• 5 أغسطس، 2018 الساعة 5:11 م
    عبدالله التميمي
    تأخير الحج

                                                        تأخير الحج                            

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له ، ومن يُضلِل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا  أما بعد:

    (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم ومسلمون) , (يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)  .

    أيها المسلمون- ، هيا بنا لنرحلَ بقلوبنا ، ولنسرْ بأرواحنا في رحلةٍ كريمةٍ لم يشهدِ التاريخُ لها مثيلاً ، لنرحل إلى هناكَ إلى المدينةِ النبوية , حيثُ رسولُ الله –صلى الله عليه وسلم- وأصحابهُ الكرامُ يستعدونَ للرحلةِ المباركةِ إلى بيتِ اللهِ الحرام ، ما أعظَمَه ُمن ركب ! وما أكرَمَهُ من موكب ! فلهو واللهِ موكبُ الإيمان ، وحَملةُ الإحسان ، وركبُ البرِ والتقوى ، إمامُ ذلكَ الركبِ خيرُ البشر ، وأعضاؤه ُسادةُ الأمّة ، يَقدُمهم أبو بكرٍ ومن بعده عمر ، وبصحبتهم أمهاتُ المؤمنين – رضي الله عنهنَ وأرضاهن – ، ويتبعُ أولئكَ خلقٌ لا يُحصونَ كثرةً من صحابةِ النبيِ الكريمِ – صلى الله عليه وسلم – .


    ففي السنةِ العاشرةِ من الهجرة ، وإذ لم يبقَ من عمرهِ – صلى الله عليه وسلم- إلا القليل ، عزمَ النبيُ –صلى الله عليه وسلم- على الحج ، فعلمَ الناسُ بعزمه ، فاجتمعَ إلى المدينةِ النبويةِ خلقٌ كثيرٌ كلُهم يرجو صحبَته ليتشرفَ برؤيتهِ ومرافقتهِ واتباعِ سنته.
    فخرجَ النبيُ –صلى الله عليه وسلمَ- في أواخرِ ذِي القِعدة ، قال جابرُ –رضي اللهُ عنه-: “فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة ، ثم إنه –صلى الله عليه وسلمَ- صلى في المسجدِ ثم ركبَ ناقتهُ القصواءَ , حتى إذا استوت به على البيداءِ أهلّ بالتوحيد”. أخرجه مسلم في حديث طويل.


    ثم إن المسلمينَ أهلّوا معه فارتفعتِ الأصواتُ بالتلبية ، فلو رأيتَ حالهم لرأيتَ عجبًا ، فيا لشدةِ الشوقِ إليهم! ويا لعظيمِ الأسفِ على فواتِ صحبتهم ! فيا ربّ: عوّض عبادكَ الذين امتلأت قلوبهم شوقًا لصحبةِ نبيك الكريمِ برؤيتهِ ومرافقتهِ في جنات النعيم.
    وقد أخبرَ النبيُ – صلى الله عليه وسلم – أمته بأن الحجَ واجبٌ مرةً في العمر ، قال أبو هريرةَ – رضي الله عنه -: خطَبَنا رسولُ اللهِ – صلى الله عليه وسلم- فقال: “إن الله قد فرضَ عليكمُ الحجَ فحجوا” ، فقال رجل: أكلَّ عامٍ يا رسولَ الله؟! فسكتَ حتى قالها ثلاثًا ، فقالَ رسولُ الله –صلى الله عليه وسلم-: “لو قلتُ: نعم ، لوجبتْ ، ولما استطعتم”، ثم قال: “ذروني ما تركتكم ، فإنما هلكَ من كان قبلَكم بكثرةِ سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا أمرتكم بشيءٍ فأتوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيءٍ فدعوه”. أخرجه مسلم.

    ومع أن الحجَ واجبٌ إلا أن اللهَ – سبحانه وتعالى- بفضلهِ ومَنهِ وكرمهِ وهو ذو الجودِ والكرمِ والفضلِ والإحسان ، قد رتَّب على الحجِ من الثوابِ ما لا يُحصى ، بل إنه سبحانهُ لم يرضَ للحجاجِ بثوابٍ دونَ الجنة، وأيّ مطلوبٌ بعدَ الجنة ؟! ففي الصحيحينِ من حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: “العمرةُ إلى العمرة كفارةٌ لما بينهما ، والحجُ المبرورُ ليس له جزاءٌ إلا الجنة”.
    ثم بيَّن –صلى الله عليه وسلمَ- أن الحجَ من أعظمِ أسبابِ محوِ الذنوبِ وتكفيرِ الآثام  ، فشبَّه الحاجَ بعد حجهِ المبرور , بالوليدِ الصغيرِ الذي خرج للتوِّ من بطنِ أمه ، أترونَ أن عليه ذنبًا أو خطيئة ؟! لا والله ، وكذلك الحاجُ يرجعُ من حجهِ نقيًا من الذنوبِ والخطايا كيومِ ولدته أمه , كما في الحديثِ المتفقِ عليه: “من حجَ فلم يرفث ولم يفسق رجعَ كيومِ ولدته أمه”.


