• 12 سبتمبر، 2018 الساعة 2:29 م
    أحمد بن عبدالله الحزيمي
    بين موسى عليه السلام وفرعون الطاغية (عاشوراء)

    بين موسى عليه السلام وفرعون الطاغية (عاشوراء)

    إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلاّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيِكَ لهُ، وأشْهَدُ أنّ محَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}،{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} أَمَّا بَعْدُ:

    فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيِثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الأمُورِ مُحْدَثاتُها ،وَكُلَّ مُحْدثةٍ بِدْعَةٌ، وكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ، وكُلَّ ضَلالةٍ فِي النَّارِ .

    عبادَ اللهِ: اتقوا اللهَ تعالى وأطيعُوه، وجَدِّدوا عزمَكُم على العملِ الصالحِ والتقوَى، فإنها هِي النجاةُ مِن المخاوفِ والبلاءِ، قالَ تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا}.

    أيها المؤمنونَ: في قصةٍ قالَ عنها المفسرونَ: “إنَّها مِن أَعجبِ القَصَصِ”؛ وُلدَ غلامٌ في ظروفٍ متوترةٍ، وُلدَ الغلامُ والرُّعبُ يملأُ الأجواءَ، والأمةُ مُستَضْعَفةٌ مُشتَّتةٌ، حيثُ أَمرَ فرعونُ بقتلِ أبناءِ بني إسرائيلَ؛ لأنَّه بلغَه أنَّ غلامًا منهم سَيولَدُ, يكونُ هَلاكُهُ على يَدَيهِ، فانزعجَ لذلكَ وأمرَ بقتلِ كلِّ مَولودٍ يولدُ لبنِي إسرائيلَ!

    ثُم خَشِيَ انقراضَ شعبِهِ، فأمرَ بقتلِ المواليدِ سَنةً وتركَهُم سنةً، سبحانَ اللهِ!! طاغيةٌ عنيدٌ يَقتلُ شعبَهُ؟ فيُقدِّرُ اللهَ سبحانُه أنْ يُولَدَ موسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ, في السَّنةِ التي تُقتَلُ فيها المواليدُ مِن بني إسرائيلَ، وقد حَزِنَتْ أُمُّه حينَ حَمَلتْ به خوفًا عليهِ، وحينَ وضعَتْهُ، وكذلكَ وهِيَ تُرْضِعُهُ، ويُوحَى إِليهَا-إِلْهَامًا-أَنْ إذا خافتْ عليهِ أن تضَعَهُ في صُندوقٍ وتُلقيهِ في البَحرِ،{فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ولا تخَافِي ولا تَحْزَنِي}، معَ أنَّ القاعدةَ تَقولُ: إذا خِفْتِ عليهِ أدْخِلِيهِ داخلَ الغرفةِ, وأغلِقِي عليهِ البابَ جيداً، وأسْدِلِي الأسْتَارَ حتى لا يَعلمَ بهِ أَحدٌ.. لكنَّه أمرُ اللهِ!.

    فهو سبحانَه وتعَالى الذي يَحفَظُ الإنسانَ، فليسَ الذي يحفَظُهُ الأبوابُ المغلقةُ، ولا السُّتُورُ الْمُرْخَاةُ، ولا الحُصونُ المحصَّنَةُ.

    وتسوقُ الأمواجُ موسى الرَّضيعَ, حتى تَسكُنَ أمامَ قَصرِ فرعونَ، ويقذِفُ الله محبَّتَهُ في قَلبِ امرأةِ فرعونَ، {لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا}.

    ويُسَخِّرُ اللهُ فرعونَ, لِيتَرَبَّى مُوسى على فراشِهِ ومائِدَتِه، وهل يَجرُؤُ مخلوقٌ أن يَمَسَّ بسُوءٍ مَن أرادَ اللهُ له السلامةَ والنَّجاةَ؟!

    جَاؤوا لموسى بالمراضِعِ، فعَافَهُنَّ، وتقدَّمَتْ أختُه تَعرِضُ أن تأتيَ لَهمْ بمُرضِعةٍ، فقبِلُوا، فجاءَتْ بأُمِّهِ {فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقّ}.

