• 18 أكتوبر، 2018 الساعة 7:59 م
    ابراهيم الهلالي
    أحاديث القلوب

    الحمد لله الذي ظهر لأوليائه بنعوت جلاله؛ البصير الذي يرى دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، حيث كانت من سهله وجباله؛ ويرى تقلب قلب عبده ويشاهد اختلاف أحواله؛ أحمده –سبحانه- هو أرحم بعبده من الوالدة بولدها الرفيقة به في حمله ورضاعه وفصاله؛ إذا تاب إليه العبد فهو –تعالى- أفرح بتوبته من الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه، في الأرض المهلكة، إذا وجدها وقد تهيأ لموته وانقطاع أوصاله. 

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا رادَّ لحكمه، ولا معقِّب لأمره؛ وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وأقام الدين، وترك أمته على البيضاء الواضحة للسالكين. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد: فإن الله -سبحانه- لم يخلق خلقه هَمَلاً، بل جعلهم موردًا للتكليف، ومَحَلاًّ للأمر والنهي، وألزمهم فهْم ما أرشدهم إليه مجملاً ومفصَّلا؛ وقسمهم إلى شقي وسعيد، وجعل لكل من الفريقين منزلا، وأعطاهم موارد العلم والعمل، من القلب والسمع والبصر؛ فمن استعمل ذلك في طاعته، وسلك به طريق معرفته، فقد قام بشكر ما أوتيه من ذلك؛ ومن استعمله في إراداته وشهواته، ولم يرع حق خالقه فيه، يخسر إذا سئل عن ذلك، ويحزن حزنًا طويلا، ويقول: (يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ)

    أيها المسلمون: أفلا معتبر بما طوت الأيام من صحائف الماضين؟ وقلَّبت الليالي من سجلات السابقين؟ وما أذهبت المنايا من أماني المسرفين؟ كل نفس من أنفاس العمر معدود. وإضاعة هذا ليس بعده خسارة في الوجود.

    (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوء تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَا بَعِيدًا).

    هذه يد المنون تتخطف الأرواح من أجسادها. تتخطفها وهي راقدة في منامها. تعاجلها وهي تمشي في طرقاتها. تقبضها وهي مكبة على أعمالها. تتخطفها وتعاجلها من غير إنذار أو إشعار. (فَإِذَا جَآء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَـئَخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ).

    ها هو ابن آدم يصبح سليماُ معافى في صحته وحُلَّته، ثم يمسي بين أطباق الثرى قد حيل بينه وبين الأحباب والأصحاب.ويلٌ للأغرار المغترين. يأمنون الدنيا وهي غرارة. ويثقون بها وهي مكارة. ويركنون إليها وهي غدارة. فارقهم ما يحبون، ورأوا ما يكرهون. وحيل بينهم وبين ما يشتهون. ثم جاءهم ما يوعدون. ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون.

    إنها الدنيا: تُبكي ضاحكاً، وتضحك باكياً. وتُخيف آمناً، وتؤمن خائفاً، وتفقر غنياً، وتغني فقيراً. تتقلب بأهلها، لا تُبقي أحداً على حال. العيش فيها مذموم، والسرور فيها لا يدوم، تُغيِّر صفاءها الآفات، وتنوبها الفجيعات، وتفجع فيها الرزايا، وتسوق أهلها المنايا. قد تنكرت معالمها، وانهارت عوالمها.

    أيها الإخوة: وهذه وقفة محاسبة مع النفس، بل مع أعز شيء في النفس، مع ما بصلاحه صلاح العبد كله، وما بفساده فساد الحال كله. وقفةٌ مع ما هو أولى بالمحاسبة وأحرى بالوقفات الصادقة يقول نبيكم محمدr  : ((ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)). ويقول r: ))لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه)).

    عباد الله:يصاب بلد مسلم بالقحط والجدب وقلة الأمطار ونقص الثمار؛ فيهُب المسلمون نجدة لإخوانهم بما آتاهم الله من فضله حتى تصلح الأحوال برحمة ذي العز والجلال.