    وأخرجَ الإمامُ مسلمٌ عَنِ
    ابْنِ شِمَاسَةَ الْمَهْرِيِّ ، قَالَ : حَضَرْنَا عَمْرَوَ بْنَ الْعَاصِ وَهُوَ فِي سِيَاقَةِ الْمَوْتِ ، فَبَكَى طَوِيلًا وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْجِدَارِ ، فَجَعَلَ ابْنُهُ ، يَقُولُ : يَا أَبَتَاهُ ، أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَذَا ، أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَذَا ؟ قَالَ : فَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ ، فَقَالَ : إِنَّ أَفْضَلَ مَا نُعِدُّ ، شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، إِنِّي قَدْ كُنْتُ عَلَى أَطْبَاقٍ ثَلَاثٍ ، لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَمَا أَحَدٌ أَشَدَّ بُغْضًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنِّي ، وَلَا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ قَدِ اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ فَقَتَلْتُهُ ، فَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ ، لَكُنْتُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ، فَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الإِسْلَامَ فِي قَلْبِي ، أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقُلْتُ : ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلأُبَايِعْكَ ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ ، قَالَ : فَقَبَضْتُ يَدِي ، قَالَ : مَا لَكَ يَا عَمْرُو ؟ قَالَ : قُلْتُ : أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ ، قَالَ : تَشْتَرِطُ بِمَاذَا ؟ قُلْتُ : أَنْ يُغْفَرَ لِي ، قَالَ : أَمَا عَلِمْتَ ” أَنَّ الإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلِهَا ، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ”.

     فسبحانه ، ما أجزلَ معروفهُ وأعظمَ فضله ! يذهبُ الحجاجُ وهم بالذنوبِ مُثقلون ، ويرجعونَ من حجهم مُطَهَرينِ مغسولينِ مرحومين ، قد غفرَ اللهُ ذنوبهم ، وتجاوزَ عن سيئاتهم ، فكأنهم ما عصوا ربَهم قط ، وكأنهم ما تعدوا حدوده ، وكأنهم ما فرطوا في طاعته وفرائضه.
    أيها المسلمون: إنه لمن ِالمنتشرِ بين بعض الناس , أن للإنسانِ أن يؤخرَ الحجَ سنة ًأو سنتينِ أو سنين , ما دام عازمًا على أدائهِ في المستقبل ، فربما رأيتَ الرجلَ قد بلغَ العشرينَ والثلاثينَ ولم يؤدِّ فرضه ، بل ولربما بلغَ بعضُهم الأربعينَ وما بعدَ ذلك ، وإذا قيلَ له في ذلك تعلّلَ بأعذارٍ واهية ، وبأنهُ عازم ٌعلى الحجِ في المستقبل! وهذا -يا عبادَ الله- أمر ٌخطيرٌ  وبلاءٌ مستطير ، عمّ كثيرًا من الناس ، فآلافُ الشبابِ هم من أولئك المتساهلينَ بذلك ، نعوذُ باللهِ من هذا البلاء ؛ وهذا واللهِ عينُ الخطأ والحيدةِ عن الصواب ، فالحجُ واجبٌ على المسلمِ منذُ أن يكلّف ، فلا يجوزُ له تأخيرهُ بعد ذلك أبدًا ، وعلى الآباءِ أن يسعوا في تيسيرِ ذلك لأبنائهم وبناتهم ؛ فإنهم الرعاةُ المسؤولون،  أعوذ بالله من الشيطان الرجيم : (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) .

    بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعنا بما فيهما من آيات وحكمة أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم .

    الخطبةالثانية

    الحمد لله على إحسانه , والشكر له على توفيقه وامتنانه , وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيماً لشأنه , وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله وبعد :
    أيها المسلمون: إنهُ ومعَ علمِ الناسِ بوجوبِ الحجِ على الفور ، فإنّ طائفةً من أهلِ الكسلِ والتساهلِ لا يزالون في غيهم وضلالهم ، فتارةً يعتذرونَ بالأعمال والأشغال , وتارةً بالدراسةِ والزحام ، في أعذارٍ واهيةٍ حاكها الشيطانُ وألقاها إلى هؤلاء.
    فيامن تتعذرُ بهذه الأعذار , اتقِ اللهَ و أفق من رقدتك ، وحُجَ قبلَ أن تموت ، ما ظنكَ لو متَّ وأنتَ لم تحجَ فسألكَ الله: ألم أُنعم عليكَ بالمال؟! ألم أتفضل عليكَ بالصحة؟! ألم أُعطكَ المركبَ وأؤمنْ لك السبيل؟! فيا تُرى كيفَ تُجيب على هذه الأسئلةِ يومَ القيامة؟!
    نسأل الله الكريمَ ربَ العرشِ العظيم , أن يجعلنا من المرحومين ، وأن يقينا سبيل المحرومين ، وأن يعيننا على طاعته ، وأن يتقبل منا أجمعين.

    اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل حمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين

     اللهم  كن للمستضعفين من المؤمنين في كل مكان اجمع كلمتهم على الحق واحقن دماءهم واحفظ عليهم دينهم وأموالهم وأعراضهم .

    اللهم أصلح نياتنا وذرياتنا , اللهم نسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين ,

     اللهم اعصمنا وذرياتنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن , اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات ,

    اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا ، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .

     

جميع الحقوق محفوظة لموقع خطباء © 2019