    هذَا وَعدُ اللهِ، ووعدُ اللهِ لا يَتَخلَّفُ، ويَبقَى أن نَزرعَ اليقينَ في نُفوسِنَا بأنَّ مَن تعلَّقَ بخالِقِهِ وتوكَّلَ عليهِ, معَ الأخذِ بالأسبابِ فإنَّه لا يَيأسُ مِن رَوْحِ اللهِ، ولا يَخنَعُ لِوَساوسِ الْوَهَنِ، ولا يَتشَاءَمُ معَ الأَحْداثِ؛ بَل تَزِيدُهُ الشَّدائدُ قوَّةً وعَزِيمةً وأملاً.

    وتَجرِي الأيامُ لموسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ وهو في حُضْنِ أمِّهِ ويترددُ على قصرِ الطاغيةِ فرعونَ, لأنَّ زَوجةَ فِرعونَ تُرِيدُه أنْ يبقَى معها .ثُم تَجرِي الشهورُ والسنواتُ ويَنمو مُوسى, ويُصبِحُ رَجلاً وهو لا يَدْرِي عنِ الاختيارِ الرَّبَّانيِّ الذي يَنتظِرُهُ!

    ثُم جاءَه التكليفُ الربانيُّ بقولِه:{وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى} أمرَ اللهُ مُوسَى أَنْ يذهبَ إلى فرعونَ {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى}، وهيَ بلا شَكٍّ مُهمةٌ شاقَّةٌ، فقد ادَّعى فِرعونُ الأُلوهيَّةَ، وبلغَ الغايةَ في البغيِ والغُرورِ.

    وهُنا يستعينُ نبيُّ اللهِ موسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ بربِّهِ لإنجازِ هذِه المهمَّةِ فيقولُ: {رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي}.

    عبادَ اللهِ:ويَجمَعُ فرعونُ السَّحَرةَ في مُناظرةٍ عَلنيَّةٍ لإسقاطِ موسى أمامَ الرأيِ العامِّ، تَوْطِئةً لإقْصَائِهِ وقَتلِهِ، {فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى}.

    حَضرَ السَّحرةُ مَيدانَ المُناظرةِ، مُتآمرينَ على مُوسَى، مُعْتمِدِينَ على عِزَّةِ فرعونَ، وفي هذا الحشدِ المَهيبِ يُوصِي ربُّ مُوسى عَبدَه موسَى:{لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى}، لا تَخَفْ؛ لأنكَّ الأعلَى والأعزُّ الأكرَمُ، الأعلى مَنهجًا، والأعزُّ عقيدةً،والأكرمُ خُلُقًا.

    ويُريدُ فرعونُ أَمرًا، ويُريدُ اللهُ أمرًا، ويَظْهَرُ أمرُ اللهِ؛ اجتَمعَ السَّحَرةُ فَرأَوا آياتِ اللهِ ومُعجِزَاتِهِ الخالِدة، فجَاءَتِ المُفاجأةُ الكُبرَى {وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ}.

    تَمَكَّنَ الإيمانُ من قُلُوبِهِم فأَشرَقَ فيها نورُ اللهِ: {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}. 

    وكانَ من قِصَّةِ إِغراقِ فرعونَ وجنودِهِ أنَّ اللهَ أوحَى إلى موسى أنْ يَسرِي بقومِهِ ليلاً مِن مِصرَ، فاهتمَّ لذلكَ فرعونُ اهتماماً عظيماً، فأَرسلَ في جميعِ مَدَائنِ مِصرَ, أنْ يُحشَرَ الناسُ للوصولِ إليهِ-لأمرٍ يُريدُه اللهُ-، فجَمَعَ فرعونُ قومَهُ, وخَرجُوا في إِثْرِ موسى متجهينَ إلى جِهةِ البحرِ الأَحمرِ.