    ولكن شيئاً –  أقرب لنا من كل قريب – يقحط .. ولا بواكي له!إنه ليجدب .. ولا ساقي له،

    إنه ليذبل .. ولا راعي له.إنه ليئن .. ولا سامع له. إنه ليمرض .. ولا معالج له.إنه ليموت .. ولا متألم له ؟؟

     قحط وجدب يعم مساحات شاسعة  مقفرة .. لم يفكر أصحابها أن يستسقوا لها، ولم يجل بخواطرهم أنها إن ذبلت.. ذبل معها كل حي، وإن ماتت مات معها كل شيء، وإن صلَحت صلَح معها كل شيء.

    قحط القلوب أو القلوب المجدبة ديار مقفرة من الإيمان إلا قليلا، وثياب بالية من الذنوب إلا يسيرا.

    عن عبد اللهِ بن عمرٍو، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:  ((إِنَّ الإِيمَانَ لَيَخْلَقُ فِي جَوْفِ أَحَدِكُمْ كَمَا يَخْلَقُ الثَّوْبُ الخَلقُ؛ فَسَلُوا اللهَ أَنْ يُجَدِّدَ الإِيمَانَ فِي قُلُوبِكُمْ)).

    هل تأملت أخي:منذ متى دعونا بتجديد الإيمان في قلوبنا؟ منذ متى استشعر أحدنا أن إيمانه قد يبلى في قلبه كالثوب المهترئ؟ وهل سأل الواحد منا نفسه: لماذا حصل له كل هذا؟؟

    اللهم جدد الإيمان في قلوبنا.. ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.

    إن من معتقد أهل السنة والجماعة : أن الإيمان يزيد في القلب وينقص، وترى ذلك جلياً حين يلهو قلبك في الملاهي والمحرمات، ثم تزور القبور في تشييع جنازة.

    إن لقلب المؤمن بين الموقفين لما بين السماء والأرض.. حياة وموت، جوع وشبع، ظمأ وريّ..

    ليزداد الذين آمنوا إيمانا : (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) وقال تعالى: (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا).

    فلماذا يصرّ البعض على قحط قلبه، وجدب روحه، وقفر نفسه؟ لماذا لا نستسقي لقلوبنا من أمطار الرحمات، وفيوض العطايا الإلهيات؟ يقول ابن القيم رحمه الله:  “إن الله لما امتحن عبده بالشهوات؛ اقتضت رحمته به أن هيَّأ له مأدبة قد جمعت من جميع الألوان والتحف والخِلَع والعطايا، ودعاه إليها كل يوم خمس مرات، ..(يعني: الصلوات الخمس).فيصدر المدعو من هذه المأدبة وقد أشبعه وأرواه، وخلع عليه بخلع القبول وأغناه؛ لأن القلب كان قبلُ.. قد ناله من القحط والجدب والجوع والظمأ والعُرْي والسقم ما ناله، فأصدره من عنده وقد أغناه عن الطعام والشراب واللباس والتحف ما يغنيه.

    ولمّا كانت الجدوب متتابعة، وقحط النفوس متواليًا، جدد له الدعوة إلى هذه المأدبة وقتًا بعد وقت رحمة منه به، فلا يزال مستسقيًا مَن بيده غيثُ القلوب وسَقْيها، مستمطرًا سحائبَ رحمته لئلا ييبَسَ ما أنبتته من كلأ الإيمان وعُشْبه وثمارِه، …

    والقلب في استسقاء واستمطار هكذا دائمًا، يشكو إلى ربه جَدْبه وقَحْطَه وضرورته إلى سقيا رحمته وغيثِ بِرِّه، فهذا دأب العبد أيام حياته.

