾ [التوبة: 34، 35] وما سمي الذهب ذهبا إلا لأنه يذهب وما سميت الفضة فضة إلا لأنها تنفض عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ لَمَّا نَزَلَ فِي الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ مَا نَزَلَ قَالُوا فَأَيَّ الْمَالِ نَتَّخِذُ قَالَ عُمَرُ أَنَا أَعْلَمُ ذَلِكَ لَكُمْ قَالَ فَأَوْضَعَ عَلَى بَعِيرٍ فَأَدْرَكَهُ وَأَنَا فِي أَثَرِهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَّ الْمَالِ نَتَّخِذُ قَالَ لِيَتَّخِذْ أَحَدُكُمْ قَلْبًا شَاكِرًا وَلِسَانًا ذَاكِرًا وَزَوْجَةً تُعِينُهُ عَلَى أَمْرِ الْآخِرَةِ » [3]، وعن أبي هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: « مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلاَ فِضّةٍ، لاَ يُؤَدّي مِنْهَا حَقّهَا، إِلاّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، صُفّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنّمَ. فَيُكْوَىَ بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ. كُلّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ. فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ. حَتّىَ يُقْضَىَ بَيْنَ الْعِبَادِ. فَيُرَىَ سَبِيلُهُ. إِمّا إِلَىَ الْجَنّةِ وَإِمّا إِلَى النّارِ »[4] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ،قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ شُجَاعًا[الشجاع أي الحية ] أَقْرَعَ [الأقرع هو الذي ذهب شعر رأسه من طول عمره] لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ ِْ يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ يَقُولُ أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ﴿ وَلَا يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ [آل عمران: 180] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ “[5].فإذا كنز الناس الذهب والفضة فما هي وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم وما الواجب على المسلم أن يكنزه فاكنزوا هؤلاء الكلمات.

    اللهم إِنِّي أَسْأَلُك الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ:هو أن يسأل العبد ربه الاستقامة والسير في طريق الهدى، حتى يلقى المسلمُ ربَّه ثابتًا على دينه وعقيدته وشَرْعه، ثابتًا على أمر ربه وعلى سُنَّة نبيه، كثبوت شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء، لا تَهُزها ريحٌ ولا يغيرها إعصار، ثابتاً على منهج الاستقامة، وعلى الحق الذي عمَر قلبه، فانعكس على جوارحه فالرسول صلى الله عليه وسلم يسأل الله الثباتَ إذا عمَّت الفتنُ و كثرت، ويسأله ثباتًا أمام المِحَن، ويسأله ثباتَ قلبه من التقلب والتحول والانحدار إلى مزالق الهوى والشبهات عن شهر بن حوشب، قال: قلتُ لأُمّ سلمه رضي اللّه عنها: يا أُمّ المؤمنين! ما أكثرَ دعاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا كان عندكِ؟ قالت: كان أكثرُ دعائه: ” يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّت قَلْبي على دِينكَ، قالت: فقلتُ له: يا رسولَ الله، ما أَكثَرَ دُعَائِكَ بهذا؟ قال: يا أُمَّ سلمه، إنه ليس آدَميٌّ إلا وقلبُه بين إِصْبَعيْنِ من أصابع الله، فمن شاء أقام، ومن شاء أزَاغَ، فتلا معاذ قول الله تعالى ﴿ رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾[6]» [آل عمران:8].كذلك يسأل المؤمن ربه الثبات على الإيمان عند الموت قال بن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم فالخواتيم ميراثُ السوابق، وكلُّ ذلك سبق في الكتاب السابق، ومن هنا كان يشتدُّ خوف السَّلف من سُوءِ الخواتيم، ومنهم من كان يقلق من ذكر السوابق. وقد قيل: إنَّ قلوب الأبرار معلقةٌ بالخواتيم، يقولون: بماذا يختم لنا؟ وقلوب المقرَّبين معلقة بالسوابق، يقولون: ماذا سبق لنا، وبكى بعضُ الصحابة عند موته، فسئل عن ذلك، فقال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: (( إنَّ الله تعالى قبضَ خلقَهُ قبضتين، فقال: هؤلاء في الجنَّةِ، وهؤلاء في النار ))، ولا أدري في أيِّ القبضتين كنت ” وقال سفيانُ لبعض الصالحين: هل أبكاك قطُّ علمُ الله فيك؟ فقال له ذلك الرجل: تركتني لا أفرحُ أبداً، وكان مالك بنُ دينار يقومُ طُولَ ليلهِ قابضاً على لحيته، ويقول: يا ربِّ، قد علمتَ ساكنَ الجنة من ساكن النار، ففي أيِّ الدارين منْزلُ مالك بن دينار [7]، قال أبو الدر داء رضي الله عنه: ما أحد أَمِنَ على إيمانه أن يسلبه عند الموت إلا سلبه، ولما حضرت سفيان الثوري الوفاة جعل يبكى، فقال له رجل: يا أبا عبد الله: أراك كثير الذنوب، فرفع شيئاً من الأرض وقال: والله لذنوبي أهون عندي من هذا، ولكن أخاف أن أسلب الإيمان قبل الموت [8].فأسأل ربك الثبات والاستقامة على طاعته والثبات على الإيمان حتى تلقاه، فإن الإنسان لا يدري متى يموت، وقد يهتدي ويلتزم ثم ينتكس، فيموت في ساعة الانتكاس، قد يعيش طوال حياته متمسكاً بطاعة الله، ثم في لحظة من لحظات السيطرة النفسية والغلبة الشيطانية يرجع -والعياذ بالله- فتأتيه مَنِيَّته في هذه اللحظة فيُخْتم له بسوء الخاتمة فيخسر دنياه وآخرته،أتعلم أن دقات قلبك ليس بيدك،أتعلم أن أنفاسك ليست بيدك أتعلم أن طرفة عينك ليست بيدك ولهذا قال إبراهيم عليه السلام ﴿ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ﴾ [إبراهيم:35] فإذا كان الخليل عليه السلام إمام الحنفاء الذي جعله الله أمة وحده وقد كسر الأصنام بيده يخاف أن يقع في الشرك فكيف يأمن الوقوع فيه من هو دونه بمراتب، قال إبراهيم التميمي: ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم. عليه السلام، ففي زمان الفتن والشهوات سل ربك أن تثبت على الإيمان حتى تلقاه عَنْ أَنَسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: يَا وَلِيَّ الإِسْلاَمِ وَأَهْلِهِ، مَسْكَنِي بهِ حَتَّى أَلْقَاكَ بِهِ”[9].

    وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ:ثم وصى النبي صلى الله عليه وسلم شداد بن أوس أن يسأل ربه العزيمة على الرشد والعزيمة: هي القصد الجازم المتصل بالفعل، وهو عقد القلب على إمضاء الفعل، ولا قدرة للعبد على ذلك إلا باللَّه تعالى؛ فلهذا كان من أهم الأمور سؤال اللَّه تعالى العزيمة على الرشد؛ ولهذا علَّم النبي صلى الله عليه وسلم أحد الصحابة أن يقول: ((قل اللَّهم قني شر نفسي، واعزم لي على أرشد أمري)[10] وهى أن يكون عند العبد عزيمة مؤكده وهمه عاليه في الإقبال على العمل الصالح وإذا تأملنا في همة السلف الصالح وعزيمتهم في طاعة الله تعالى لوجدنا عجبًا قال بن ا لجوزي كان عامر بن عبد الله قد فرض على نفسه في كل يوم ألف ركعةٍ وكان إذا صلى العصر جلس وقد انتفخت ساقاه من طول القيام فيقول يا نفس بهذا أمرت ولهذا خلقت يوشك أن يذهب العناء وكان يقول لنفسه قومي يا مأوى كل سوء فو عزة ربك لا زحفن بك زحف البعير ولئن استطعت أن لا يمس الأرض من ز همك ” شحم الجسم ” لا فعلن ثم يتلوى كما تتلوى الحية على المقلى ثم يقوم فينادي اللهم إن النار قد منعتني من النوم فاغفر لي، وكان يقول مخاطبا نفسه ” يا نفس إنما خلقت للعبادة يا أمارة بالسوء والله لأعملن بك عملاً لا يأخذ الفراش منك نصيبا ” [11] وعَنْ عَدِي بْنِ حَاتِمٍ أَنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال ” مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشِدَ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوِىَ »[12] فإذا ما وجدت فتورا عن الطاعة وتكاسلاً عنها إذا أجدب القلب وقل ماء الإيمان فيه فسأل ربك العزيمة على الرشد وأن تتقوى على الطاعة.وَإذَا الأَرضُ أَجدَبتْ ذَاتَ يَومٍ ♦♦♦ فَهْيَ تَبغِي مِن زَارِعِيها اجْتِهَادا

    وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ:والشكر فضيلة عظيمة، وهو الثناء الحَسَن على المُنعِم، وهو أجلُّ المنازل التي تتحقَّق بها العبودية، شكر النعمة أن تثني على المنعم بما أولاك من آلائه ونعمائه شكر بالقلب واللسان والجوارح شكر بالقلب لمعرفة المنعم وإحصاء النعم فالله تعالى ما خلق لك قلبا ينبض إلا لتحب به ربك وتعترف له بالنعم،وما خلق لكَ لساناً ينطق إلا لتسبح به ربك وتمجد به خالقك وتتحدث بنعم الله تعالى عليك قال الله تعالى: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ [الضحى: 11] وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذَا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً أَحَبَّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ،وما لين الله لك مفاصلك إلا لكي تركع له وتسجد وهذا شكر الجوارح القيام بطاعة الله عز وجل قال الله تعالى ﴿ اعْمَلُوا آلَ دَاوُد شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ ﴾ [سبأ: 13] فقال داود: يا رب، كيف أشكرك، والشكر نعمة منك علي؟ونبينا عليه الصلاة والسلام يقوم الليل ويواصل الليل بالنهار منكسرًا بين يدي العزيز الغفار معترفًا بالشكر للمنعم جل جلاله ويقول أفلا أكون عبدًا شكوراً،فالله تعالى ما خلق الدنيا من أجلك إلا لتنشغل بالمنعم لا أن تنشغل بالنعم عن مولاك تبارك وتعالى، ومن الشكر أيضاً أن تشكر من أتت النعمة على يديه فمن لم يشكر الناس لم يشكر الله عز وجل.يا منتهى الآمال أنت كفلتني وحفظتني وعدا الظلوم علي كي يجتاحني فمنعتني فانقاد لي متخشعًا لما رآك نصرتني وكسوتني ثوب الغنى ومن المغالب صنتني فإذا سكت بدأتني وإذا سألت أجبتني فإذا شكرتك زدتني فمنحتني وبهرتني

    وَأَسْأَلُكَ حُسْنَ عِبَادَتِكَ:وحسن العبادة يكون بإتقانها، والإتيان بها على أكمل وجه ولا يتأتى ذلك إلا بالإخلاص لله وإتباع هدي محمد صلى الله عليه وسلم، ومن حسنت عبادته غفر الله تعالى ما مضى وما سلف ويكافئه ربه الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، فيرتقي العبد إلى درجة الإحسان فيعبد ربه كأنما يراه ولذلك فإن الأعمال تتفاضل بحسب ما في قلوب أصحابها من تقوى الله عز وجل، فكم من قائمٍ محروم وكم من نائمٍ مرحوم هذا قام وقلبه كان فاجرًا وهذا نام وقلبه كان عامراً، قَالَ أبو الدر داء: يا حبذا نوم الأكياس وإفطارهم كيف يغبنون سهر الحمقى وصومهم ومثقال ذرة من برٍ مع تقوى ودين أعظم وأفضل وأرجح من أمثال الجبال من عبادة المغتر ين ” [13] والرجلان يكونان في صف واحد يكبران خلف إمام واحد في وقت واحد ويسلمان في وقت واحد وما بين صلاتيهما كما بين السماء والأرض،كم بين أن تضرب الصلاة في وجهه وتقول له ضيعك الله كما ضيعتني،وبين من يقبل الله تعالى صلاته ويرفعه الله عز وجل بها درجاتٍ.قال النبي يَا مُعَاذُ وَالله إِنِّي لأُحِبُّكَ أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لاَ تَدَعَنَّ في دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ أَنْ تَقُولَ اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ “[14].

