• 27 يوليو، 2018 الساعة 12:15 ص
    عبدالعزيز محمد الخرمي
    الخُسُوفُ والكُسُوفُ حِكَمٌ وَأَحْكَامٌ 14-11-1439

    الخُسُوفُ والكُسُوفُ حِكَمٌ وَأَحْكَامٌ

    14 /11/ 1439ه
    الخُطْبَةُ الأُوْلَى
    الحًمْدُ لِلهِ المَلِكِ القَهَّارِ، العَزِيزِ الجَبَارِ، مُقَلِّبِ القُلُوبِ وَالأَبْصَارِ، وَسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ يَجْرِيَانِ بِحُسْبَانٍ وَمِقْدَارٍ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ شَهَادَةً تُبْرِئُ قَائِلَهَا مِنَ الشِّرْكِ بِصِحَّةِ الإِقْرَارِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ رَفَعَ اللهُ بِبِعْثَتِهِ عَنْ أُمَّتِهِ الأَغْلالَ والآصَارَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أُولِي الأَقْدَارِ وَسَلَّمَ تَسْلِيْماً كَثِيْرًا .
    أَمَّا بَعْدُ فَأَوْصِيْكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ، فَتَقَوى اللهِ جِمَاعُ الخَيْرَاتِ، وَحُصُولُ البَرَكَاتِ ، وَهِيَ وَصِيَّةُ اللهِ لِلأَوَّلِيْنَ والآخِرِيْنَ: } وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّـٰكُمْ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ{ [ النساء:131].
    عِبَادَ اللهِ،  لَقَدْ سَمِعْتُم مِنْ خَلَالِ القَنَوَاتِ، وَقَرَأْتُمْ مِنْ خِلَالِ الصُّحُفِ وَالمَجَلَّاتِ، وَوَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الحَدِيْثَةِ، مَا أَعْلَنَ عَنْهُ عُلَمَاءُ الفَلَكِ عَنِ الآيَةِ الكَوْنِيَّةِ الَّتِي سَوْفَ تَحْدُثَ فِي مَسَاءِ هَذَا اليَوْمِ، وَهِيَ حُدُوثُ خُسُوفٍ كُلِّيٍّ لِلْقَمَرِ. وَقَدْ يَصْدُقُونَ فِيْمَا أَخْبَرُوا بِهِ، وَقَدْ يُخْطِئُونَ وَهُمْ لِلصَّوَابِ أَقْرَبُ لِمَا عُرِفَ عَنْهُمْ مِنْ قَبْلُ،  إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ أَمْرًا غَيْرَ ذَلِكَ . فَإِذَا مَا حَدَثَ ذَلِكَ، فَإِنَّ عَلَى المُسْلِمِيْنَ أَنْ يَهْرَعُوا إِلَى رَبِّهِمْ بِمَزِيْدٍ مِنَ العِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ مِنْ صَدَقَةٍ وَصَلَاةٍ وَتَسْبِيْحٍ. وَقَدْ شَرَعَ لَنَا رَسُولُنَا الكَرِيْمُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ صَلَاةً تُسَمَّى صَلاةُ الكُسُوفِ أَوِ الخُسُوفِ، تُشْرَعُ عِنْدَ حُدُوِثِ هَذِهِ الآيَةِ الكَوْنِيَّةِ العَظِيْمَةِ الدَّالَّةِ عَلَى قُدْرَةِ اللهِ وَعَظَمَتِهِ . فَقَدْ كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفْسِ اليَوْمِ الَّذِيْ مَاتَ فيه إِبْرَاهِيْمُ ابْنُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ النَّاسُ : إِنَّهَا كُسِفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيْمُ. فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا حَدَثَ لِلشَّمْسِ ”  فَزِعَ فَزَعًا شَدِيدًا حَتَّى خَشِيَ أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ قَدْ حَانَتْ، فخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ جَرًّا ، وَأَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ فَزَعِهِ فَلَبِسَ رِدَاءَ إِحْدَى نِسَائِهِ حَتَّى أَدْرَكُوهُ بِرِدَائِهِ فَأَتَى المَسْجِدَ، فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ . قَالَ جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ” فَأَطَالَ الْقِيَامَ حَتَّى جَعَلُوا يَخِرُّونَ ”  [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. ثُمَّ بَعْدَ أَنْ فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ قَامَ فَخَطَبَ فَقَالَ : ” إنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِن آيَاتِ اللهِ لا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ , وَلَكِنَّ اللهَ يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ, فِإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئَاً مِن ذَلِكَ  فَافْزَعُوا إِلى الصَّلاةِ وَذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ حتَّى يَكْشِفَ مَا بِكُمْ وَتَصَدَّقُوا ” [رواه مسلم].