    فإن الغفلة التي تنزل بالقلب هي القحط والجدب، فما دام في ذكر الله والإقبال عليه فغيث الرحمة واقع عليه كالمطر المتدارك، فإذا غفلَ ناله من القحط بحسب غفلته قلة وكثرة، فإذا تمكنت الغفلةُ واستحكمتْ صارتْ أرضُه ميتةً، وسَنَتُه جرداءَ يابسةً، وحريقُ الشهوات فيها من كل جانبٍ كالسمائم”. اهـ كلام ابن القيم رحمه.

        ثم من رام كمال الزينة لقلبه، وتمام السعادة لروحه وجسده؛ فليرو القلوب المجدبة بماء القرآن، وليقبل به على معانيه، وليتدبر ما يراد منه وما نزل لأجله، وليأخذ من كل آية نصيبه منها، ولينزلها على أمراض قلبه، حتى يصيب الدواء الداء فيبرأ القلب بإذن الله، وتعود له الحياة.وصدق ذو النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه حين قال: ” لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام ربنا”.

    اللهم طهر قلوبنا من النفاق وأعمالنا من الرياء، وأنقذنا برحمتك من داء الغفلة وبلاء المعصية .. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم…الخ.

    الخطبة الثانية

    الحمد لله رب العالمين رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

    عباد الله: إن هناك أموراً  يتم بها صلاح القلب، وهي كثيرة جداً ومن أعظم الأمور التي تصلح القلب وتحييه:

    المجاهدة: يحتاج الإنسان إلى مجاهدة دائمة ومستمرة وإلى مكابدة، يقول ابن المنكدر – رحمه الله – وهو من علماء التابعين: “كابدت نفسي أربعين سنة حتى استقامت لي”.

    نحن عباد الله نحتاج إلى كثير من المجاهدة لإصلاح هذه القلوب.

    يقول أبو حفص النيسابوري – رحمه الله – : “حرست قلبي عشرين سنة – كان في مجاهدة ومكابدة مع هذا القلب يحرسه من كل كافر – ثم حرسني عشرين سنة”. إذا استقام قلب العبد؛ استقامت أعماله وجوارحه، فإذا جاءه الشيطان بخاطرة من الخواطر قبل أن يستقيم قلبه ويثبت على الطاعة؛ فإن القلب يحتاج إلى مدافعة عظيمة لهذه الخواطر، فإذا صار في القلب قوة وصلابة في الإيمان، واستقام القلب لصاحبه وروضه على طاعة الله – عز وجل – والإقبال عليه؛ فإنه يحرس صاحبه، فإذا رأى شيئاً تلتفت إليه كثير من النفوس الضعيفة، ويتطلع إليه أصحاب القلوب المريضة، فيطمع الذي في قلبه مرض؛ فإن هذا الإنسان ينصرف قلبه عن هذه الأمور المشينة، ولا يلتفت إليها، ويتذكر مباشرة عظمة الله وجلال الله ورقابة الله، فلا تتحرك نفسه للمعصية، أو الوقوع في الريبة والدخول في أمور وطرائق ليس له أن يدخل فيها “حرست قلبي عشرين سنة فحرسني عشرين سنة، ثم وردت عليّ وعليه حالة صرنا محروسين جميعاً”

    ومما يصلح القلب أيها الإخوة: كثرة ذكر الموت وزيارة القبور ورؤية المحتضرين: فإنها اللحظات التي يخرج الإنسان فيها من الدنيا ويفارق سائر الشهوات واللذات، ويفارق الأهل والمال الذي أتعب نفسه في جمعه في لحظة ينكسر فيها الجبارون ويخضع فيها الكبراء ولا يحصل فيها للعبد تعلق بالدنيا، ولهذا يكثر من الناس التصدق في تلك الأحوال ولربما كتب الواحد منهم في حال صحته وعافيته وصية يوصي بها أنه إذا مات وانقطعت علائقه من الدنيا أن يخرج من ماله كذا وكذا.

     ومما يحيي القلب: مجالسة الصالحين الذين يذكرون الله – عز وجل – ويذكرون بالله بالنظر إلى وجوههم: من الناس من إذا نظرت إلى وجهه انشرح صدرك وذهبت عنك كثير من الأوهام والهموم والغموم والمخاوف.

