• 25 سبتمبر، 2018 الساعة 8:54 ص
    سامي عيضه المالكي
    3 علاقات مهمة بداية عام 1440هـ

    الحمد لله وكفى، يجزي أهل الوفاء بالتمام والوفاء، وسلام على عباده الذين اصطفى، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يرتجى ولا ندّ له يبتغى، وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمدًا النبي المصطفى والحبيب المجتبى، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الأطهار الحنفاء.

    أما بعد: أيها المسلمون: تحدثنا في الخطبة الماضية عن العام الماضي ومحاسبة النفس، واليوم نتحدث عن هذا العام الذي أطل علينا، نريد في بداية العام أن نتفاءل ويكون شعارنا لا للتشاؤم، نريد أن نخطط ونستثمر أوقاتنا لننجح في هذه الدار وهدفنا الأساس هو الجنة بإذن الله تعالى.. نسأل الله أن نكون من أهلها.

     

    ولنكون أكثر ترتيباً.. حديثنا اليوم حول 3 علاقات مهمة جدًّا في حياة كل واحد منا.. العلاقة الأولى مع الله سبحانه وتعالى.. والثانية مع الناس.. والثالثة مع النفس..

     

    مع الله جل جلاله: هي محطتنا الأولى، الذي أكرمنا وأنعم علينا وأسبغ علينا هذه النعم الظاهرة، ولعمري فكم نحتاج للعلاقة معه سبحانه، فمن يستغني عن الله؟ بل حاجتنا له في كل لحظة وكل حركة وكل سكون، ومن كان الله معه لم يستوحش، ومن عرف الله حقاً كفاه عن كل ما سواه.

     

    ألا وإن من أعظم ما تقرب به العبد لمولاه القيام بالفرائض فهي رأس المال وركن الدين وأساس الأعمال، وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه) لقد فرض الله الصلاة والزكاة والصيام والحج لمن استطاع، وبر الوالدين وصلة الأرحام وأداء الأمانة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكف الأذى وغيرها مما هو ثابت بالقرآن والسنة.

     

    وتصلح العلاقة مع الله – أيها المؤمنون – حين يكثر العبد من النوافل، فالمقتصدون يكتفون بالواجبات بينما يعمر السابقون أوقاتهم بشتى صور نوافل العبادة، وركعات وصلوات وصوم وصدقات وذكر وقرآن وتسبيحات، وفي الحديث القدسي إن الله عز وجل، يقول: (وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه)، رواه البخاري. كن مع الله خاشعاً متذللاً مُحباً دائما ومُتقرّباً، كَن مع الله في صباحك ومساءك وحال شربك وطعامك ونومك ويقظتك، كن مع الله في خوف ومراقبة لرزقك، وهل شابهه حرام أم كان حلالاً طيباً، كن لله طائعاً وله عابداً ولدينه عاملاً.

     

    ولن تطيب العلاقة مع الله – معاشر المسلمين – حتى يسعى المرء جهده في هجر الذنوب، فهي داء القلوب وجالبة الكروب وبها يحل سخط علام الغيوب، وقد قال وهيب بن الورد وقد سئل: أيجد لذة الطاعة من يعصي؟ فقال: ولا من هم، يعني ولا من عصى ولا من هم بالمعصية.

     

    تركوا المعاصيَ والذنوبَ وأقبلوا 
    للدين، يرجو سعيُهم أن يُقبَلا 
    لا يرتضون سوى النجوم مواطئًا 
    وجِوارَ شمس العالمين المَعْقِلا 

     

    ومن أعظم ما عمرت به العلاقة مع الله – أيها المصلون – إصلاح السرائر بإخلاص العمل لله، وإن العبد وهو يتعامل مع الله فإنما يتعامل مع الذي لا تخفى عليه خافية، ويعلم خائنة الأعين، ويعلم السر وأخفى، ومسكين ثم مسكين من نوى بأعماله ثناء الناس ومراءاتهم.

     

    وأيضاً من الأعمال التي تقربنا لإصلاح العلاقة مع الله:

    الدعاء فلا شكَّ إنَّ الدعاء عبادة جليلة عظيمة، فقال سبحانه: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾ [البقرة: 186].

     

    ومن الأعمال: قيام الليل وهذه عبادة لها فضلٌ عظيم وأثر كبير، كونها العبادة التي يُسِرّها العبد بينه وبين ربه، قال الله تعالى مادحاً أهلها: ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة: 16، 17].

     

    ومن الأعمال: قراءة القرآن فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: [مَثَل الذي يقرأ القرآن كالأُتْرُجَّة، طعمها طيب وريحها طيب].

