• 27 سبتمبر، 2018 الساعة 7:49 م
    عبدالله حمود الحبيشي
    منهجنا في تلقي الأخبار

    الخطبة الأولى ..

    عباد الله .. أخبار تموج كموج البحر أو أشد ، وسيل جارف لا يقف.. تصنيف وتوصيف ، وذم وقدح في ملك ورئيس وأمير ، وعالم وداعية .. مسؤول ووزير .. وتلك مقاطع عن فلان تحمل فضائح مشينه وتصرفات قبيحة لا يرضاها عاقلٌ لنفسه أو لأحد من أهله ومعارفه ، تنتشر انتشار النار في الهشيم .. معلومات قليلٌ صدقها ، كثير كذبها وباطلها .. أنباء عن ظلم ملك ، وبطر رئيس ، وفجور أمير ، ومسؤولٍ سرق ، وعالم داهن ، وداعية كذاب ، وفلان حزبي أو خارجي ، وصور أو مقاطع مرئية لمنكر فعلته فلانه أو فلان .. هذه يا رعامكم الله شيء مما يأتي ويُسمع ويُقرأ ويُرى عبر وسائل التواصل والاجتماعي أو في اللقاءات والمجالس .. فأين شرع الله من هذا؟ وما هو الضابط للمسلم حين يسمع أو تصله مثل هذه الأخبار .
    إننا كمسلمين لنا منهج نسير عليه ونلتزم به في تلقي الأخبار ، ومن أعظم الآداب التي يجب على أهل الإسلام وأصحاب العقول والألباب الحرص عليها والالتزام بها عدم قبول الأخبار المجهولة والتثبت منها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) .
    وقد يقول قائل إن فلان الذي أرسل الرسالة أو أبلغني الخبر ليس بفاسق .. فنقول نعم ولكن لعله أختلط عليه الأمر أو التبس أو أساء الفهم ولذلك وجب التثبت وعدم الجزم وهذا بالفعل ما حصل مع النبي صلى الله عليه وسلم فقد بعث رجلا إلى بني المُصطلِقِ ليأخُذُ منهم الصَّدقاتِ ، وعندما علموا بالخبر فرِحوا ، وخرجوا ليتلقَّوْا رسولَ رسول اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، وحين رآهم خاف وظن أنهم سيقتلونه رجع إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، فقال : يا رسولَ اللهِ ! إنَّ بني المُصطلِقِ قد منعوا الصَّدقةَ . فغضِب رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من ذلك غضبًا شديدًا ، فبينما هو يُحدِّثُ نفسَه أن يغزوَهم إذ أتاه الوفدُ .. فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ عُذرَهم في الكتابِ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ .
    فالتثبت مطلوب أيّن كان المرسل وممن كان الخبر فهذا سليمان عليه السلام جاءه الهدهد بنبئ يقين ومع هذا قال عليه السلام “سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ” ما أعظمه من أدب وأجله من سلوك لم يُكذب ولم يُصدق ولحاجته لاتخاذ قرار وجب عليه النظر .
    قال الشيخ ابن سعدي:’ من الغلط الفاحش الخطر قبول قول الناس بعضهم ببعض، ثم يبني عليه السامع حبًا وبغضًا، ومدحًا وذمًا. فكم حصل بهذا الغلط من أمور صار عاقبتها الندامة، وكم أشاع الناس عن الناس أمورًا لا حقائق لها بالكلية، أولها بعض الحقيقة فنمّيت بالكذب والزور، .. فالواجب على العاقل التثبت والتحرز، وبهذا يُعرف دين المرء ورزانته وعقله .
    ولذا نصَّ أهل العلم على أن من علامات الحمق: ترك التثبُّت، ونشر الأخبار الواهية، والظنون الباطلة، وتصيُّد الأحاديث الكاذبة، وسوء الظنون بالمسلمين، وحملهم على محامل السوء والشكوك.

