• 16 أغسطس، 2018 الساعة 4:42 م
    الدكتور علي بن صالح المسعود
    عرفة والأضحية

    الخطبة الأولى

    عباد الله : إن من نعمة الله على عباده أن فاضل بين الأزمان والأماكن والأوقات ، فاصطفى منها ما شاء بحكمته ،ورتب عليها عظيم الثواب ليغتنمها العبد في زيادة الحسنات واستدراك ما فات من الطاعات،ولتكون عوناً للعبد على تجديد النشاط والقرب من الله تعالى ، والفائز عباد الله من اغتنم هذه الأيام ، واستغل مرورها قبل أن يفاجئه الموت ،خاصة إنكم تعيشون أياما فاضلة هي من أفضل الأيام عند الله، بنص الحديث الصحيح فالعمل فيهن ليس كالعمل في غيرها، يقول r: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر) ، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟! قال: (ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء)،ويقول r:(ما من أيام أعظم عند الله سبحانه ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر،فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد) إنها الأيام التي فيها يوم عرفة، اليوم التاسع من ذي الحجة، وفي ختامها يكون يوم عيد الأضحى، يوم النحر وأول أيام العيد. أما يوم عرفة وما أدراك ما يوم عرفة فيكفيه شرفا أن الله أقسم به في كتابه،ولا يقسم المولى إلا بعظيم فقال سبحانه  )وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ([البروج: 3 ] قال أبو هريرة رضي الله عنه ،قال النبي r ( اليوم الموعود يوم القيامة،واليوم المشهود يوم عرفة،والشاهد يوم الجمعة .. ) .  أيها المسلمون : إن إدراك هذه الأيام الفاضلة نعمة عظيمة من نعم الله تعالى على العبد ، فيجب علينا استشعار هذه النعمة ، واغتنام الفرصة ، فنخصها بمزيد عناية ونجاهد أنفسنا على الطاعة ، وقد كان هذا حال السلف رحمهم الله تعالى ، روى الدارمي أن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى : كان إذا دخلت العشر اجتهد اجتهاداً حتى ما يقدر عليه وكان يقول:”لا تطفئوا سرجكم فيها” أخي أيها المسلم :وإن فاتك الصوم في هذه الأيام أو بعضها فاحرص ألا يفوتك صيام يوم عرفة 0فصيام يوم عرفة فيه من الفضل تكفير سنتين سنة قبله وسنة بعده فعن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله rسئل عن صوم يوم عرفة فقال : (يكفر السنة الماضية والباقية) ،وهذا إنما يستحب لغير الحاج . أما الحاج فلا يسن له الصيام يوم عرفة لأن النبي rنهى عن صوم يوم عرفة بعرفة . فتعرضوا يا عباد الله  لنفحات الله في هذا اليوم فلله في يوم عرفة عتقاء من النار.. فعن عائشة رضي الله عنها عن النبي rقال )ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا ً من النار من يوم عرفة ، وإنه ليدنوا ثم يباهي بهم الملائكة فيقول : ماذا أراد هؤلاء ؟ … ) وروى مسلم في صحيحه أن النبي rقال: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة ) 0فاحرص على صيام هذا اليوم واحرص على الابتهال إلى الله بالدعاء والذكر وتلاوة القرآن ويوم عرفة لا يتكرر في السنة إلا مرة واحده 0 عباد الله : بعد هذه الفضائل والمزايا التي اختصها الله بهذا اليوم، أليس مغبون من فرط في صيام هذا اليوم ، وقصر في اغتنام لحظاته بالعبادة والتقرب للمولى سبحانه ؟حري بنا أيها المسلمون الابتعاد عن كل ما يغضب الرحمن سبحانه ، وحفظ الجوارح في هذا اليوم قال ابن عباس رضي الله عنه قال النبي r: (إن هذا اليوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له ).أخرجه الإمام أحمد  0 عباد الله : من أعظم ما يغتنم فيه يوم عرفة بعد الصيام الإكثار من الدعاء وسؤال الله المغفرة والعتق من النار ، فإن النبي rقال : ( خير الدعاء دعاء يوم عرفة وخير ما قلت أنا والنبيون من قلبي : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) .. أخرجه الترمذي .” قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى : وفي الحديث دليل على أن دعاء يوم عرفة مجاب في الأغلب ، وأن أفضل الذكر لا إله إلا الله ” .فادعوا عباد الله  في يوم عرفة وأنتم موقنون بالإجابة ، واحذروا الاستعجال في الدعاء ، فإن الله قريب من عباده لا تخفى عليه خافية ، عفوه واسع ومغفرته عظيمة ، ورحمته وسعت كل شيء قال مطرِّف بن عبد الله بن الشخِّير أحد الصالحين من التابعين وهو واقف بعرفة: “اللهم لا تردَّ أهل الموقف من أجلي”، وقال بكر بن عبد الله المزني وهو واقف بعرفة: “ما أشرفه من موقف لولا أنَّني فيهم”، وقال عبد الله بن المبارك: جئت إلى سفيان الثوري عشية عرفة وهو جاث على ركبتيه وعيناه تذرفان، فقلت له: من أسوأ هذا الجمع حالاً؟ قال: الذي يظنُّ أنَّ الله لا يغفر له. فأحرص وفقك الله لكل خير على الدعاء في هذا اليوم لتشترك مع الواقفين في عرفات بالدعاء  .