    عِبَادَ اللهِ ، وَلَوْلَا أَنَّ الْكُسُوفَ وَالْخُسُوفَ يُوجِبَانِ الْفَزَعَ وَالْخَوْفَ لَمَا فَزِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كُلَّ هَذَا الفَزَعِ وَلَمَا اشْتَدَّ خَوْفُهُ!! فَعَلَيْنَا أَنْ نَقْتَدِيَ بِنَبِيِّنَا، وَأَنْ نَفْزَعَ إِلَى عِبَادَةِ رَبِّنَا، لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَشْمَلَنَا بِعَفْوِهِ وَلُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ وَمَغْفِرَتِهِ ..
     وَبِمَا أَنَّهُ مِنَ المُتَوَقَّعِ أَنْ يَحْدُثَ هَذَا الحَدَثُ هَذِهِ الليْلَة، فَعَلَيْنَا أَنْ نَسْتَغِلَّ هَذِهِ الفُرْصَة فِي التَّذْكِيْرِ بِصِفَةِ هَذِهِ الصَّلَاةِ وَبِبَعْضِ أَحْكَامِها؛ حَتَّى نُؤدِّيهَا عَلَى الوَجْهِ الَّذِيْ نُرْضِي بِهِ اللهُ .
    أَيُّهَا المُسْلِمُون ، إِذَا حَدَثَ الخُسُوفُ أَوِ الكُسُوفُ – وَالخُسُوفُ يُطْلَقُ عَلَى القَمَرِ، وَالكُسُوفُ يُطْلَقُ عَلَى الشَّمْسِ، وَلَوْ أُطْلِقَ أَحُدُ المُسَمَّيَيْنِ عَلَى الاثْنَيْنِ جَازَ ذَلِكَ – إِذَا حَدَثَ الخُسُوفُ نَادَى المُنَادِيَ لِلصَّلَاةِ بـــــِ ( الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ )، ويُكَرِّرُ ذَلِكَ حَتَّى يَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ أَسْمَعَ جَمِيْعَ النَّاسِ، ثُمَّ إِذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ تَقَدَّمَ الإِمَامُ وَصَلَّى بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ، فِيْ كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ وَسُجُودَانِ، عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
    يُكَبِّرُ تَكْبِيْرَةَ الإِحْرَامِ، ثُمَّ يَدْعُو دُعَاءَ الاسْتِفْتَاحِ، ثُمَّ يَسْتَعِيْذُ بِاللهِ وَيُبَسْمِلُ وَكُلُّ ذَلِكَ سِرًّا، ثُمَّ يَقْرَأُ بَعْدَ ذَلِكَ جَهْرًا الفَاتِحَةَ وَسُوْرَةً طَوِيْلَةً، ثُمَّ يُكَبِّرُ، وَيَرْكَعُ رُكُوعًا طَوِيْلًا، ثُمَّ يَرْفَعُ قَائِلًا سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، ثُمَّ يَقْرَأُ مَرَّةً أُخْرَى الفَاتِحَةَ وَسُوْرَةً طَوِيْلَةً دُوْنَ الأُوْلَى، ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَرْكَعُ رُكُوعًا طَوِيْلًا دُوْنَ الأَوَّلِ، ثُمَّ يَرْفَعُ قَائِلًا سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، ثُمَّ يُكَبرُ وَيَسْجُدُ وَيُطِيْلُ السُّجُودَ، ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَجْلِسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَيُطُيْلُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَسْجُدُ وَيُطِيْلُ السُّجُودَ، ثُمَّ يُكَبِّرُ قَائِمًا لِلرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَيَفْعَلُ فِيْهَا مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الأُوْلَى، ثُمَّ بَعْدَ الرَّفْعِ مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ يَقْرَأُ التَّشَهُّدَ وَيُسَلِّمُ . هَذِهِ هِيَ صِفَةُ الصَّلَاةِ كَمَا وَرَدَتْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهِيَ سُنَّةٌ مُؤكَّدَةٌ، ثُمَّ بَعْدَ الصَّلَاةِ يُسَنُّ لِلإِمَامِ أَنْ يَقِفَ وَيَخْطُبُ خُطْبَةً وَاحِدَةً يُذَكِّرُ بِهَا النَّاسَ بِعَظَمَةِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ، وَيَحُثَّهُمْ فِيْهَا عَلَى التَّوْبَةِ وَالاسْتِغْفَارِ .
