• 30 أغسطس، 2018 الساعة 5:02 م
    قاسم الهاشمي
    طلب النجاح في العام الدراسي

    طلب النجاح (جمع وترتيب)

    الحمد لله غمرنا بره وإحسانه، وتتابع فضله وإنعامه، خلقنا ورزقنا، وآوانا وهدانا، ومن كل خير أعطانا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ما ترك أمرًا نحتاجه إلا بينه، ولا أمرًا يحذر منه إلا حذّر، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.

    أَمَّا بَعدُ، فَـ(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم وَالَّذِينَ مِن قَبلِكُم لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللهَ يَجعَلْ لَكُم فُرقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُم سَيِّئَاتِكُم وَيَغفِرْ لَكُم وَاللهُ ذُو الفَضلِ العَظِيمِ).

     

    أَيُّهَا المُسلِمُونَ، تدور الأيام دورتها، وتعود الحياة إلى طبيعتها، ويتكرر المنظر الجميل الدال على الجد والنشاط، وينطلق أبناءُ الأمة وبناتُها إلى دور التربية والتعليم لينهلوا مِن مَعينها، إنه منظر يسر الناظر لمجدِ أمته، المتطلع لعز دينه ووطنه، وهل أمةٌ سادت بغير التعلم؟! وأعلى من ذلك وأجلّ قول المعلم والمربي الأول -صلوات ربي وسلامه عليه-: “مَن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة”. رواه مسلم.

    ها نحن نعود، والعَوْدُ أحمَدُ، لنستقبل عامًا دراسيًا جديدًا، نسأل الله بمَنِّهِ وكرمه أن يجعله عام خير وبركة وسؤدد.

    كَم مِن أَموَالٍ أُنفِقَت وَجُهُودٍ بُذِلَت، وَعُقُولٍ فَكَّرَت وَخَطَّطَت، وَقُلُوبٍ يَعتَصِرُهَا الهَمُّ عَلَى مَا تَستَقبِلُ، وَإِنَّمَا غَايَةُ الجَمِيعِ وَهَدَفُهُم وَأَسمَى أَمَانِيِّهِم، أَن يَحصُلَ لَهُمُ النَّجَاحُ وَيُحَقِّقُوهُ وَيَستَطعِمُوهُ.

     نَعَم، إِنَّ النَّجَاحَ في نِهَايَةِ كُلِّ عَامٍ هُوَ الهَدَفُ وَالغَايَةُ، بَل إِنَّ النَّجَاحَ في الحَيَاةِ بِعَامَّةٍ، هُوَ الغَايَةُ العُظمَى وَالمَطلَبُ الأَسمَى، الَّذِي تَفرَحُ النُّفُوسُ بِنَيلِهِ وَتُسَرُّ لِتَحصِيلِهِ، وَتَأسَى إِنْ هِيَ لم تَصِلْ إِلَيهِ أَو أَخفَقَت دُونَ بُلُوغِهِ.

     أيها المباركون: 

    لا يُوصَلُ إِلى النَّجَاحِ وَتُدرَكُ قِمَّتُهُ، إِلاَّ بِسُلُوكِ طَرِيقٍ فِيهِ شَيءٌ مِنَ المَشَقَّةِ وَقَدرٌ مِنَ العَنَتِ، وَلا يُستَطعَمُ طَعمُهُ وَتُذَاقُ حَلاوَتُهُ، إِلاَّ بِتَجَرُّعِ مَرَارَةِ التَّعَلُّمِ وَاحتِمَالِ شِدَّتِهِ، وَمَن لم يَسقِ الغَرسَ وَيَتَعَاهَدِ الزَّرعَ، نَدِمَ يَومَ الحَصَادِ وَلم يَذُقْ حُلوَ الثَّمَرِ.

    ومن ذلك أيها السادة ترون أن التبعة الملقاة على عاتق أولياء الأمور والمربين عظيمة؛ إذ إن بيدهم تشكيل نفسية الأمة، ورسم حياتها المستقبلة، بإذن الله وتوفيقه.

    ولا شك بأن غاية التربية الإسلامية: تعبيد الخلق للخالق، وغرس حب الرب عز وجل ورسوله ﷺ في نفوس الناشئة، وحب دينهم العظيم والتمسك بآدابه والغيرة عليه.

    فغاية التربية الإسلامية تحبيب الإسلام إلى النفوس والعمل به، وتهيئة السبيل للنجاح في الحياة، والدفاع عن المصلحة الدينية والدنيوية، وتنمية الشعور بالغيرة على الدين وأهله ووطنه.

     

    أيها الإخوة.. وأول ما يرى الطفل من الوجود منزله وذويه، فترتسم في ذهنه أول صور الحياة مما يراه من حالهم، وطرق معيشتهم، فتتشكل نفسه القابلة لكل شيء، المنفعلة بكل أثر بشكل هذه البيئة.