    الخطبة الثانية

    أيها المسلمون: ويوم النحر يوم عظيم من أيام الله ويغفل عن ذلك اليوم وجلالة شأنه كثير من المسلمين مع أن بعض العلماء يراه أفضل أيام السنة على الإطلاق مستدلين بقوله r (إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القر)  ويوم القر هو الحادي عشر وهو يوم الإستقرار بمنى للحجاج 00فليحرص المسلم على إدراك فضل هذا اليوم ،وأن يغتسل ويتطيب ويذهب لصلاة العيد ولا يتهاون في أدائها فهي سنة مؤكدة عن المصطفى rومن العلماء المحققين من يراها واجبة كشيخ الإسلام ابن تيمية مستدلا بقوله تعالى : )فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ([الكوثر:2] وتشهد النساء صلاة العيد حتى الحيض والعواتق وتعتزل الحيض المصلى .. ومن السنة ألا تأكل شيئا قبل الذهاب لصلاة عيد الأضحى حتى تعود وتأكل من أضحيتك فقد كان rلا يطعم حتى يرجع من المصلى فيأكل من أضحيته فليكن لك فيه أسوة ،واحرص على التكبير في هذه الأيام وحتى عصر آخر أيام التشريق قال تعالى)وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ( [البقرة: 203] عباد الله  إن الأضحية أجرها عظيم وهي سنة أبينا إبراهيم ونبينا محمد عليهم الصلاة والسلام ومشروعيتها في كتاب الله وسنة نبيه rقال الله تعالى )إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ۝ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ۝ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ( وروى البخاري ومسلم رحمهما الله في صحيحهما أن النبي r (ضحى بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبر)وفي فضلها ورد حديث وإن ضعفه بعض أهل العلم قال عليه الصلاة والسلام (ما عمل آدمي من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم إنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض فطيبوا بها نفسا )0أيها المضحي : طب نفسا بأضحيتك واختر من الأضاحي أحسنها إن كنت قادرا على ذلك ولا تهدي إلى الله ما تستحي أن تهديه إلى نفسك وإليك وصية عروة بن الزبير لبنيه فقد روى مالك في الموطأ بسند صحيح إلى عروة يرحمه الله أنه كان يقول لبنيه “روى مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنه كان يقول لبنيه: يا بني، لا يهد أحدكم للّه تعالى من البدن شيئاً يستحي أن يهديه لكريمه، فإن اللّه أكرمُ الكرماء، وأحق من اختير له.” وكريم الرجل من يكرم عليه ويعز عليه0إخوة الإسلام: ومن فضل الله ورحمته ويسر الإسلام أن الأضحية الواحدة تجزئ عن الرجل وأهل بيته ويصل ثوابها للأموات والأحياء، إذا شملهم بها وإياكم والمباهاة بالأضاحي، أخرج مالك والترمذي عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: “ما كنا نضحي بالمدينة إلا بالشاة الواحدة، يذبحها الرجل عنه، وعن أهل بيته، ثم تباهى الناس بعد، فصارت مباهاة”قال الترمذي: حسن صحيح عباد الله :وتنبهوا لوقت الذبح وعليكم بسنة محمد rفي الصلاة ثم النحر،وهو القائل (إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا نصلي ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا ،ومن ذبح قبل فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء)رواه البخاري ومسلم أو أحدهما

جميع الحقوق محفوظة لموقع خطباء © 2019