• 9 أغسطس، 2018 الساعة 10:33 ص
    راشد بن عبد الرحمن البداح
    المكرمة الملكية بعد يومين (نصية+بي دي إف+وورد)

    28 ذو القعدة 1439هـ.    إن الحمد لله نحمده سراً وجهاراً، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، شهادةً تعلي للدين منارًا، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله. أعز به الإسلام شِرعةً ودارًا، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه المصطفين إيثاراً وآثارًا، والتابعين ومن تبعهم بإحسان يرجو تبوءًا في جنان الخلد وقرارًا. أما بعد: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ}.

    أيها المؤمنون: أبشروا، وأمِّلوا خيرًا، وانظروا إلى سابغ فضل الله علينا، بهذه المكرمة الملكية التي بعد يومين ستحُلّ، ولمشكلاتنا ستحل. إنها ليست إسقاطًا للديون، ولا زيادة في الرواتب؛ ولكنها زيادة في درجات الآخرة من الملك الكريم المنان: {انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا} أكبرُ درجات تكون فرصةً لبدء صفحة جديدة مع الله. فرصةً لكسب حسنات لا حصر لها تمحو ما سلف من الذنوب. فرصةً لكسب حسنات تعادل من أنفق كل ماله وحياته وروحه في قتال الأعداء..إنها فرصةٌ مدتها تسعة أيام ثم تنقضي، إنها الأيام التي قال عنها النَّبِيِّ r: مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ. قَالُوا: وَلَا الْجِهَادُ؟ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْء. رواه البخاري([1]).

    فانظروا كيف يتعجب الصحابة من عظيم منزلتها، حتى قرنوها بذروة سنام الإسلام “الجهاد في سبيل الله”، فرجحت عليه. ولذا قال الأوزاعي: بلغني أن العمل في اليوم من أيام العشر كقدر غزوة في سبيل الله، يصام نهارها ويحرس ليلها إلا أن يختص امرؤ بشهادة([2]).

    إنها عشر لا كالعشر، إنها عشر مباركات كثيرة الحسنات، عالية الدرجات، متنوعة الطاعات. وقد أقسم ربنا بها فقال: [وَلَيَالٍ عَشْرٍ ] ولا يقسم تعالى إلا بعظيم؛ فقد قرنها الله تعالى بأفضل الأوقات، والقرين بالمقارن يقتدي، فقد قرنها بالفجر، وبالشفع والوتر وبالليل.

    قال ابن تيمية -رحمه الله-:(أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر من رمضان، وليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة)([3]).

    (والسبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيره..)([4]).

    ومن فضائل هذه العشر: أن الله تعالى أكمل فيها الدين وأتم فيها النعمة، وبكمال الدين يكمل أهله، ويكمل عمله، ويكمل أجره.

    أيها المؤمنون: إن الله بفضله العظيم ورحمته الواسعة خفف عنا وعلم أن فينا ضعفاً، فشرع من العبادات ما يمحو به الخطايا، وبارك في بعض الأزمنة والأمكنة وضاعف فيها جزاء الطاعة أضعافاً كثيرة.

    قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: (والعجب أن الناس غافلون عن هذه العشر تجدهم في عشر رمضان يجتهدون في العمل، لكن في عشر ذي الحجة لا تكاد تجد أحداً)([5]).

    فلننطلق في هذه العشر؛ لإقامة مشاريع للتجارة مع الله، لترفعنا عند ربنا درجات.

    فطوبى لمن استقبلها بالتوبة والإنابة، ثم تتبع خصال الخير وأبوابه، وضرب في كل واحدة منها بسهم وافر، فابتدأ بالصلاة فحافظ عليها، بل بكَّر إليها، وهنيئاً لمن أزمع صوم كلِّ أو جُلِّ العشروطوبى له، وحسبه أن رسول الله r قال: من صام يوماً في سبيل الله باعد الله عن وجهه النار سبعين خريفاً([6]).

