• 2 أغسطس، 2018 الساعة 6:58 م
    د. محمد بن سعود
    يأتين من كل فج عميق

    إن الحمد لله، نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه ونُثنِي عليه الخيرَ كلَّه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فضَّل أزمنةً واجتبَى أمكنةً وأمصارًا، وخصَّها بمزيد الفضل اصطفاءً وإيثارًا، وجعلها مناطَ الأجر والمثوبة رحمةً واستِبشارًا، وأشهد أن نبيَّنا وسيِّدنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه، فرَّق الله به بين الناس مُتقينَ وفُجَّارًا، فاللهم صلِّ عليه وعلى آله الساطِعين في سماء الدنيا أقمارًا، وصحابتِه الكرامِ الأبرار، والتابِعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ ما تعاقبَ الملَوان ليلاً ونهارًا، وسلَّم تسليمًا كثيرًا مدرارًا.أما بعد:-

     فاتقوا الله – عباد الله -، واعلموا أن تقواه – تبارك وتعالى- هي السراجُ الهادِي لمن كان مسؤولاً، والمِعراجُ السنِيُّ لمن رامَ من العَلياءِ وُصولاً.

    وأهلُ التُّقَى في عزٍّ ومفخرةٍ *** من جدَّ في السيرِ يُدرِكْ ما تمنَّاه

    فحيِّي الخِصالَ مع التقوى إذا اجتمعَت*** ذاكَ الجمالُ الذي قد سرَّ مَرآه

    أيها المسلمون: في هذه الأيام المُبارَكة تشرئِبُّ الأعناق، وتنجذِبُ القلوبُ من جميع الآفاق؛ حيث قوافِلُ حُجَّاج بيت الله الحرام، ومواكِبُ الحَجيج تؤُمُّ البُقعة الشريفة مكَّةَ المكرَّمة، مهدَ الدين والإسلام، ومبعَثَ الأنبياء والمُرسَلينَ الكِرام، اصطفَاها الرحمن، وتنزَّل في جنَبَاتها القرآن، وفيها وُلد ونشَأَ وبُعِثَ سيِّدُ الأنام، عليه أفضلُ الصلاة وأزكَى السلام.

    إذا عاينَتْهُ العينُ زالَ ظلامُها *** وزالَ عن القلبِ الكئيبِ التألُّمُ

    فلا يعرِفُ الطرفُ المُعايِنُ حُسنَه *** إلى أن يعودَ الطرفُ والشوقُ أعظمُ

    فمن أجل ذا كلُّ القلوب تُحبُّه *** وتصدَعُ إجلالاً له وتُعظِّمُ

    عباد الله: الحجُّ عبادةٌ من أعظم العبادات، وركن ركين من أركان الإسلام، قال -صلى الله عليه وسلم-: «من حجَّ لله فلم يرفُث ولم يفسُق رجعَ كيوم ولدَتْه أمُّه».

    ولقد جعل الله الكعبةَ المُعظَّمة قبلةً مُيمَّمةً للمُسلمين جميعًا أحياءً وأمواتًا، (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ)، وجعل بيته مصدر ثقافة المسلمين وإلهامِهم، كما جعله مثابة للناس وأمنًا، لا يَقضي منه زائره وطرا، ولا يودّعه إلا وهو يمنّي نفسه أن يثوب إليه ويرجع. وعدٌ صادق وخبر ليس بالأغاليط (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا) إنه قطب رحى المسلمين، ومنطلَق ثقافتهم، وعنوان هُويتهم.

    قال أبو طالب يذكر البيت:

    مثابًا لأفناءِ القبائلِ كلِّها *** تَخُبُّ إليه اليَعْمَلاتُ الذّواملُ

    رَوَى جَرِيرٌ عَنْ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ أَبِيهِ عن بن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ قِيلَ لَهُ: أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ قَالَ رَبِّ وَمَا يَبْلُغُ الصَّوْتُ قَالَ أَذِّنْ وَعَلَيَّ الْبَلَاغُ فَنَادَى إِبْرَاهِيمُ أَيُّهَا النَّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ قَالَ فَسَمِعَهُ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. أَفَلَا تَرَوْنَ النَّاسَ يجيؤون من أقطار الأرض يُلبون. رواه ابن أبي حاتم.

