• 21 أغسطس، 2018 الساعة 12:40 ص
    عبد الرحيم المثيلي
    خطبة عيد الأضحى 1439

    الخطبة الأولى

    أما بعـــد:   فاتقوا الله حق التقوى . وراقبوه مراقبة من يعلم أنه يسمع ويرى , والتمسوا من الأعمال ما يحب ويرضى … وتأهبوا للعرض الأكبر يومئذ تعرضون حفاة عراة غرلا …

    اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكبَرُ، اللهُ َأكبَرُ، وَللهِ الحَمدُ

    عباد الله ، اشكروا الله تعالى على ما منَّ به عليكم من بلوغ يوم النحر الذي هو أعظم الأيام عند الله ، اشكروه على نعمه واتقوه , وانظروا ماذا أمر به ربكم فأطيعوه وما نهى عنه فاجتنبوه ..

    عباد الله: إن الله شرع الشرائع وافترض الفرائض لتحقيق أمرٍ عظيم , أمر به عباده في كتابه وعلى لسان رسوله محمد e ,

    أمر به الناس جميعاً فقال : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } .

    وأمر به المؤمنين فقال : {قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ }الزمر10

    وأمر به المرسلين فقال : {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ }المؤمنون51 وقال : { َلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ } .

    وأمر به سيد الأنبياء والمرسلين فقال : {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً }

    فما من أحد من البشر إلا وهو مأمور بهذا الأمر العظيم ألا وهو التقوى ! فما هي التقوى ؟ وما أهميتها ؟ وما فائدتها وثمارها ؟.

    عباد الله , التقوى : هي أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية بفعل ما أمر واجتناب ما نهى عنه وزجر . فتطيع الله فيما أمرك به , وتجتنب ما نهاك الله عنه .

    أما أهمية التقوى فإنها مطلب نفيس وغاية عظيمة  ,

    شرع الله الصوم لتحقيقها  قال سبحانه : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }البقرة183

    وجعل الزكاة سبيلاً إليها فقال جل وعلا لنبيه e : {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }التوبة103

    وأمر الحجاج بالتزود منها فقال : {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ }

    وقال في شأن الهدي والأضاحي : {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ }

    أرأيتم – عباد الله – كيف هو شأن التقوى ومنزلتها .!!!

    اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكبَرُ، اللهُ َأكبَرُ، وَللهِ الحَمدُ

    عباد الله : التقوى سبب الهداية والفلاح في الدنيا والآخرة : { ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ{2} الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ{3} والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ{4} أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } .

    التقوى سبب من أسباب زيادة العلم : { وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } .

    التقوى بها تنال محبة الله : {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ }.

    التقوى سبب للحماية من العدو : { وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ }آل عمران120

    التقوى سبب لقبول الأعمال : { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ } .

    التقوى علامة على الإيمان في القلوب : { اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }

    التقوى تجلب الرحمة من الله : {وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } وقال سبحانه : { َرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ } .

    المتقون لا خوف عليهم ولا هم يحزنون : { فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } .

    التقوى سبب لنزول البركات من السماء وإخراجها من الأرض : {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }الأعراف96

    التقوى سبب لليقظة عند نزغات الشيطان : {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ }الأعراف201

    التقوى سبب للبصيرة والفرقان بين الحق والباطل : {يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ }الأنفال29

    بالتقوى تنال ولاية الله , فمن كان لله تقي كان لله ولي : {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ @ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } .

    التقوى سبب لصلاح الأعمال ومغفرة الذنوب : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً @ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً }الأحزاب71

    التقوى سبب للفوز والنجاة من كل سوء : {وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } ,

    التقوى سبب للنجاة من عذاب الدنيا : {وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ }فصلت18

    التقوى سبب للكرامة عند الله : { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }

    التقوى سبب للخروج من المضائق وسعة الرزق : { وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً @ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ }

    التقوى سبب لتيسير الأمور : { وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً } .

    بالتقوى يطمئن المسلم على ذريته من بعده ولا سيما ضعفاؤهم { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا } .

    اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكبَرُ، اللهُ َأكبَرُ، وَللهِ الحَمدُ

    هذه التقوى – عباد الله – وهذه فضائلها وآثارها وفوائدها  , فكونوا من المتقين اسألوا الله أن يجعلك منهم فقد كان من دعاء نبيكم e : ((اللهم إني أسلك الهدى والتقى والعفاف والغنى)) .