    عِبَادَ اللهِ، وَلِهَذِهِ الصَّلَاةُ أَحْكَامٌ يَنْبَغِي أَنْ يَعْرِفَهَا كُلُّ مُسْلِمٍ :
    فَمِنْ أَحْكَامِهَا : أَنَّهَا لَا تُصَلَّى إِلَّا إِذَا شُوْهِدَ الكُسُوفُ بِالعَيْنِ لَا بِخَبَرِ الحَسَّابِيْنَ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ” فَإِذَا رَأَيْتُم ذَلِكَ فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ ” فَعَلَّقَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأَمْرَ بِالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ وَالاسْتِغْفَارِ، بِرُؤْيَةِ الكُسُوفِ لَا بِخَبَرِ الحَسَّابِيْنَ . فَلَوْ حَالَ غَيْمٌ دُوْنَ رُؤْيَةِ الخُسُوفِ فَلَا تُشْرَعُ الصَّلَاةُ. ويُعْلَمُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ لِأَهْلِ بَلَدٍ الصَّلَاةُ لِلْكُسُوفِ بِنَاءً عَلَى رُؤْيَةِ البَلَدِ المُجَاوِرِ مَالَمْ يُشَاهِدُوهُ فِي بَلَدِهِم.
    وَمِنْ أَحْكَامِهَا: أَنَّهَا لَيْسَتْ لَهَا أَذَانٌ وَلَا إِقَامَةٌ، وَإِنَّمَا يُنَادَى لَهَا الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، فَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَمَرَ أَنْ يُنَادَى لِصَلَاةِ الكُسُوفِ بِقَوْلِ : ( الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ ) [رواه البخاري ومسلم] ، وَالسُّنَّةُ لِلْمُنَادِي، أَنْ يُكَرِّرَ ذَلِكَ حَتَّى يَظُنُّ أَنَّه قَدْ أَسْمَعَ النَّاسَ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ أَوْ عَدَدٌ مُحَدَّدٌ . وَيُنَادَى لَهَا وَلَوْ كَانَ النَّاسُ فِي المَسْجِدِ بَعْدَ الفَرِيْضَةِ مُجْتَمِعِيْنَ، وَذَلِكَ عَمَلًا بِالسُّنَّةِ ، وَتَنْبِيْهًا لِمَنْ لَمْ يَحْضُرْ كَالنِّسَّاءِ وَالمَرْضَى فِي البُيُوتِ .
    وَمِنْ أَحْكَامِهَا: أَنَّهَا إِذَا اجْتَمَعَتْ مَعَ غَيْرِهَا كَصَلَاةِ الفَرِيْضَةِ أَوِ الجُمُعُةِ أَوِ التَّرَاوِيْحِ، فَالفَرِيْضَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا أَهَمُّ، وَلِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ فِي الحَدِيْثِ القُدْسِيِّ: ” مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ ” . فَتُصَّلَى صَلَاةُ الفَرِيْضَةِ أَوَّلًا، ثُمَّ إِذَا انْتَهُوا مِنْ صَلَاةِ الفَرْضِ، فَلَا مَانِعَ أَنْ يَأْتُوا بِأَذْكَارِهَا وَسُنَّتِهَا الرَّاتِبَةُ ، ثُمَّ يَشْرَعُونَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي صَلَاةِ الخُسُوفِ .
    وَمِنْ أَحْكَامِهَا: أَنَّهَا يَجُوزُ أَدَاؤُهَا فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ ذَوَاتِ الأَسْبَابِ الَّتِي تُؤدَّى فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ .
    وَمِنْ أَحْكَامِهَا: أَنْ تُصَلَّى جَمَاعَةً فِي المَسَاجِدِ ،كَمَا صَلَّاهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَصَلَّى خَلْفَهُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، فَإِنْ صَلَّاهَا الإِنْسَانُ وَحْدَهُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَلَكِنِ الجَمَاعَةُ أَفْضَلُ .
    وَمِنْ أَحْكَامِهَا: أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ تُصَلِّيَ المَرْأَةُ صَلَاةَ الكُسُوفِ فِي بِيْتِهَا ، وَإْنْ خَرَجَتْ لِلْمَسْجِدِ بِالشُّرُوطِ الشَّرْعِيَّةِ كَمَا فَعَلَ نِسَاءُ الصَّحَابَةِ فَهُوَ أَفْضَلُ وَفِيْهِ خَيْر.
    وَمِنْ أَحْكَامِهَا: أَنَّ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى القِيَامِ فِي صَلَاةِ الخُسُوفِ فَيُكْمِلُ الصَّلَاةَ جَالِسًا، وَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ كَمَا لَوْ حُصِرَ بِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ فَلْيَنْصَرِفْ وَيَتَطَهَّرُ وَيَبْتَدِئُ الصَّلَاة .
