• 20 يوليو، 2018 الساعة 5:32 ص
    عمر بن عبد الله بن مشاري المشاري
    جريمة الاعتداء على نقطة أمنية بالقصيم وحرمة الدماء 1439/11/07
    جريمة الاعتداء على نقطة أمنية بالقصيم وحرمة الدماء[1]
    إنَّ الحمدلله, نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً, أما بعد:
    فاتقوا الله أيها المؤمنون, وأطيعوا ربكم لتنالوا الفوز والفلاح.
    معاشر المسلمين: إنَّ الله حرَّم سفك الدماء المعصومة, وجعل قتل النفس التي حرَّم قتلها من أكبر الكبائر, قال تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93] قال الإمام السعدي رحمه الله: (ذكر هنا وعيد القاتل عمدا، وعيداً ترجف له القلوب وتنصدع له الأفئدة، وتنزعج منه أولو العقول, فلم يرد في أنواع الكبائر أعظم من هذا الوعيد، بل ولا مثله، ألا وهو الإخبار بأنَّ جزاءه جهنم، أي: فهذا الذنب العظيم قد انتهض وحده أن يجازى صاحبه بجهنم، بما فيها من العذاب العظيم، والخزي المهين، وسخط الجبار، وفوات الفوز والفلاح، وحصول الخيبة والخسار)[2].
    معاشر المسلمين: إنَّ ما حصل من اعتداء إرهابيين على نقطة أمنية في القصيم قبل أكثر من عشرة أيام, لهو جريمة نكراء, قُتل فيها رجل أمن وأحد المقيمين نسأل الله أن يتقبلهما في الشهداء.
    أيها المسلمون: إنَّ هذه الجريمة ما كانت لتكون إلا لاختلالٍ في الفكر, وضلالٍ في المنهج, وسيرٍ على غير هدى, واتباعٍ للضلالة والبدعة, في مخالفة للقرآن الكريم, ومخالفة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وسنته, قال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الأنعام: 151] قال الإمام السمعاني رحمه الله: (نهى عن القتل بالظلم، وأباح القتل بالحق، وهو مفسر في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس)[3] أخرجه أبو داود.
    معاشر المسلمين: إنَّ رجال الأمن وضعهم ولي الأمر ليقوموا بمهمة كبرى, وهي حفظ الأمن والاستقرار, وهم يواجهون المخاطر؛ لأجل أن نأمن نحن في بيوتنا, نأمن على أنفسنا وعلى أعراضنا وعلى أموالنا, فلا يعتدي عليها معتدٍ أو باغٍ أو ظالم, والاعتداء على رجل الأمن اعتداءٌ على المجتمع بأكمله, وجريمةٌ منكرةُ لا يُقرِّها دين ولا ذو عقلٍ سوي, فلو اختلَّ الأمن يا عباد الله: فهل يهنأُ الناس بالعيش؟ كلا والله, بل ستحل الفوضى, ويقع الخوف ويَعُمُّ الفقر والجور, وتتبدل الأحوال إلى الأسوأ, ويفرحُ الأعداء, وينالون من المسلمين مالم يستطيعوا نيله من قبل, وإنَّ من أعظم أهداف أعداء الإسلام خلخلة الأمن في بلاد المسلمين, بإقامة الثورات والمظاهرات وإشعال نارها, قال الشيخ عبدالرحمن الدوسري رحمه الله: (الدور الثاني لليهود: تنفيذ قرارات بعض المحافل الماسونية في إقامة الثورات في الشرق الأوسط)[4].
    معاشر المسلمين: إنَّه لا خير في الثورات ولا في المظاهرات, وليست وسيلة إصلاح, بل هي دمار وفساد, ولقد رأى الجميع ما يسمى زوراً وبهتاناً بالربيع العربي, وما هو إلا معول إفساد وهدم وإشهار سيف على رقاب المسلمين تقتيلاً وتعذيباً وتشريداً.
    أيها المسلمون: إنَّ العلم الشرعي يعصم أهله من الوقوع في براثن الفتن, ويُنجِّي العاملين به, ذلك أنَّ العلم الشرعي بيَّن العلاقة بين الحاكم والمحكوم, وبيَّن طريقة إنكار المنكر, وحرَّم الخروج على ولاة الأمور, وإنَّ من أعظم الفتن وأولها ظهوراً فتنة الخوارج الذين خرجوا عن طاعة ولي أمر المسلمين الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقاتلهم حتى انتصر عليهم رضي الله عنه, وإنَّ أول ثورة حصلت في الإسلام ثورة من ثار من رعاع الناس الأشقياء على أفضل الصحابة في زمنه الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه, وحصل بعد قتلهم له, تفرق المسلمين, وحصول الفتنة, وظهور الخوارج, وظهور التشيع, بعد أن كان المسلمون في خلافة عثمان رضي الله عنه في خير وعافية وقوة ومنعة وسلامة من الفتن والحروب.
