• 8 أغسطس، 2018 الساعة 6:44 م
    عايد القزلان التميمي
    لذة العبادة وفضل عشر ذي الحجة

    الحمد لله ملأ بنور الإيمان قلوب أهل السعادة، فأقبلت على طاعة ربها منقادة، فحققوا حسن المعتقد وحسن العمل وحسن الرضا وحسن العبادة فتلذذوا بالعبادة وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تبلغ بصاحبها الحسنى وزيادة, وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله المخصوص بعموم الرسالة صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

    أما بعد فيا أيها المؤمنون أوصيكم ونفسي بتقوى الله فهي وصية الله تعالى للأولين والآخرين؛ قال تعالى ((  وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ))
    أيها المؤمنون : فإن من منح الله لعباده، منحةَ التَّلَذُّذ بالعبادة، وأعني بها ما يجده المسلم من راحة النفس وسعادة القلب، وانشراح الصدر عند القيام بعبادة من العبادات، وهذه اللذة تختلف من شخص لآخر حسب قوة الإيمان وضعفه.

     قال تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل: 97].

     وعلى المسلم أن يسعى جاهدًا إلى تحصيل لذة العبادة، فالنبي – صلى الله عليه وسلم – كان يقول لبلال رضي الله عنه: “قم يا بلال فأرحنا بالصلاة”  لما يجده فيها من اللذة والسعادة القلبية، وإطالته – صلى الله عليه وسلم – لصلاة الليل دليل على ما يجده في الصلاة من اللذة والسعادة بمناجاة ربه، وتصديق ذلك في كتاب الله، قال تعالى: ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة: 45].

     وبين النبي – صلى الله عليه وسلم – أن للطاعة حلاوة يجدها المؤمن , روى البخاري ومسلم من حديث أنس – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: (( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ ، وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ ؛ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ )) .

    فالمؤمن يتلذذ بطاعة الله ورسوله وبالصلاة وقيام الليل وقراءة القرءان وعند الإنفاق في سبيل الله وعند طلب العلم الشرعي .

     عباد الله وإن لتحصيل لذة العبادة أسبابًا منها:

    مجاهدة النفس على طاعة الله تعالى حتى تألفها وتعتادها، فالأمر يتطلب مصابرة وقوة تحمل، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ آل عمران: 200

     وقال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإنَّ اللَّهَ لَـمَعَ الْـمُحْسِنِينَالعنكبوت: 69

    عباد الله وقال ابن رجب: “واعلم أن نفسك بمنزلة دابتك، إن عَرفت منك الجِّد جَدَّت، وإن عرفت منك الكسل طمعت فيك وطلبت منك حظوظها وشهواتها“.

     قال الشاعر:

    لأسْتَسْهِلَنَّ الصَّعْبَ أوْ أبْلُغَ المُنى

                         فَما انقادَت الآمالُ إلا لصابرِ

    عباد الله ومن أراد لذة العبادة فعليه البعد عن الذنوب صغيرها وكبيرها، لأن المعاصي تمنع من الشعور بلذة العبادة لما تورثه من قسوة وغلظة وجفاء، قال سفيان الثوري: “حرمت قيام الليل بسب ذنب أذنبته

     وسئل أحد السلف الصالح وهيب ابن الورد فقيل له: “متى يفقد العبد لذة العبادة؟ إذا وقع في المعصية، أو إذا فرغ منها؟ قال: يفقد لذة العبادة إذا هم بالمعصية“.

     وقال أحد السلف: راحة القلب في قلة الآثام، وراحة البطن في قلة الطعام، وراحة اللسان في قلة الكلام.

     وقال ابن القيم رحمه الله” ولا تظن أن قوله تعالى ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [ مختص بيوم المعاد فقط، بل هؤلاء في نعيم في دورهم الثلاثة -يعني في الدنيا والقبر والآخرة- ، وهؤلاء في جحيم في دورهم الثلاثة .