    ثُم ها هوَ الْمَشهَدُ يقتربُ مِن نهايَتِهِ، والمعركةُ تَصِلُ إلى ذُروتِهَا، وها هوَ موسى وقومُهُ أمامَ البحرِ, ليسَتْ معهُم سَفينةٌ، ولا يملكونَ خَوضَهُ، وما هُم بمُسلَّحِينَ، وقد قاربَ فرعونُ وجنودُهُ يطْلُبُونَهُم ولا يَرحَمونَ، ودلائلُ الحالِ تقولُ: البحرُ أمامَهُم, والعدوُّ خَلفَهُم, وإنْ ظَفروا بهِم لَيُقَتِّلُنَّهُمْ شَرِّ قِتلةٍ، لا يُساوِرُهُم شكٌ في ذلكَ، {قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}، ويَبلغُ الكربُ مَدَاهُ، ويصلُ الضيقُ مُنتهاهُ، إلا أنَّ موسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ لا يَشكُّ لحظةً، وقد امْتَلأَ قلبُهُ ثِقةً بالحقِّ المبينِ، ويَقينًا بعونِ أرحمِ الراحمينَ، {قَالَ كَلا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ}.

    فجَاءَه الفرجُ بقولِهِ: {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ}.

    نَعم!انشقَّ البحرُ لعدَّةِ مَسَاراتٍ بضربةِ عَصَا.

    يا اللهُ!! لقدِ اختفَى العُمقُ البَحرِيُّ, واختفتِ الأمْوَاجُ, وغَابَتْ مَعالِمُ البِحارِ في ثَوانٍ ..
    ثُم يَنطلِقُ مُوسى ومَن مَعهُ في السَّيرِ في تِلكَ المساراتِ, قَبلَ أَن يُدْرِكَهُم فرعونُ .
    وفِي لحظاتٍ يَخرُجُ موسى ومَن معَه مِن تلكَ المسَارَاتِ، ثُم يَقتَرِبُ فرعونُ وجنودُهُ مِن البحرِ الذي وقَفَ لموسَى..وهناكَ لا تَسأَلُ عن هولِ الموقفِ الذي يُشاهِدُه الطغاةُ وجنودُهُم.

    ثُم يَنطلِقُ فرعونُ وجنودُهُ بكلِّ عَظمَةٍ وكِبرٍ, لِيسلُكُوا في تلكَ المساراتِ، ولكنَّهم لا يعلمونَ بأنَّ الذي أوقفَ البحرَ, هو اللهُ وأنَّ الذي سَيُعِيدُه لطبيعَتِه. هو اللهُ.

    ولَمَّا اكتملَ الجنودُ الكَفَرةُ, أَمَرَ اللهُ البحرَ أنْ يَعودَ كمَا كانَ، فيستجيبُ البحرُ، ثُم تَتَلاعَبُ الأمواجُ بالجنودِ، وتَكونُ المياهُ فوقَ الجنودِ ومِن تَحتِهِم، وتَضطرِبُ الأمواجُ. لِتُعْلِنَ نهايةَ التَّاريخِ الْمُظْلِمِ لتلكَ الفئةِ الطاغيةِ، وبَنو إسرائيلَ ينظرونَ, حتى إذَا أدركَ فرعونَ الغرقُ، وجَزَمَ بهَلاكِهِ {قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} فيَأتِيهِ الجوابُ:{آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} ولكنْ هيهاتَ هيهاتَ أن ينفَعَهُ ذَلكَ.

    عبادَ اللهِ: إنَّ مصيرَ العُتَاةِ والجَبابرةِ والظلمةِ والمفسدينَ في الأرضِ, إنما هُو الهَلاكُ, فلَقدْ أَهلَكَ اللهُ فرعونَ وهامانَ وجنودَهُمَا, وأهلكَ عَاداً الأُولى, وثمودَ فمَا أَبقى, وأغْرَقَ قومَ نوحٍ, وأنَّ اللهَ جلَّ في عُلاه سَيُهلكُ كلَّ من سَارَ على ما سَارَ عليهِ أولئكَ المكَذِّبونَ الطَواغِيتُ المجرِمونَ, فكلَّما زَادَ طُغيَانُهُم وإفسادُهُم كلمَّا قَرُبَ هَلاكُهُم وزَوَالُهُم.

    أيها المسلمونَ: إنَّ الصِّراعَ مهمَا امْتَدَّ أجَلُهُ، والفتنةُ مهمَا اسْتَحْكَمَتْ حَلَقَاتُهَا، والليلُ مهمَا ادْلَهَمَّ ظَلامُه, ومهمَا كَثُرَتِ الجِرَاحَاتُ، ومهمَا قُتِلَ الرجالُ, ويُتِّمَ الأطفالُ, فإنَّ اللهَ ناصرٌ دِينَهُ،  أَبَى اللهُ إلاَّ ذَلِكَ، {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}.