    احفظوا وصيته e لحبيبه معاذ بن جبل واعملوا بها : ((اتق الله حيثما كنت .. اتق الله وأنت في بيتك … اتق الله وأنت في عملك … اتق الله وأنت في سفرك وفي وطنك … اتق الله في سرك وعلانيتك .. اتق الله أمام الناس وفي خلوتك .. حيثما كنت … اتق الله  .. وأتبع السيئة الحسنة تمحها , وخالق الناس بخلق حسن )) .

    اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكبَرُ، اللهُ َأكبَرُ، وَللهِ الحَمدُ

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } .

    الخطبة الثانية

    الحمد للهِ المعزِّ مَن أطاعه واتَّقاه، والمذِلِّ لمن خالَف أمره وعصاه، وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له لا إلهَ سواه، وأشهد أنَّ نبيَّنا وسيِّدنا محمّدًا عبدُه ورسوله اصطفاه ربه واجتباه، اللّهمّ صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمّد، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    عِبَادَ اللهِ، اِحمَدُوا اللهَ الَّذِي هَدَاكُم، وضَحُّوا تَقَبَّلَ اللهُ ضَحَايَاكُم، وَسَمُّوا اللهَ وَاذكُرُوهُ عَلَى مَا رَزَقَكُم وَاشكُرُوهُ عَلَى مَا آتَاكُم، مَن كَانَ مُحسِنًا لِلذَّبحِ فَلْيَذبَحْ بِنَفسِهِ، وَمَن كَان لا يُحسِنُ فَلْيَحضُرْ ذَبِيحَتَهُ، أَخلِصُوا للهِ وَابتَغُوا مَا عِندَهُ وَاتَّقُوهُ، { لَن يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقوَى مِنكُم}. كُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَأَهدُوا وَادَّخِرُوا، وَاجتَنِبُوا مَا نُهِيتُم عَنهُ بِقَولِ إِمَامِكُم عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: ((أَربَعٌ لا يُجزِينَ في الأَضَاحِي: العَورَاءُ البَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالمَرِيضَةُ البَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالعَرجَاءُ البَيِّنُ ظَلْعُهَا، وَالعَجفَاءُ الَّتي لا تُنقِي)). وَاعلَمُوا أَنَّهُ لا يُجزِئُ مِنَ الإِبِلِ إِلاَّ مَا تَمَّ لَهُ خَمسُ سِنِينَ، وَلا مِنَ البَقَرِ إِلاَّ مَا تَمَّ لَهُ سَنَتَانِ، وَلا مِنَ المَعزِ إِلاَّ مَا تَمَّ لَهُ سَنَةٌ، وَلا مِنَ الضَّأنِ إِلاَّ مَا تَمَّ لَهُ سِتَّةُ أَشهُرٍ، وَالشَّاةُ الوَاحِدَةُ تُجزِئُ عَنِ الرَّجُلِ وَأَهلِ بَيتِهِ، وَلا يُبَاعُ مِنهَا شَيءٌ وَلا يُعطَى الجَزَّار أُجرَتَهُ مِنهَا، وَمَا كَانَ مِنَ الذَّبَائِحِ أَسمَنَ وَأَغلَى فَهُوَ أَفضَلُ وَأَكمَلُ، وَوَقتُ الذَّبحِ مُمتَدٌّ مِن بَعدِ صَلاةِ العِيدِ إِلى غُرُوبِ شَمسِ اليَومِ الثَّالِثِ مِن أَيَّامِ التَّشرِيقِ، وَيَحرُمُ صِيَامُ أَيَّامِ التَّشرِيقِ. فَكُلُوا فِيهَا وَاشرَبُوا وَأَكثِرُوا مِن ذِكرِ اللهِ بِالتَّكبِيرِ وَالتَّهلِيلِ وَالتَّحمِيدِ، في أَدبَارِ الصَّلوَاتِ وَفي جَمِيعِ الأَوقَاتِ.

    ألا فاتقوا الله رحمكم الله، واهنَؤوا بعيدكم، والزموا الصلاحَ وأصلحوا، فالعيد يومُ فرَح وسرورٍ لمن قبِل الله منه أعماله وصحّت لله نيته، ويومُ ابتهاجٍ وتهانٍ لمن حسُن خُلُقه وطابَت سَرِيرتُه، يومُ عفوٍ وإحسان لمن عفَا عمّن هفا وأحسَن لمن أسَاء، يومُ عيدٍ لمن شَغَله عيبُه عن عيوبِ النّاس. والزَموا حدودَ ربِّكم، وصوموا عن المحارِمِ كلَّ دَهركم، تكُن لكم أعيادٌ في الأرض وأعيادٌ في السماء.

     

     

     

     

جميع الحقوق محفوظة لموقع خطباء © 2019