     (قَالَ الإمام الشَّافِعِيُّ رحمه الله في كتابه الأم) : سَمِعْت بَعْضَ مَنْ أَرْضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَذْكُرُ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمَّا أَمَرَ بِهَذَا إبْرَاهِيمَ – عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَقَفَ عَلَى الْمَقَامِ فَصَاحَ صَيْحَةً: عِبَادَ اللَّهِ أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ. فَاسْتَجَابَ لَهُ حَتَّى مَنْ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ، فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ بَعْدَ دَعْوَتِهِ فَهُوَ مِمَّنْ أَجَابَ دَعْوَتَهُ ووافاه مَنْ وَافَاهُ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ دَاعِي رَبِّنَا لَبَّيْكَ. وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا} [آل عمران: 97] الْآيَةَ، فَكَانَ ذَلِكَ دَلَالَةُ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِينَا وَفِي الْأُمَمِ، عَلَى أَنَّ النَّاسَ مَنْدُوبُونَ إلَى إتْيَانِ الْبَيْتِ بِإِحْرَامٍ).

    قال العلامة السرخسي في المبسوط: (فَمِنْهُمْ مَنْ أَجَابَ مَرَّةً، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَابَ مَرَّتَيْنِ، وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَعَلَى حَسَبِ جَوَابِهِمْ يَحُجُّونَ).

    أيها المؤمنون: لقد كان السلف خير من أجاب دعوة إبراهيم عليه السلام، فأكثروا من الحج وتوافدوا على البيت كثيرًا، فبعضهم حج أربعين حجة كسعيدِ بن المسيب، وكان ابن عباس على عبادته وتشميره في طاعة الله-عز وجل- يقول: “ما ندمت على شيء فاتني في شبابي إلا أني لم أحجَّ ماشياً”.

    ولقد حج الحسن بن علي -رضي الله عنه- خمساً وعشرين حجة ماشياً؛ وإن النجائب لتقاد معه، وأما طاوس بن كيسان فقد حج أيضاً أربعين حجة، وحج عطاءٌ أكثر من سبعين حجة.

    وكان ابن وهب قد قسم دهره أثلاثاً، فجعل ثلثاً في الرباط في سبيل الله -عز وجل-، في الجهاد، وجعل الثلث الآخر في تعليم الناس العلم، وجعل الثلث الثالث في الحج، وكان قد حج ستاً وثلاثين حجة.

    وأما مكي بن إبراهيم الحنظلي فقد حج خمسين حجة، وحج أيوب السختياني –رحمه الله- أربعين حجة، وحج سفيان بن عيينة ثمانين حجة، يقول: شهدت ثمانين موقفاً -يعني عرفة-.

    وهذا عيسى بن يونس غزا خمساً وأربعين غزوة، وحج خمساً وأربعين حجة، وهذا عُمارة بن زادان حج سبعاً وخمسين حجة، وحج أبو عمرو العدني سبعاً وسبعين حجة.

    وقد حج الشيخ ابن باز رحمه الله ثنتين وخمسين حجة، وهو رجل أعمى فقد الله روحه ونور ضريحه.

    قَالَ سَرِيٌّ السَّقطِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: “خَرَجْتُ إِلَى الحَجِّ مِنْ طَرِيقِ الْكُوفَةِ، فَلَقِيتُ جَارِيَةً حَبَشِيَّةً تَمَشِي، فَقُلْتُ: إِلَى أَيْنَ يَا جَارِيَةُ؟ قَالَتْ: إِلَى مَكَّةَ. فَقُلْتُ لَهَا: إِنَّ الطَّرِيقَ بِعِيْدٌ. فَقَالَتْ: بَعِيدٌ عَلَى الكَسْلَانِ أَوْ ذِي مَلالةٍ، وَأَمَّا عَلَى المُشْتَاقِ فَهُوَ قَرِيبُ”.

    أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ الله العظيمَ الجليلَ لي ولكم.

    الخطبة الثانية

    الحمد لله ذي الطَّول نعمًا وامتِنانًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أفاضَ علينا من جزيلِ آلائِه أمنًا وإيمانًا، وأسبغَ علينا من كريمِ ألطافِه منًّا وإحسانًا، وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه، أفضل الخليقة معدنا وإيمانًا. أما بعد:-

    قد سمعتم يا عباد الله عدد حجات السلف، فكم حجة حججتها أنت؟ والواحد منا إذا حج حجة أو حجتين تكاثر ذلك، وتكاثر مَن حوله ذلك منه، وربما يردد عبارات نسمعها لتثبيط أنفسنا وتثبيط غيرنا عن هذه العبادة.