    عباد الله .. وأدب جميل من آداب القرآن في تلقي الأخبار قوله تعالى (لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ) إنه إحسان الظن بالمؤمنين .. عامة المسلمين فضلا عن كبرائهم وأهل الفضل والمكانة والمنزلة منهم .. وتأمّلوا هذا التطبيقَ العمليّ لهذا التّوجيه الكريم ، فهذا أبو أيّوب الأنصاريّ وزوجُه رضي الله عنهما ، وقد خاض النّاس في حديث الإفك .. لقد أثار هذان الزّوجان الكريمان هذا السؤال فيقول أبو أيوب مخاطباً زوجَه : أرأيتِ لو كنتُ مكانَ صفوان بنِ معطّل ، أكنتُ فاعلاً؟! أو كنتِ أنتِ مكانَ عائشةَ أكُنتِ فاعلةً من ذلك شيئاً؟! فيجيب كلّ منهما صاحبَه : لا والله ، ثمَّ يقول أبو أيّوب : وصفوان خيرٌ منّي ، وتقول زوجُه : وعائشة خير منّي .. إنّه إحسانُ الظنّ بالمسلمين، وهو الطريق الصّحيح الأقربُ والأيسر والأسلَم والأصدَق .

    ومن الآداب في تلقي الأخبار الإمساك عن نقلها ونشرها وخاصة إذا لم تكن هناك مصلحة ظاهرة وواضحة .. الإمساك عن نقل الأخبار هو الأسلم خاصة إذا كان فيها ما يضر الغير أو يسيء إلى أحد .. فالخطأ في عدم النشر خير من الصواب في النشر .. عن مُطرِّف بن عبد الله بن الشخِّير قال : لبِثتُ في فتنةٍ ابن الزبير سبعَ سنين ، ما خبَّرتُ ولا استخبَرتُ، وما سلِمت .
    والإمساك هو الأصل لقول الله تعالى (وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) أي ما ينبغي لنا الكلام بهذا الإفك المبين ، لأن المؤمن يمنعه إيمانه عن القبائح .
    وقد جاء هذا صريحاً واضحاً في القرآن فقال تعالى (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) .
    قال العلامة السعدي: “هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق ، وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة ، والمصالح العامة ، ما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين ، أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم ، أن يتثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر، بل يردونه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم ، أهلِ الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة ، الذين يعرفون الأمور ، ويعرفون المصالح وضدها .
    لو طبقنا قاعدة الإمساك عن نقل الأخبار لسلمنا وسلم المجتمع فكم ممن وقع في الخطأ بسبب نقل خبر لا يعلم صحته وفي ذلك خطر عظيم (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ) ماذا قال الله بعدها (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ) يقول عليه الصلاة والسلام “إنَّ الرَّجلَ ليتَكَلَّمُ بالكلمةِ من سخطِ اللَّهِ لا يرى بِها بأسًا فيَهْوي بِها في نارِ جَهَنَّمَ سبعينَ خريفًا”.
    فلا شك أن السلامة في مثل هذه الأخبار إن صحت الإمساك عنها فكيف وهي مجهولة ، وقد قال صلى الله عليه وسلم “كفى بالمرءِ كذبًا أن يُحَدِّثَ بكلِّ ما سمِع” . وفي رواية ” كَفَى بِالمَرْءِ إِثْمًا أنْ يُحَدِّثَ بكلِّ ما سمعَ” .
    ويقول الإمام مالك رحمة الله تعالى : اعلم أنه فساد عظيم أن يتكلم الإنسان بكل ما سمع .
    نسأل الله أن يرزقنا حفظ ألسنتنا وأعراضنا عن السوء ونقله .. اقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    الخطبة الثانية ..