     عباد الله وعلى المسلم أن يستحضر أن هذه العبادة التي يقوم بها من صلاة أو صيام أو حج أو صدقة إنما هي طاعة لله وابتغاء مرضاته، وأن هذه العبادة يحبها الله ويرضى عنه بها، وهي التي تقربه من ربه سبحانه.

     روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – قال قال النبي – صلى الله عليه وسلم ” إِنَّ اللَّهَ قَال (( مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ ((

    عباد الله وعلى المسلم   أن يستحضر أن هذه العبادات لا تضيع ولا تفنى كما تفنى كنوز الدنيا وأموالها ومناصبها ولذاتها بل يجدها العبد أحوج ما يكون إليها، بل إنه ليجد ثمراتها في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة مما هو أجل وأعظم  قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا [طه: 112]، وروى مسلم في صحيحه من حديث العباس بن عبدالمطلب – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: “ذاق طعم الإيمان من رضا بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا 

    بارك الله لي ولكم …..

    الخطبة الثانية

    لحمد لله سهّل لعبادِه طُرق العبادَة ويسّر، أحمده سبحانه وأشكره، شرع مواسم وهيأ مناسبات يرجع فيها العبد إلى ربّه ويغسل قلبه وجوارحه من دنس الذنوب ويتطهّر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه خير صحبٍ ومعشر، وسلم تسليمًا.

    أما بعد: فيا أيّها المسلمون :

    وأعظم فرصة للحصول على لذة العبادة ، وزيادة الإيمان، استغلال أفضل الأزمنة وأشرف الأوقات، ومنها الأيام العشر الأولى من ذي الحجة التي لم يبقى عليها إلا أياماً قليلة، وما يتبعها من أيام التشريق .

    فهي أيام عظيمة الحرمة لكونها في ذي الحجة، وهو من الأشهر الحرم، ولهذا حذّر الله -تعالى- عباده من تعدي الحدود فيها، فقال بعد بيان حرمتها: “فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ” .

    أيّام العشرِ من ذي الحجّة، هي أعظمُ الأيّام عند الله فضلاً وأكثرها أجرًا .

    ومن رحمة الله -تعالى- بعباده أنه لم يَحْرُم أحداً من فضل هذه الأيام، فلم يقصر ثوابها وأجرها على عبادة معينة واحدة، قد لا يستطيع القيام بها إلا بعض الناس، بل فضلها وثوابها شامل لكل بر وخير، ما دام مصحوباً بنية وإخلاص، من صلاة وقيام وصوم وحج وتضحية وذكر وصدقة ، ولا سيما التهليل والتكبير والتحميد، حتى تبسمك في وجه أخيك، وإماطة الأذى عن الطريق، والإصلاح بين المتخاصمين، والتفريج عن المكروبين، ومساعدة المحتاجين، قال -عليه الصلاة والسلام-: “الإيمان بضع وسبعون شعبة، أدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأعلاها قول: لا إله إلا الله، والحياء شعبة من الإيمان”.

    عباد الله :

    فمَن أراد أن يُضَحِّي عن نفسه أو أهلِ بيته ودخل شهرُ ذي الحِجّة فإنّه يحرُم عليه أن يأخذَ مِن شعره وأظفاره أو جِلده حتّى يذبحَ أضحيتَه، لِما روته أمّ سلمة عن النبيّ أنّه قال: ((إذا رأيتُم هلالَ ذي الحجة وأرادَ أحدكم أن يضحّيَ فلا يأخذ من شعرِه وأظفاره شيئًا حتى يضحّي)) رواه مسلم

    فالنهي المذكور بالحديث خاص بمن أراد أن يُضَحِّي فقط، أما المُضَحَّى عنه فسواء كان كبيرًا أو صغيرًا فلا مانع من أن يأخذ من شعره أو بشرته أو أظفاره

    ثمّ إنّ الله جلّ وعلا أمرنا بأمر عظيمٍ تزكو به حياتنا وتطيب به قلوبُنا، ألا وهو الصّلاة والسّلام على النبيّ المصطفى……

جميع الحقوق محفوظة لموقع خطباء © 2019