    وَمِنْ أَحْكَامِهَا: أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ طُولَ صَلَاةِ الخُسُوفِ مُتَنَاسِبًا مَعَ مُدَّةِ الخُسُوفِ إِذَا عَلِمَهَا ، وَمُتَنَاسِبًا كَذَلِكَ مَعَ تَحَمُّلِ المَأْمُومِيْنَ .
    وَمِنْ أَحْكَامِهَا: أَنَّ مَنْ حَضَرَ المَسْجِدَ أَثْنَاءَ صَلَاةِ الخُسُوفِ، وَلَمْ يُصَلِّ العِشَاءَ صَلَّى العِشَاءَ أَوَّلًا، ثُمَّ يَدْخُلُ مَعَ الجَمَاعَةِ فِي صَلَاةِ الخُسُوفِ . أَمَّا إِذَا دَخَلَ مَعَهُمْ وَصَلَّى بِنِيَةِ العِشَاءِ ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ الخُسُوفَ، نَوَى المُفَارَقَةَ وَأَتَمَّ لِنَفْسِهِ العِشَاءَ، ثُمَّ لَحِقَهُمْ فِي صَلَاةِ الخُسُوفِ نَظَرًا لِاخْتِلَافِ الصَّفَةِ .
    وَمِنْ أَحْكَامِهَا: أَنَّ قِرَاءَةَ الفَاتِحَةَ وَمَا يَلِيْهَا بَعْدَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ سُنَّةٌ لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ ، فَلَوْ نَسِيَ القِرَاءَةَ بَعْدَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ مِنَ الرَّكْعَةِ، فَالصَّلَاةُ صَحِيْحَةٌ . وَلَهُ إِنْ كَانَ إِمَامًا أَوْ مُنْفَرِدًا أَنْ يَسْجُدَ لِلسَّهْوِ وَلَهُ أَنْ لَا يَسْجُدَ .
    وَمِنْ أَحْكَامِهَا: أَنَّ الرَّكْعَةَ فِي صَلَاةِ الخُسُوفِ، تُدْرَكُ بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ لَا بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ الثَّانِي . فَمَنْ فَاتَهُ الرُّكُوعُ الأَوَّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُوْلَى فَقَدْ فَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ كُلُّهُا، وَعَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ مَعَ الجَمَاعَةِ فِي الصَّلَاةِ وَلَكْنْ لَا يَعْتَد بِهَذِهِ الرَّكْعَةِ، بَلْ عَلَيْهِ بَعْدَ سَلَامِ الإِمَامِ، أَنْ يَأْتِيَ بِرَكْعَةٍ كَامِلَةٍ بِقِرَاءَتَيْهَا وَرُكُوعَيْهَا، وَكَذَلِكَ مَنْ فَاتَهُ الرُّكُوعُ الأَوَّلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ مَعَ الإِمَامِ، ثُمَّ بَعْدَ سَلَامِ الإِمَامِ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِرَكْعَتَيْنِ كَامِلَتَيْنِ بِقِرَاءَتَيْنِ وَرُكُوعَيْنِ فَي كُلِّ رَكْعَةٍ .كَذَلِكَ مَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مَعَ الجَمَاعَةِ، فَلَهُ أَنْ يَقْضِيَهَا عَلَى صِفَتِهَا إِذا كَانَ الخُسُوفُ مَازَالَ مُسْتَمِرًّا وَلَمْ يَنْجَلِي.
    أَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَنْفَعَنَا بِمَا عَلِمْنَا وَيُعَلِّمْنَا مَا يَنْفَعُنَا وَيَزِيْدَنَا عَلْمًا إِلَى عِلْمِنَا.
    أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيْمَ الجَلِيْلَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ المُسْلِمِيْنَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيْمُ .

    الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

    الحَمْدُ للهِ حَمْداً كَثِيْراً طَيْباً مُبَارَكاً فِيْهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شريك له، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ ، وَسَلَّمَ تَسْلِيْماً كَثِيْراً إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ .
    أَمَّا بَعْدُ، فَالوَصِيَّةُ لِي وَلَكُمْ بِتَقْوَى اللهِ، فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون.
    عِبَادَ اللهِ ،  وَمِنْ أَحْكَامِهَا: أَنَّهُ إِذَا انْتَهَتِ الصَّلَاةُ وَلَمْ يَنْتَهِي الكُسُوفُ، فَلَا إِعَادَةَ لِلصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا يَنْشَغِلُ النَّاسُ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالصَّدَقَةِ وَالاسْتِغْفَارِ حَتَّى يَكْتَمِلُ انْجِلَاءَ الخُسُوفِ .