    نَعمْ.. لَقدِ انتصرَ الخليلُ إبراهيم عَلَيْهِ السَّلاَمُ, على الطغاةِ وإن قُذِفَ في النارِ، وانتصرَ أصحابُ الأخدودِ, وإن حُفِرَتْ لهمُ الأخاديدُ وأُحرِقُوا، وانتصرَ الغلامُ المؤمنُ, وإنْ كانتْ رُوحُهُ أُزْهِقَتْ علَى مَلإٍ منَ الناسِ الذينَ لم يَتمَالَكُوا أنْفُسَهُم إلا أنْ ضَجُّوا: آمنَّا بربِّ الغلامِ، وانتصرَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ, وإنْ ماتَ في سجنِهِ الذي سُجِنَ فِيهِ.

    لِذَا ينبغيِ أَن تَعْلَمَ الأمةُ. أنَّ الثباتَ على مبدأ الحقِّ حتَّى المماتِ نَصْرٌ، وأَن نصرَ المبادئِ والقيمِ نجاحٌ وفلاحٌ، وقدْ يَشهَدُ الأَبناءُ والأحفادُ هذا النَّصرَ الذي بُذِرَتْ بُذُورُهُ الأُولى في عهدِ آبائِهِم وأجدَادِهِم، {فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ * أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ}.

    نَسألُ اللهَ تعالى أنْ يُعلِيَ دِينَهُ، باركَ اللهُ….

    الخطبة الثانية

    الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِمْ وَاقْتَفَى أَثَرَهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.… أَمَّا بَعْدُ:

    أيها المسلمونَ: إنَّ يومَ نجاةِ موسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ مِن فرعونَ, ليومِ فَرَحٍ عَظيمٍ، إنه يومُ عَاشوراءَ يومُ العاشرِ من المحرمِ، لذلكَ سُنَّ صِيامُهُ، روَى البخاريُّ ومسلمٌ أنَّ ابنَ عباسٍ رضي اللهُ عنهما سُئِلَعَن يومِ عاشوراءَ، فقالَ: مَا رأيتُ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صامَ يومًا يَتحَرَّى فضلَهُ على الأيامِ إلاَّ هذَا اليومَ، يعني عاشوراءَ، وكمَا في مسلمٍ قالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “وصومُ عاشوراءَ يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ”.

    ومِنْ حِرصِ السلفِ عليهِ أنَّهُم كانوا يَصُومُونَهُ حتى في أسفَارِهِمْ، كمَا ذُكِرَ ذلكَ عنِ ابنِ عباسٍ والزُّهْرِيِّ وغيرِهِم، بَل ثبتَ في البخاريِّ أنَّ الصحابةَ كَانوا يُصَوِّمُونُ صِبيَانَهُم تَعوِيدًا لَهم على الفَضْلِ، ويُلْهُونَهُمْ باللَّعِبِ حتى الإفطارِ.

    وأعلَى المراتبِ في صيامِهِ أن يُصامَ عَاشوراءَ مَع التاسعِ والحادي عشرَ، ثم يَليهَا صومُ التاسعِ والعاشرِ، ثم يَليها صومُهُ وَحْدَهُ، وإن ضَعُفْتَ فلا تُغْلَبَنَّ على اليومِ العاشرِ؛ فالذنوبُ كثيرةٌ، والعملُ قليلٌ، والوقوفُ بينَ يَدَيِ اللهِ قَريبٌ.

    ولا يُسْتَحَبُّ فِعلُ شيءٍ فيهِ غيرِ الصيامِ؛ لأنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُرْشِدْنَا إلى فِعلِ شيءٍ غيرِ الصيامِ .

    وأمَّا ما تَفْعَلُهُ بعضُ الفرقِ الضالةِ مِن اللطمِ والضربِ والبكاءِ والعويلِ بَل والشِّركِيَّاتِ ودعاءِ غيرِ اللهِ فلاشَكَّ أنَّه ضَلالٌ وانحرافٌ عَنِ المنهجِ السَّوِيِّ.

    اللهمَّ ارْزقْنا الاتباعَ وجَنِّبْنَا الابتداعَ….

    صلوا

جميع الحقوق محفوظة لموقع خطباء © 2019