    وَأَسْأَلُكَ لِسَانًا صَادِقًا:فالله تعالى يحب صدوق اللسان لذا كان من دعاء الخليل إبراهيم صلوات الله تعالى عليه ﴿ وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ﴾﴿ ﴾ [الشعراء: 84] وكان بعض السلف إذا خرج من داره رفع رأسَه إلى السماء وقال: “اللهم إني أعوذ بك أن أَخرج مُخرَجًا لا أكون فيه ضامنًا عليك”، بمعنى ألا يكون مخرجه إلا صِدقًا. وأمر الله عبادَه أن يتَّقوه ويكونوا مع الصادقين، قال – عز من قائل -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ [التوبة: 119] و عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – قال: ” والله الذي لا إله إلا هو ليس شيء أحوج إلى طول سجن من لساني ” وكان يقول: “يا لسان قل خيراً تغنم، واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم ” و عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: إنَّ الرَجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مَا يَتَبَيّنُ مَا فِيها، يَهوي بها في النَّارِ أبْعَدَ مَا بَيْنَ المَشْرِقِ والَمْغْرِبِ)[15] وأمسك أبو بكر رضي الله تعالى عنه بلسانه يوما وقال هذا الذي أوردني المهالك “إحفَظْ لسانَكَ أيُّها الإنْسانُ لا يلْدَغَنَّكَ إنَّهُ ثعبانُ كَمْ في المقابرِ مِن قتيلِ لسانهِ كانتْ تهابُ لقائه الشجعانُ بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.♦♦ ♦♦ ♦♦الخطبة الثانيةأما بعد:لما كان القلب بالنسبة للجسد كالملك المتصرف في جنوده فإن استقام القلب استقامت الجوارح وصلح سائر الجسد ولأن أحب القلوب إلى تعالى ألينها وأرقها قال النبي صلى لله عليه وسلم ( إنّ لله تعالى آنِيَةً مِنْ أهْلِ الأَرْضِ وآنِيَةُ رَبِّكُمْ قُلُوبُ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ وأحَبُّها إلَيْهِ ألْيَنُها وأرَقُّها)[16]، فقد وصى النبي صلى الله عليه وسلم شداد بن أوس أن يدعوا ربه قائلاً

    ” اللهم إني أسألك قلبًا سليمًا]. ” فإنما الإنسان بمضغتيه قلبُه ولسانُه،قلبا سليمًا كما مدح الله تعالى إبراهيم عليه السلام فقال (إذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) أي سليمٍ من الشرك والرياء،سليمٍ من البدع والأهواء، سليمٍ من الشهوات والشبهات والإغواء، سليمٍ من البغضاء والشحناء، والغل والكراهية والحسد، سليمٍ من محبة غير الله تعالى وسليمٍ مما سوى الله عز وجل وهو الذي ينجو يوم القيامة ﴿ يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 88-89] و عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يَزِنُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ وَقَالَ: اقْرَءُوا ﴿ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ﴾ [17] [الكهف: 105] لذا كانت قدم عبد الله بن مسعود أثقل يوم القيامة من جبل أحد لماذا لأن قلبه ثقيل مليء بحب الله ورسوله، وصاحب القلب السليم من أفضل المؤمنين فعن عبد الله بن عمرو قال قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أفضل قال:أفضل المؤمنين كل مَخْمُومِ الْقَلْبِ صَدُوقِ اللِّسَانِ قالوا يا رسول الله ما مَخْمُومُ الْقَلْبِ قال التَّقِيُ النَّقِّيُ الذي لا إِثْمَ فِيهِ وَلاَ بَغْي وَلاَ غِلَّ وَلاَ حَسَدَ “[18].وقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الدعاء: “وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم” هو من جوامع الدعاء حيث سأل في هذه الجملة الخير كله ظاهره وباطنه سره وعلنه ما كان منه في الدنيا وما كان منه في الآخرة، فإن قوله: “اللهم إني أسألك من خير ما تعلم” يجمع الخير كله في الدنيا والآخرة. وقوله عليه الصلاة والسلام: “وأعوذ بك من شر ما تعلم” يجمع التعوذ كله من كل شر وكل بلاء وضر، و خير الناس كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم من يُرجَى خيره، ويُؤمَن شره فعن أبي هريرة – رضي الله عنه -: أَنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- «وَقَفَ على ناس جُلُوس، فقال: أَلا أُخبركم بخيركم مِنْ شَرِّكم؟ قال: فسكتوا، فقال ذلك ثلاث مرات، فقال رجل: بلَى، يا رسول الله، أخبرنا بخيرنا من شرنا، فقال: خيركمْ مَنْ يُرجَى خيره، ويُؤمَن شره. وشركم من لا يُرْجَى خيره، ولا يؤمن شره»[19].وقوله في خاتمة هذا الدعاء صلوات الله وسلامه عليه: “وأستغفرك لما تعلم” فيه إقرار العبد بذنوبه وخطاياه وكثرتها وتعددها وأن منها ذنوبا كثيرة لا يعلمها نسيها العبد ولكن أحصاها رب العالمين في كتابٍ عند ربي لا يضل ربي ولا ينسى، فما أجمل أن يقول المستغفر في استغفاره: “وأستغفرك لما تعلم” لأن علم الله عز وجل محيط بالسرائر والمعلنات، بالخفيات والظاهرات، بالذنوب المتقدمة والمتأخرة محيط بكل شيء فهو جل وعلا علام الغيوب الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء أحاط بكل شيء علماَ، وأحصى كل شيء عدداَ، وسع سمعه الأصوات فلا تختلف عليه ولا تشتبه عليه ولا يشغله منها سمع عن سمع، بل يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات، أحاط بصره بجميع المرئيات فيرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، لا تتحرك ذرة إلا بإذنه، ولا تسقط ورقة إلا بعلمه، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض والسموات، قال ابن القيم رحمه الله في نونيته:وهو العليم أحاط علمًا بالذي في الكون من سر ومن إعلانِ وبكل شيء علمه سبحانه فهو المحيط وليس ذا نسيانِ وكذاك يعلم ما يكون غدًا وما قد كان والموجود في ذا الآنِ وكذاك أمر لم يكن لو كان كيف يكون ذاك الأمرُ ذا إمكانِ ولذا ختم النبي عليه الصلاة والسلام هذا الدعاء متوسلا إلى الله بقوله: “إنك أنت علام الغيوب” أي أحاط علمك بكل غائبة عنا، أما في حق الله جل وعلا فالغيب عنده شهادة والسر عنده علانية يعلم السر وأخفي جل جلال الله. فهذا الكنز النبوي من كنزه وعمل به واستقام عليه عاش حياة الرضا لينتقل بعد ذلك إلى خلودٍ أبدي في جنة الله العلي. هذا وصلى الله على نبيا محمد صلى الله عليه وسلم.