    يقول رسول الله ﷺ: “كل مولودٍ يُولد عليه الفطرة، وإنما أبواه يهوّدانه أو يمجسّانه أو ينصّرانه”، وإلى هذا أشار أبو العلاء في قوله:

    وينشأ ناشئ الفتيان منا *** على ما كان عوّده أبوهوما دان الفتى بحجى ولكن *** يعودّه التدين أقربوه

    وإذا كان للمنزل كل هذا الأثر في حياة الطفل وجب -تحقيقًا للغاية السالفة الذكر- أن يُحاط بكل ما يغرس في نفسه روح الدين والفضيلة، والأم تأتي أولاً، فهي المحضن التربوي الأول لطفلها الذي يتشكل في حُضنها بما تقول وبما تصنع.

    أيها المباركون: في حياتنا نسمعُ كلمة النجاح، نفرحُ حينما نرى ناجحاً، نحث صغارنا على النجاح، المجتمع من حولنا ينافس على النجاح.

    لله در أولئك الناجحين! الناجحون أقوامٌ بقي ذكرهم بعد رحيلهم، كانت حياتهم مليئةً بالإنجازات والثمرات الكبيرة؛ فانظر لحياة المرسلين وكيف حققوا النجاح في الدعوة والإصلاح.

    وانظر لسيدهم وخاتمهم رسول الهدى ﷺ،كيف نجح في صغره، مع أنه نشأ يتيماً، ثم واصل حياته، وكان أميناً في مجتمعه.

    ثم انظر لتاريخه الدعوي، كيف نجح في التأثير في حياة الكثيرين؟ والآن يتبع منهجه المليارات من البشر، إنه النجاح في أعلى صوره.

    ثم طالع سير الخلفاء الأربعة لترى العجب في نصرة الدين، ونفع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.

    ولا تزال كتب التاريخ تضع بين سطورها أجمل القصص للعلماء والعُّباد والصالحين الذين كانت حياتهم متميزةً بالهمة العالية، فكانت حياتهم نوراً مضيئاً في زمانهم وبعد زمانهم.

    وفي زماننا نجد صوراً متميزة للنجاح في التقدم الصناعي والعسكري والتعليمي والصحي والتقني وغيرها من صورٍ للتنافس الكبير.

     

     معاشر المسلمين: لم لا نكون في صف الناجحين؟ هل نكتفي فقط بذكر سيرهم وقصصهم؟ ألسنا قادرين على أن نكون نحن قصةً في كتاب الناجحين؟.

     

    هل نحن عاجزون عن صناعة شيء جديد في حياتنا لبلادنا، لمجتمعاتنا، لديننا، لدنيانا؟ نحن -والله!- قادرون على رسم لوحة النجاح، ولكننا بحاجة إلى أدوات الرسم.

     

    يا عاشق النجاح: كن مبادراً لأعمالك، لطموحاتك، وفي كتاب ربنا: (سَارِعُوا)، (وَسَابِقُوا)، ونبينا يقول: “بادروا”.

    أخي: اجعل المبادرة صفةً لازمةً لك، دع الكسل جانباً، ولا تكن من أصحاب التسويف والتردد.

    وإذا كانت النفوس كباراً *** تعبت في مرادها الأجسام

     

    يا طالب النجاح: الزم مَن لديه الطموحات الكبيرة، انتقِ صديقك وجليسك، ونبينا ﷺ يرشدنا ويقول: “المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل” حسنه الألباني.

    أنت على همة خليلك، وعلى سمت خليلك وأدبه وطموحاته.

     

    الناجح يقرأ في سير الناجحين، ويتأمل في أخبار المتميزين، يحاول اللحاق بهم، والسير على نهجهم، نعم؛ ( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ).

     

    الناجح لا يرضى بأبسط الأمور، ولا يتعلق بهدفٍ يسير، همومه تدور حول التميز والتقدم، يبحث عن كمالات الأمور ومعاليها، ويكره سفاسف الأمور، يتعلق بالثريا ويأنف من الثرى، يريد الوصول للجبل، ولو كلفه ذلك الكثير، يسير بروح عالية، وقلبٍ كبير، ونفس تواقة.

     الناجح تمتلئ ساعاتُه بالعمل الدؤوب المثمر المتميز، قد يعيش قليلاً؛ ولكنه يصنع الكثير.

    هذا سعدُ بن معاذ t يعيش ست سنوات في الإسلام، ولكنها كانت عامرة بخدمة الدين، فلما مات اهتز لموته عرش الرحمن. يا الله! ما هذا الحدث الهائل الذي يهتز له عرش الرحمن؟!.