    أَسْأَلُ اللهَ بِمَنِّه وَكَرَمِهِ أَنْ يَرْزُقَنَا خَشْيَتَهُ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَأَنْ يَرْزُقَنَا الْعِلْمَ النَّافِعَ وَالعَمَلَ الصَّالِحَ الذِي يُرْضِيهِ عَنَّا .
    هَذَا وَصَلُّوْا رَحِمَكُمُ الْلَّهُ عَلَىَ مَنْ أُمِرْتُمْ بِالْصَّلاةِ عَلَيْهِ حَيْثُ يَقُوْلُ الْلَّهُ تَعَالَىْ: ” إِنَّ ٱلَلَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّوْنَ عَلَىَ ٱلَنَّبِىِّ يُٰأَيُّهَا ٱلَّذِيَنَ ءَامَنُوا صَلُّوْا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيْما ” وَيَقُوْلُ عَلَيْهِ الْصَّلاةُ وَالْسَّلامُ مَنْ صَلَّىَ عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّىَ الْلَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرَا “. الْلَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَىَ عَبْدِكَ وَرَسُوْلِكَ مُحَمَّدٍ، وَعَلَىَ آَلِهِ الطَّيِّبِيْنَ وَخُلَفَائِهِ الأَرْبَعَةِ الرَّاشِدِيْنَ وَأَصْحَابِهِ أجمعين وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَىَ يَوْمِ الْدِّيْنِ وَعَنَّا مَعَهُمْ بِعَفْوِكَ وَرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الْرَّاحِمِيْنَ .
    اللّهُمَّ أعَزَّ الإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ والْمُشْرِكِينَ، وَدَمِّرْ أَعَداءَكَ أعْدَاءَ المِلَّةِ وَالدِّيْنِ. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِنا دِينَنا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنا وَأَصْلِحْ لِنا دُنْيَانا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنا وَأَصْلِحْ لِنا آخِرَتَنا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنا وَاجْعَلْ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِنا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَاجْعَلْ الْمَوْتَ رَاحَةً لِنا مِنْ كُلِّ شَرٍّ . اَللَّهُمَّ اشْفِ مَرْضَانَا وَمَرْضَى المُسْلِمِيْنَ وَارْحَمْ مَوْتَانَا وَمَوْتَى المُسْلِمِيْنَ.
    اَللَّهُمَّ انْصُرِ جُنُودَنَا الَّذِيْنَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيْلِكَ عَلَى الحُدُودِ . واحْقِنْ دِمَاءَ المُسْلِمِيْنَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَانْصُرْهُمْ عَلَى مَنْ طَغَى وَبَغَى وَتَجَبَّرَ عَلَيْهِمْ يَا قَوِيُّ يَا عَزِيْزُ  .
    اللّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَنَا خَاصَّةً وَبِلَادِ المُسْلِمِيْنَ عَامَّةً مِنْ دَنَسِ المُفْسِدِيْنَ وَأَعْمَالِ المُخَرِّبِيْنَ وَاجْعَلْنَا آمِنِيْنَ مُطْمَئِنِّيْنَ، وَاجْمَعْ كَلِمَةَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الحَقِّ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ
    الْلَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الْشَّرِيِفَيْنِ ، وَأَطِلْ فِي عُمْرِهِ ، وَبَارِكْ لَهُ فِي عَمَلِهِ، وَكَذَلِكَ وَلِيَّ عَهْدِهِ الأَمِيْنُ وَفِّقْهُمْ جَمِيْعاً لِمَا تُحِبُ وَتَرْضَىَ وَخُذْ بِنَواصِيْهِمْ لِلْبَرِّ وَالْتَّقْوَىْ ، وَارْزُقْهُمْ الْبِطَانَة الْصَالِحَة الَّتِيْ تُدِلْهُمْ عَلَىَ الْخَيْرِ وَالرُّشْدِ وَالْصَّلَاحِ . 
    رَبَّنَا آَتِنَا فِيْ الْدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِيْ الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ الْنَّارِ .
    عِبَادَ الْلَّهِ اذْكُرُوْا الْلَّهَ الْعَظِيْمَ الْجَلِيْلَ يَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوْهُ عَلَىَ وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ وَلَذِكْرُ الْلَّهِ أَكْبَرُ وَالْلَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُوْنَ .
جميع الحقوق محفوظة لموقع خطباء © 2019