    وهل تصدقون أيها الإخوة أن في هذه المحافظة وغيرها من بلغ الخمسين أو الأربعين أو الثلاثين ولم يحج بيت الله، وتراه في كل عام ضاربًا في أقاصي المعمورة يبحث عن الظل الوافر والماء الزلال، وربما أنفق الآلاف المؤلفة في سبيل سياحةٍ كذلك، وبعضهم يقترض لأجل ذلك.

    وإذا جاء موسم الحج وأيامُه المباركات اعتذروا بغلاء الحمَلات، وبالزحام، وبأن المدين لا يجب عليه الحج، وبأن المسلم لا يلزمه جمع المال ليحج. ونسي كثير منهم أنه يجمع المال ليسيح في الأرض، بل ويقترض لأجل ذلك، ناسيًا الدَّين والدائن. وكأنهم يريدون أن نفرغ لهم الحرم والمشاعر، وهم يرون الملايين يأتون من كل فج عميق، بعد معاناة في الانتظار وجمع المال.

    فلماذا هذا الصدود، إن الصحة لا تدوم، وإن الاستطاعة غير مضمونة دومًا، ثم أذكّر هؤلاء بقوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين). وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً فَلَمْ يَحُجَّ بَيْتَ اللَّهِ فَلَا يَضُرُّهُ مَاتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا” رواه الترمذي وابن جرير وفي إسناده نظر. وقال عمر رضي الله عنه: ” من أطاق الحج فلم يحج، فسواءٌ عليه مات يهوديًا أو نصرانيًا”. رواه البيهقي بإسناد صحيح.

    وقد رُوي عن سعيد بن جبير ونافع والحكم وإسحاق بن راهويه وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها بعض أصحابه وهو قول ابن حبيب من المالكية أن ترك الحج فهو كافر بالله العظيم.

    إن رِحْلَةَ الحَجِّ الآن لَا تَتَجَاوَزُ خَمْسَةَ أَيَّامٍ، يَتَوَضَّأُ الإِنْسَانُ مِنْ بَيْتِهِ فِي بَلَدِهِ. وَيُصَلِّي فِي الحَرَمِ بِذَلِكَ الوُضُوءِ، وَيَسْكُنُ فِي ومُخَيَّمَاتٍ فَاخِرَةٍ مُكَيَّفَةٍ، وَيُؤْتَى إِلَيْهِ بِأَشْهَى الأَطْبَاقِ وَالمَشْرُوبَاتِ طَوَالَ اليَوْمِ، وَيَتَنَقَّلُ بَيْنَ المَشَاعِرِ بِأَحْدَثِ الوَسَائِلِ، وَقَدْ وُسِّعَتِ الجَمَرَاتُ، وَزُوِّدَتِ الشَّوَارِعُ بِرَذَاذِ المَاءِ. فَلَا يُسَاوِي مَا يَبْذُلُهُ الحَاجُّ اليَوْمَ مِعشارَ مَا كَانَ يُعَانِيهُ السَّابِقُونَ فِي الحَجِّ.

    مَنْ نَالَ مِنْ عَرَفَاتَ نَظْرَةَ سَاعَةٍ *** نَالَ السُّرُورُ وَنَالَ كُلُّ مُرَادِ

    تَاللهِ مَا أَحَلَى المَبِيتَ عَلَى مِنًى *** فِي لَيْلِ عِيدٍ أَبْرَكِ الأَعْيَادِ

    فَإِذَا وَصَلْتُمْ سَالِمِينَ فَبَلِّغُوا *** مِنِّي السَّلَامَ أُهَيْلَ ذَاكَ الوَادِي

    هذا وصلُّوا وسلِّموا -رحمكم الله- على الهادي البشير، والسِّراج المُنير، كما أمرَكم بذلك اللطيفُ الخبير:

    يا ربِّ صلِّ عليه وسلِّم كلما لمَعَت*** كواكِبٌ في ظلامِ الليلِ والسَّحَرِ

    وآلهِ وجميعِ الصحبِ قاطِبةً *** الحائِزينَ بفضلٍ أحسنَ السِّيَرِ

جميع الحقوق محفوظة لموقع خطباء © 2019