    أيها الناجحون: الناجح قد يخطئ في طريق النجاح، وقد تتعثر قدمه في أثناء المسير، ولكنه يقوم مباشرة، وينهض مسرعاً، يستفيد من خطئه، ويعرف السبب في السقوط.

    أيها الكرام: الناجحون يعرفون قيمة الوقت، ويستثمرون كل لحظة من حياتهم في إحداث الجديد لهم ولأمتهم.

    إن الزمن الذي ذهب من عمرك كثير، ولعلك لا تدرك الزمن القادم، فأدرك ساعتك التي أنت فيها؛ رتب وقتك، اجعل الأولويات في مقدمة أوقاتك، الأهم فالمهم، لا تسمح للأجهزة الذكية ومواقع التواصل وأصدقاء الفوضى أن يسرقوا وقتك.

    عباد الله: إن انتهاز الفرص من صفات الناجحين، وقديماً قيل: هناك من يشاهد الفرصة، وهناك من ينتهزها. تأكد أن الفرص كثيرة ومتنوعة؛ في دينك فرص، في علاقاتك مع الآخرين تأتي فرص، في تطويرك لنفسك ستمر عليك بعض الفرص، في عالم الوظائف فرص. هناك فرص مالية، وفرص أسرية؛ كن ذكياً في كيفية الاستفادة من الفرص لتكون من الناجحين.

     

    معاشر الناجحين: إن رواد النجاح يملكون مهارة في اتخاذ القرارات، يوقنون بأن اتخاذ القرار يؤثر كثيراً على مستقبل حياتهم، يدرسون القرار بكل تفاصيله، يستشيرون، يتأنون، ثم يتوكلون على الله في تنفيذ القرارات.

    عباد الله: من أراد النجاح فليتعلق بالله، ويلح في الدعاء بين يديه: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ).

    هذا وأستغفر الله لي ولكم …

     

    الخطبة الثانية

    الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله.. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً مزيداً. أما بعد.

    يا أيها الشاب: إياك أن تعيش بروح منهزمة، ونفس هزيلة، وهمة هامدة ..

    غيِّر من أسلوب حياتك، بادرْ لتنمية مواهبك، ابتكر شيئًا جديدًا، لا تكن تقليديًّا في نمطية تفكيرك، ولا سلبيًّا في رؤيتك، ولا سطحيًّا في اهتماماتك، ولا محدودًا في تطلعاتك، فالنجاح ليس يحده حد، والإنجاز ليس له عد.

    حذارِ من تقليد الآخرين فيما لا تُحسن! إياك أن تكون شخصية مُعلَّبة، أو ذا طريقة مُقولبة! نسخ ومسخ، وقص ولصق! كلا .. فدورك أكبر مما تظن، ومسئوليتك أعمق مما تتوقع، فخانتك لا يسدها إلا أنت، وزاويتك لا يملأها سواك!

     

    أيها المؤمنون: أيها الآباء والمربون: أيها الشباب الناضج:

    إن من أبرز العوائق في طريق النجاح في تحقيق الطموحات ضعف العزيمة والإصرار، كيف لا ؟ وبعض أبناءنا وشبابنا منذ نشأته وعبارات التخويف تطرق أذنيه، وكلمات التحذير من خوض تجربة جديدة لا تنفك عن مسمعيه ..

    يعيش أحدهم مُترددًا، مُتأخرًا، مُتقهقرًا، خطوة إلى الأمام، وأضعافها إلى الوراء!

    صارت حياته تقليدية لا رُوح فيها، ولا جديد يُنعشها، حياة مكرورة، وتفاصيل مُمِلة.

     

    يا من رُمْتَ النجاح: لا تلتفت وراءك! فخلف كل ناجح أشباح موكلة بتخذيله، والحد من عزيمته، والسعي في قطع سيره، واعتصم بربك والتجأ إليه، واستعن به وتوكل عليه، (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا).وتذكر وصية الحبيب المصطفىﷺلعليtحيث قال:قال لي رسول الله ﷺ”قل: اللَّهمَّ اهدني وسددني، واذكر بالهداية هداية الطريق، وبالسداد سداد السهم” أخرجه مسلم.

    روي عن بعض السلف أنه قال: “من كان يومه مثل أمسه فهو مغبون، ومن كان يومه دون أمسه فهو محروم، ومن لم يتفقد الزيادة في عمله فهو في نقصان”.

    هذا ما أردنا إيراده في هذه الخطبة وإنما هي إشارات ودلالات في طريق النجاح، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والسداد والغنى، اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها يا حي يا قيوم.

    هذا وصلوا وسلموا رحمكم الله على نبيكم فإنه من صلى عليه مرة واحدة صلى الله عليه بها عشراً، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، اللهم ارض عن خلفائه الراشدين وعن زوجاته أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

    عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه ونعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

جميع الحقوق محفوظة لموقع خطباء © 2019