    معاشر المسلمين: إنَّ دين الإسلام دين كامل, فقد نظَّم العلاقة بين الحاكم والمحكوم تنظيماً كاملاً تعجز عنه تنظيمات العالم اليوم, ذلك أنَّ بيان التعامل مع الحكام منصوصٌ عليه في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة, وقد بين العلماء فقه المعاملة بين الراعي والرعية.
    أيها المسلمون: إنَّ الله تعالى أوجب على الرعية طاعة ولي الأمر قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني)[5] متفق عليه.
    قال الإمام السعدي رحمه الله: (أولي الأمر هم: الولاة على الناس، من الأمراء والحكام والمفتين، فإنه لا يستقيم للناس أمر دينهم ودنياهم إلا بطاعتهم والانقياد لهم، طاعة لله ورغبة فيما عنده، ولكن بشرط ألا يأمروا بمعصية الله، فإن أمروا بذلك فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)[6] وقال الإمام ابن باز رحمه الله: (طاعة ولي الأمر تابعة لطاعة الله ورسوله، فإن أولي الأمر هم الأمراء والعلماء، والواجب طاعتهم في المعروف، أما إذا أمروا بمعصية الله, سواء كان أميراً أو ملكاً أو عالماً، أو رئيس جمهورية، أو غير ذلك، فلا طاعة له في ذلك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الطاعة في المعروف»[7] متفق عليه)[8].
    معاشر المسلمين: وقال الإمام الطحاوي رحمه الله: (ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدًا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة, ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة)[9] أ.هـ
    أيها المسلمون: من ثمرات طاعة ولي الأمر اجتماع كلمة المسلمين, وظهور قوتهم أمام أعدائهم باجتماع كلمتهم, وحصول التآلف والمحبة والتعاون على البر والتقوى والتواصي بالحق والتواصي بالصبر, وفي طاعة ولي الأمر في غير معصية امتثال لأمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم, ويحصل بطاعتهم من المصالح شيئاً كثيراً, قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: (لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان، إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعِظم من الفساد الذي أزالته)[10].
    اللهم أصلح اِلراعي والرعية.
    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
     
     
     
     
     
     
    [1] خطبة الجمعة 07/11/1439هـ جامع بلدة الداخلة في سدير, عمر المشاري.
    [2] تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 193).
    [3] تفسير السمعاني (2/ 156).
    [4] اليهودية والماسونية.
    [5] أخرجه البخاري في كتاب الأحكام, باب قول الله تعالى: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) [النساء: 59] برقم (7137) ومسلم في كتاب الإمارة, باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية…برقم (1835).
    [6] تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 183).
    [7] أخرجه البخاري في كتابِ الأحكام, باب السمع والطاعة للإمام مالم تكن معصية برقم (7145) ومسلم في كتاب الإمارة, باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية…برقم (1840).
    [8] مجموع فتاوى ابن باز (9/ 94).
    [9] متن العقيدة الطحاوية ص (24)
    [10] منهاج السنة النبوية (3/ 391).ِ
جميع الحقوق محفوظة لموقع خطباء © 2019