    [1] المعجم الكبير للطبراني الجزء 7 حديث رقم 7135، السلسلة الصحيحة الجزء 9 حديث رقم ” 3228 “، وحسَّنه شعيب الأرناءوط في تحقيق المسند.

    [2] الفوائد لابن القيم من حكم بن مسعود الجزء 1 صفحة رقم 159.

    [3] مسند أحمد الجزء 37 حديث رقم 22437، السلسلة الصحيحة للألباني حديث رقم 2176.

    [4] صحيح مسلم الجزء 3 حديث رقم 2337.

    [5] صحيح البخاري الجزء 6 حديث رقم 4565.

    [6] سنن الترمذي الجزء 5 حديث رقم 3522، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم 2091.

    [7] جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي الحديث الرابع صفحة رقم 31.[8] مختصر منهاج القاصدين للمقدسي الجزء 4 صفحة رقم 69.

    [9] حسنه الألباني في السلسلة الصحيحة الجزء 3 حديث رقم 1476.

    [10] صححه الألباني في التعليقات الحسان، برقم 896، وصححه محققو المسند، 33/ 197.

    [11] صفة الصفوة لابن ا لجوزي الجزء 3 صفحة رقم 202.

    [12] صحيح مسلم الجزء 3 صفحة رقم 2047.

    [13] صفة الصفوة لابن ا لجوزي الجزء 1 ـ صفحة رقم 630.

    [14] صحيح الترغيب والترهيب للألباني حديث رقم 1596.

    [15] صحيح مسلم الجزء 8 حديث رقم 7673.

    [16] صححه الألباني في السلسلة الصحيحة في الجزء 4 حديث رقم 1691.

    [17] صحيح مسلم الجزء 8 حديث رقم 7222.

    [18] سنن بن ماجه الجزء 2 حديث رقم 4216، السلسلة الصحيحة الجزء 3 حديث رقم 948.

    [19] صحَّحه الألباني في صحيح الجامع الصغير الجزء 1 حديث رقم 3320.

جميع الحقوق محفوظة لموقع خطباء © 2019