     

    ومن الأعمال: الأذكار والتسبيح والمحافظة على هذه العبادة علامة ودليلٌ على صحة الإيمان وسلامته، فهي صفة ملازمة للمؤمنين، قال الله تعالى لعبده زكريا: ﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ﴾ [آل عمران: 41].

     

    إن المرء إذا صلحت علاقته مع الله صلحت أحواله وتيسرت أموره وأجيبت دعوته، وفي الحديث (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) فيونس عليه السلام أجيب إذ دعاه وقال الله مبيناً سبب قبول تلك الدعوات ﴿ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ [الصافات: 143، 144].

    اللهم أصلح سرائرنا وأعمر بالطاعات أوقاتنا..

     

    أيها المؤمنون: المحور الثاني هو العلاقة مع الناس:

    قوِّ علاقتك مع والديك وهم أولى الناس بعلاقتك وقربك.. كن معهم دائما سواءً بزيارتهم أو بالاتصال عليهم إن كانوا بعيدين.. أو زيارة قبرهما إن كان أحدهما أو كلاهما أمواتاً.. وتأكد أن الله أكد على برهما في قوله تعالى: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [الإسراء: 23].

     

    اقترب من أقاربك وخصص زيارة لهم كل أسبوع بيت من أقاربك تزوره وتساعده إن كان محتاجاً وأنت مستطيع.. أو تدخل عليه سروراً.

     

    اعمل لك جدولاً شهرياً لزيارة العمات والخالات والأعمام والأخوال وأبنائهم..

     

    صل أرحامك واقترب منهم.. ناصحهم إن استطعت.. قال نبينا صلى الله عليه وسلم: (ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه) رواه البخاري.

     

    حاول أن تصاحب الأخيار.. اختر الصديق الذي يقوي علاقتك مع الله.. اختر الصديق الذي يدلك على الله وعلى طريقه..

     

    لا تحمل في قلبك حقداً على أحد سواء كان من أقاربك أو زميل في عملك.. فإننا على الأرض نستطيع أن نعمل كل شيء.. نستطيع أن نحقد ونحسد ونأكل ونغتاب ونحن على الأرض نستطيع أن نتوب ونعود إلى الله..

    ولكن تحت الأرض لا نستطيع أن نقدم أي شيء إلا ما بقي لنا من العمل الصالح من كلمة طيبة وقلب سليم وذكر وصلوات ودعاء وغيرها من الأعمال.. فلننتبه لهذا أيها الكرام فالدنيا لا تستحق كل ذلك.. كما قال صلى الله عليه وسلم: [كن في الدنيا كأنك غريب أو عابرُ سبيل]، البخاري.

    وتأكد أخي الكريم أن العلاقة مع الناس لا تنتهي وأنت مجبر بأن تتعامل مع الناس سواء من كانوا بقربك أو من تجمعك بهم علاقة عمل مؤقتة، فاجعل هذه العلاقة تتخللها الأمانة على أموال الناس عند تعاملك في البيع والشراء ويتخللها الاحترام والتقدير والمساندة والنصيحة وحفظ أعراضهم والإحسان إليهم وخاصة الجيران منهم..

    تعاهد رحمك بالصلة وجيرانك بالزيارة ومرضى المسلمين بالعيادة، ورد الحقوق إلى أهلها.. سواء كانوا عمالا عندك أو غير ذلك..

    ليكن شعارك بث التفاؤل بين المسلمين.. والدعاء للمسلمين بالنصر والتمكين في شتى بقاع الأرض..

    وتأكد – أخي الكريم – بأنك إذا أصلحت العلاقة مع الخالق ستصلح علاقتك مع الخلق.. وسيحترمونك ويقدرونك وتبقى في أعينهم دائما صاحب الأخلاق الكريمة والسمت الرفيع..

    عامٌ جديدٌ قد أطلَّ وأقبلا 
    أدعو الإله بأن يكون الأجملا 
    أبصرتُه نشوانَ، فوق جبينه 
    فرحُ الطفولة مشرقًا متهللا 
    نادى بأعلى الصوت: جئت مبشرًا 
    ولسورة الأنفال جئت مُرتِّلا 
    إني جلبت النصر بعد مذلَّةٍ 
    وبَنَيْتُ للفرْح المُغَيَّبِ منزلا 
    بِيضُ البشائر في يديَّ، كحاملٍ 
    في عتمة الصحراء ليلاً مِشعلا 
    وبِراحتيَّ توهُّجٌ، وبِخافقي 
    غُصْنُ المسرَّة بالندى قد أُثْقِلا 

     

    اللهم أصلح أحوالنا معك.. اللهم أصلح أنفسنا وأصلح أحوالنا مع الناس يا رب العالمين..

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

     

    الخطبة الثانية

    الحمد لله وكفى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه.