    ويا لسعادة من حضر وليمة أعدها الله تعالى لكل صلاة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نُزُلا في الجنة كلما غدا أو راح([7]). والنُزُل هو الوليمة التي تُعَدُّ للضيف. فمشروع الوليمة: أن تخرج من بيتك مع الأذان بعد أن تتوضأ في بيتك، ثم تخرج إلى المسجد وتردد الأذان في المسجد، ثم تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء له بالوسيلة والفضيلة، ثم صلاة السنة القبلية ، ثم تجلس تدعو الله؛ لأن الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة. فبالله عليكم أليست وليمة لا كالولائم؟!. لكن من يضيعها وهو يستطيعها؛ ألا يكون محرومًا لا مرحومًا؟!

    وما أسعد من وفق لقراءة القرآن آناء الليل وأطراف النهار،  وأسعد منه من وفق لختمة كاملة في هذه العشر على الأقل. ولكي تختم القرآن فيها: فما عليك إلا أن تقرأ ثلاثة أجزاء يومياً. فهل تدري كم تعادل الثلاثة أجزاء من حسنة؟! إنها تعادل ثُلُثَ مليونِ حسنة!! فهيا انطلق: بثُلُثِ مليونِ حسنة في كل يوم من أيام السنة. وأما في هذه الأيام المباركة فيتضاعف حساب حسنات الختمات إلى ملايين الله أعلم بعدِّها.

     

    ______2_____فإليكم مشروعًا للتجارة الرابحة مع الله في هذه العشر المباركة:

    إنه الإكثار من ذكر الله بالتسبيح والتهليل والتحميد والتكبير.

    فأما التكبير فهو من أول شهر ذي الحجة إلى غروب شمس اليوم الثالث عشر من ذي الحجة. ويُجهر به في المساجد والمنازل والطرقات؛ إظهاراً للعبادة، وإعلاناً لتعظيم الله تعالى، وهو لا يتقيد بمكان ولا بزمان.

    فكبِّروا كما كان آباؤنا قبل عقود قليلة من الزمن قريبة يكبرون في كل المجامع، يُحيون السُّنَّة ويعظِّمون شعائر الله كما كان السلف كذلك، وخذوا هذا المثال العجيب:

    كَبَّرَ رَجُلٌ أَيَّامَ الْعَشْرِ، فَقَالَ مُجَاهِدٌ: «أَفَلَا رَفَعَ صَوْتَهُ، فَلَقَدْ أَدْرَكْتُهُمْ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُكَبِّرُ فِي الْمَسْجِدِ، فَيَرْتَجُّ بِهَا أَهْلُ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ يَخْرُجُ الصَّوْتُ إِلَى أَهْلِ الْوَادِي حَتَّى يَبْلُغَ الْأَبْطُحَ، فَيَرْتَجُّ بِهَا أَهْلُ الْأَبْطَحِ، وَإِنَّمَا أَصْلُهَا مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ» ([8]).

    • اللهم يا سامعا لكل شكوى ويا عالماً بكل نجوى يا سابغ النعم ويا دافع النقم
    • اللهم إنا نسألك إيماناً ثابتاً، ويقيناً صادقاً، حتى نعلم أنه لن يصيبنا إلا ما كتبت لنا.
    • الله أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
    • اللهم يا سامع دعوتنا ويا مقيل عثرتنا اكشف عنا وعن المسلمين كل شدة وضيق، وأعنا والمسلمين على ما نطيق واكفنا ما لا نطيق. احرسنا بعينك التي لا تنام، وبركنك الذي لا يرام.
    • اللهم لا نهلك وأنت رجاؤنا.
    • اللهم يا مجيب دعوة المضطر احفظ إيمان وأمن هذه البلاد، ووفق ولاة الأمر لما فيه صلاح الإسلام والعباد.
    • اللهم يسِّر على الحجاج مسيرهم ونسكهم، واكفهم شر المتربصين.
    • اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين.
    • اللهم يا ذا النعم التي لا تحصى عدداً نسألك أن تصلي وتسلم على محمد وعلى آل محمد وصحبه أبداً.

    ([1])صحيح البخاري (969)

    ([2])شعب الإيمان للبيهقي (5  / 309)

    ([3])بدائع الفوائد لابن القيم (4  /103)

    ([4])فتح الباري لابن حجر (3  /390)

    ([5])مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (21/ 37)

    ([6])صحيح البخاري (2840)

    ([7])أخرجه البخاري ( 662) ومسلم (669 )

    ([8])مصنف ابن أبي شيبة (13920)

جميع الحقوق محفوظة لموقع خطباء © 2019