    قال ابن القيم – رحمه الله – : “كنا إذا حدق بنا الخصوم وأرجفوا بنا وألبوا علينا، واعترتنا المخاوف من كل جانب؛ أتينا شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – : فو الله ما إن نرى وجهه حتى يذهب ذلك عنا جميعاً لما يرون في وجهه من الإنارة، وما يرون فيه من المعاني الدالة على انشراح الصدر وثبات القلب ومن المعاني الدالة على الخوف من الله – عز وجل – والتقى والرجاء وما إلى ذلك من الأمور التي تنعكس في وجه العبد، فإن الوجه مرآة لهذا لقلب ولهذا قيل: “ما أسر أحد سريرة إلا أظهرها الله على صفحة وجهه وفلتات لسانه”.

    ودخل رجل على عثمان – رضي الله عنه – ، فقال: “أيعصي أحدكم ربه ثم يدخل علي؟ فقال الرجل: أَوَحْيٌ بعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم ؟! يعني كيف علمت؟ فأخبره أنها فراسة المؤمن، فالوجه تنعكس فيه أحوال القلب فيكون الوجه مظلماً لما في القلب من الظلمة، ويكون الوجه مشرقاً لما في القلب من الإشراق.

    وأمرٌ رابع يصلح به القلب: وهو أن يكون تعلقه بربه ومعبوده وخالقه جل جلاله: إذا تعلق القلب بالمخلوق عُذِّب بهذا المخلوق أياً كان سواء كان رجلاً أو امرأة أو سيارة أو عقاراً أو مالاً أو غير ذلك.ولهذا كان ابن القيم – رحمه الله – يقول: “إن في القلب وحشة لا يذهبها إلا الأنس بالله، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته، وفيه فاقة لا يذهبه إلا صدق اللجوء إليه، ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تذهب تلك الفاقة أبداً “.

    ومما يصلح القلب الأعمال الصالحة: بجميع أنواعها كما قال ابن عباس – رضي الله عنه-: “إن للحسنة نوراً في القلب وضياء في الوجه وقوة في البدن وزيادة في الرزق ومحبة في قلوب الخلق. وإن للسيئة سواداً في الوجه وظلمة في القلب ووهناً في البدن ونقصاً في الرزق وبغضاً في قلوب الخلق”.

    ومما يصلح القلب: أن نستعمله فيما خلق له، هذا القلب خلق ليكون عبداً لله، خلق ليعمل أعمالاً جليلة هي الأعمال القلبية الصالحة، فإذا أشغل القلب بغيرها تكدر وفسد.

    ومن أعظم الأعمال الصالحة التي تصلح القلب: ذكر الله – عز وجل – وقراءة القرآن: والحديث عن هذا يطول، ولكن يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق، ولقد قال سليمان الخواص – رحمه الله – : “الذكر للقلب بمنزلة الغذاء للجسم، فكما لا يجد الجسد لذة الطعام مع السقم، فكذلك القلب لا يجد حلاوة الذكر مع حب الدنيا- أو كما قال- “.

     وقد أحسن من قال:

    دواء قلبك خمسٌ عنـد قسوتـه *** فاحرص عليها تفز بالخير والظفرِ

    خـلاء بطـنٍ وقـرآنٌ تدبـره ***كذا تضـرع باكٍ ساعة السحـرِ

    ثـم التهجد جنـح الليل أوسطه *** وأن تجالس أهـل الخير والخبـرِ

    اللهم نسألك قلوباً حية عامرة بالإيمان، ونعوذ بك من موت القلوب، ومن الكفر والفسوق والعصيان، ونعوذ بك من الهوى والطغيان، ونسألك الخشية والإنابة والخضوع بين يديك، وارزقنا التواضع والسكينة، وحبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، واجعلنا من الراشدين.

    ثم صلوا وسلموا على الهادي البشير…الخ.

جميع الحقوق محفوظة لموقع خطباء © 2019