    أما بعد: ولا زلنا مع العلاقة مع الناس، أيها الآباء والأمهات: علينا بتربية الأبناء، وأن نعلق قلوبهم بالله -تعالى -، أن نغرس في قلوبهم حب القرآن وتعظيم القرآن، أن نغرس في قلوبهم حب الصلاة وتعظيم الصلاة، أن نعلمهم أركان الإسلام، أن نعلمهم أركان الإيمان، أن نعلمهم الأخلاق الإسلامية، أن نأمرهم بطاعة الله -تعالى- وأن ننهاهم عن معصية الله، وهذا معنى: ﴿ قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾ [التحريم: 6].

    عباد الله: المحور الثالث هو العلاقة مع النفس:

    إن من صفات المؤمن الحق أن يكون عالي الهمة، رفيع الرغبة في تحقيق معالي الأمور التي تنفع صاحبها في الدارين جاء في الحديث: [إن الله تعالى يحب معالي الأمور، وأشرافَها، ويكره سَفسافهَا] صححه الألباني.

     

    وبداية هذا العام الجديد فرصة لتربية النفس وتعويدها على طاعات ربما كانت في تكاسل عنها, واعلم أن هذه الطاعات والعبادات هي خير زاد لك إذا رحلت من دنياك.

    ولعل من أعظمها المحافظة على صلاة الجماعة فكن من المسارعين لها، السابقين لدخول المسجد وفي التهجير ففي صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “لَوْ يَعْلَمُ النّاسُ مَا فِي النّدَاءِ وَالصّفّ الأَوّل، ثُمّ لَمْ يَجِدُوا إِلاّ أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاَسْتَهَمُوا. وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التّهْجِيرِ لاَسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصّبْحِ، لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْواً”.

    داوم على السنن الرواتب، اجعل لك ورداً من القرآن تقرأه كل يوم لا تُخل به، ليكن لك نصيب من صيام النافلة ولو كل شهر ثلاثة أيام، ونصيب من الصدقة ولو كل يوم ريال واحد..

     

    كَن متينًا في الخلق، مثقفًا في الفكر، سليمًا في العبادة، صحيحًا في العقيدة. كن نافعًا لغيرك، منظماً في شؤونك، مفتاحاً للخير، مغلاقاً للشر.

    حدد وقتا لزيارة إخواننا المرضى وأسرع إليهم واسأل لهم الشفاء من رب العالمين.

    أَحْسَنَ إلى اليتامى واسأل عنهم ولو بالهاتف وامسح على رؤوسهم.

    كَن بزوجتك رحيما ولها مُحبّاً، كن لبنيك مُربيا وناصحاً ومشاوراً وعادلاً ومتلاطفاً.

    اشترك في أحد النوادي الرياضية القريبة منك.. لتتقوى على الطاعة.. وتحافظ على صحتك..

    كن لجيرانك مُسْعِداً ولهموهم مُزيحاً..

    كَن لوطنك مُحباً وعليه غيورا ومحافظاً ولاستقراره وأمنه ساعياً وللفتن وائداً ومُتصدياً.

    كن مع وظيفتك نموذجاً، وبقيمك وأدبك تؤثّر عليهم، وبخلقك يقتدي بك الغير.

    طور من نفسك بقراءة كتاب أو حضور دورة تعليمية أو الاستماع لدرس حتى لو كان غير تخصصك..

    استثمر جهد العام الماضي، هناك أشياء جميلة قدمتها أنت لنفسك.. قدمتها لمن حولك، عظمها وعظم الأثر فيها، لا تحاول البحث عن شيء جديد وأنت لديك ما يميزك، فقط حافظ عليه واستمر عليه..

    كل ما ذكر هنا هو قطرة من بحر.. لكن الهدف هو التقريب لأهدافك.. كلٌّ على حسب وضعه واحتياجه.. المهم الاستمرار..

     

    وقفة صادقة.. عباد الله.. حقيقة، يحتاج الأمر إلى الوقوف وقفة صادقة للمراجعة وليكن المراجع نفسه صادقا في مراجعته (مع الله… مع الناس… مع النفس).

    يا موفق.. ها هو العام الجديد ينزل بنا مستحضرين فضل الله علينا بمد أعمارنا، متذكرين من مضى من الأموات الذين انقطعت آمالهم، وارتهنوا بأعمالهم، فبادر عمرك قبل الفوات.

     

    ختاماً.. كأن عامنا الجديد يقول:

    ها قد أتيتُ وفي فؤادي لهفةٌ 
    للمَكرُمات مُكبِّرا ومُهَلِّلا 
    يا أيها الراجون عزًا أبشروا 
    عامُ البطولةِ قد أطلَّ وأقبلا 

    عباد الله، صلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56]..

جميع الحقوق محفوظة لموقع خطباء © 2019