    أما بعد عباد الله .. آخر ما نذكر من الآداب في تلقي الأخبار وسماعها .. أدب الستر وخاصة في الأخبار التي تحمل فضائح ومعايب ومنكرات سواء بعلم أصحابها أو بغير علمهم .. فذلك شاب جاهر بمعصية أو ظهر منه فعل مشين فصوره من صوره ونشر ذلك الفعل ، وتلك فتاة مع قريباتها أو صديقاتها فعلت فعلا أو قالت قولا وصورت وانتشر المقطع .. منهجنا أهل الإسلام المبالغة .. نعم المبالغة في الستر .. قال صلى الله عليه وسلم “مَن سترَ عورةَ أخيهِ المسلمِ سترَ اللَّهُ عورتَهُ يومَ القيامةِ ومن كشفَ عورةَ أخيهِ المسلمِ كشفَ اللَّهُ عورتَهُ حتَّى يفضحَهُ بِها في بيتِهِ” .
    قال المنذري: “ستر المسلم هو تغطية عيوبه وإخفاء هنَّاته أي زلاته وهفواته وقبائحه .
    وقال ابن حجر : قوله (ومن ستر مسلماً) أي: رآه على قبيح فلم يُظهره للناس .
    من أقبح القبح إذاعة الأسرار ، وتتبُّع الزلاَّت والهفَوات ، ونشر المعايِب والسَّقَطات ، والتعيير والتشهير عبر المجالسِ والمجامِع والجوّالات ووسائل الاتصالات ، حتى صارَت الفضائحُ والقبائحُ تُزفُّ للناسِ زفًّا ؛ فهذه فضيحةُ فلان ، وهذه هفوةُ فلان .. حُرمةُ المُسلِم تُنتَهك، وسرُّه يُذاع ، وذنبُه يُشاع ، وعِرضُه يُباع .. عملٌ ذميم ، لم يقتصِد أذاه على المفضوحِ وحده ؛ بل ربما تعدَّاه إلى أسرته ، وعشيرته ومجتمعه وبلده ، وربما أُخِذ البريءُ بجريرةِ المُجرِم، والنقيُّ بخطيئةِ العاصِي ..
    قال صلى الله عليه وسلم لمن جاء إليه بصاحب معصية (يا هَزَّالُ ! لو سَتَرْتَه بثوبِكَ كان خيرًا لكَ) قال أبو الوليد الباجي : يريد النبي صلى الله عليه وسلم : كان خيرا لك ممَّا أظهرته من إظهار أمره ، فكان ستْره بأن يأمره بالتَّوبة ، وكتمان خطيئته .. وإنَّما ذكر فيه الرِّداء على وجه المبالغة ، بمعنى أنَّه لو لم تجد السَّبيل إلى سِتْره إلَّا بأن تَسْتُره بردائك ممَّن يشهد عليه ، لكان أفضل ممَّا أتاه ، وتسبَّب إلى إقامة الحدِّ عليه .
    وقال ابن الأثير : (ألَا سَتَرْته بثوبك يا هَزَّال) إنما قال ذلك حُبّاً لإخفاء الفضيحة، وكراهيةً لإشاعتها .
    ويقول عليه الصلاة والسلام (أَقِيلوا ذوى الهيئاتِ عثَراتِهم) .. المعنى العَفْوُ عنِ الزَّلَّاتِ التي تَصدُرُ مِنَ الناسِ من مَحاسِنِ الشَّريعَةِ الإسْلاميَّةِ، لا سيَّما إذا كان مَنْ صَدَرَتْ منه مَعْروفًا بين الناسِ بالفَضْلِ والخَيْرِ، فمِثْلُ هذا يكونُ السَّتْرُ في حَقِّهِ أوْلى؛ حتى لا يذْهَبَ خيْرُهُم في الناسِ، وحتى لا تَنْعدِمَ قُدْوتُهُم بين الناسِ .
    هذا هو منهجنا في تلقي الأخبار التثبت فيها واحسان الظن والإمساك والستر فما أحوجنا أن نلتزم به وخاصة في هذا الزمن الذي كثرت فيه الأخبار وتنوعت والسلامة لا يعدلها شيء .. نسأل الله أن يلهمنا رشدنا في الأقوال والأعمال ويرزقنا الهداية والسداد

جميع الحقوق محفوظة لموقع خطباء © 2019