• 19 يوليو، 2018 الساعة 5:59 م
    عبدالله راشد العميرة
    دعوة إلى قراءة سيرة الحبيب صلى الله عليه وسلم
    الْحَمْدُ لِلَّهِ رب العالمين .. امتن علينا بالهداية لهذا الدين القويم .. وأنزل علينا كتابه المبين .. وبعث إلينا برسوله الهادي الأمين .. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ شهادةً نرجو بها النجاةَ يومَ الدِّينِ ..  وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ السراجُ المنيرُ والبشيرُ النذيرُ وقائدُ الغُرِّ المحجَّلينَ وإمامُ الأولينَ والآخرينَ وسيِّدُ المرسلينَ وخاتمُ النبيينَ .. صلى اللهُ وسلمَ وباركَ عليْهِ وعلى آلِهِ وصَحْبِهِ وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ بإحْسَانٍ إلى يومِ الدِّينِ ..
    أما بعد: عباد الله: جاء عن عبدالله بن زيد رضي الله عنه أنه قال:  لما أفاءَ اللهُ على رسولِه صلى الله عليه وسلم يومَ حنينٍ ، قَسَمَ في الناسِ في المؤلفةِ قلوبُهم ، ولم يُعطِ الأنصارَ شيئًا, فكأنهم وجدوا إذ لم يُصبْهمْ ما أصابَ الناسَ ، فَخَطبَهم رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ فقال: يا معشرَ الأنصارِ، ألم أجِدْكم ضُلاَّلاً فهداكُمُ اللهُ بي قالوا: اللهُ ورسولُه أَمَنُّ، وكنتم متفرِّقين فألَّفَكُمُ اللهُ بي قالوا: اللهُ ورسولُه أَمَنُّ، وكُنتُمْ عَالَةً فأغْنَاكُمُ اللهُ بي قالوا: اللهُ ورسولُه أَمَنُّ. قال: ما يمنَعُكُم أن تجيبوا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم . قال: كلما قال شيئًا قالوا اللهُ ورسولُه أَمَنُّ ، قال: لو شئِتُم قلتم: جئتَنا كذا وكذا ـ أيْ: أَتيْتَنا مُكذَّبًا فصدَّقناكَ، ومُخذَّلًا فنصَرْناكَ وطريدًا فآوْيناكَ، وعائِلًا فواسَيْناكَ، وهذا مِن تواضُعِهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وإنصافِهِ، فلولا هِجرتُهُ إليهِم لكانوا كسائِرِ الناسِ، ثمَّ طيَّبَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خواطِرَهم وهوَّنَ عليهمْ فقْدَهُم المالَ بقولِه أترضَوْن أن يذهبَ الناسُ بالشاةِ والبعيرِ، وتذهبون بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى رحالِكم، لولا الهجرةُ لكنتُ امْرءًا من الأنصارِ، ولو سلكَ الناسُ واديًا وشِعْبًا لسلكتُ واديَ الأنصارِ وشِعَبِها, الأنصارُ شِعارٌ والناسُ دِثارٌ ، إنكم سَتلْقوْن بعدي أَثَرَةً ، فاصبروا حتى تَلْقوْني على الحوضِ. رواه البخاري
    الله أكبر .. ما أعظمَ غنيمةَ الأنصارِ حينَ رجعَ الناسُ بالدنيا ورجعوا هم برسولِ الله صلى الله عليه وسلم إلى رِحَالهم .. نعمْ عبادَ الله إنهُ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الذي وصفَهُ اللهُ عزَّ وجلَّ بأنَّهُ رحمةً للعالمينَ كما قالَ تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)  وهو (حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) .. إذا افتخرَ الناسُ بدنياهُم فإننا نفتخرُ برسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وإذا افتخرَ الناسُ بجاهِهِم فإننا نفتخر برسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا افتخرَ الناسُ بأنسابِهم فإننا نفتخرُ برسول الله صلى الله عليه وسلم.. نعم نفتخرُ بأنه نبيُّنَا وحَبِيبُنَا وأننا مِنْ أتباعِهِ وأوليائِهِ بإذنِ اللهِ عزَّ وجلَّ.. حين يقرأُ الناسُ في سيرِ التَّافِهِينَ والتَّافِهاتِ وكُتُبِ الشكِّ والإلحادِ .. ويُضَيِّعُون أوْقَاتَهُم بِكُتُبِ الفَلْسَفَةِ والرِّوَايَاتِ .. فَافْخَرُوا عبادَ اللهِ بقراءةِ سيرةِ سيِّدِ الأنامِ واحْمدُوا اللهَ على ذلكَ بلْ وتَقَرَّبُوا إلى اللهِ عزَّ وجلَّ بقراءةِ سيرةِ خيرِ خلقِ اللهِ عزَّ وجلَّ بَتَمَعُّنٍ واسْتِشْعَارٍ.
    حينَ تقرأُ عبدَ اللهِ في سيرةِ نبيَّ الأمةِ صلى الله عليه وسلم فإنكَ تقرأُ سيرةَ أعظمَ إنسانٍ مرَّ على البشريةِ بلْ وتتشرفُ بقراءةِ سيرتِهِ كيفَ لا وحُبُّهُ عقيدةٌ حيثُ لا نُؤمنُ حتى يكونَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أحبَّ إلينا مِنْ أنفُسِنَا وأَهْلِينا وأموالِنا والدُّنيا وما عَلَيْهَا؛ فعنْ عبدِ اللهِ بنِ هشامٍ رضيَ اللهُ عنهُ قال: كنَّا مَعَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وَهُوَ آخُذٌ بيدِ عمرَ بنِ الخطابِ رضي الله عنه، فقال له عمرُ : يا رسولَ اللهِ ، لأَنْتَ أحبُّ إليَّ مِن كلِّ شيءٍ إلا مِن نفسي ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لا ، والذي نفسي بيدِه ، حتى أكونَ أحبَّ إليك مِن نفسِك.فقال له عمرُ : فإنه الآن ، واللهِ ، لأَنتَ أحبُّ إليَّ مِن نفسي ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: الآن يا عمر.
     حينَ تقرأُ في سيرةِ الرسولِ الكريمِ صلى الله عليه وسلم فإنكَ تقرأُ مدى رحمتِهِ وشفقتِهِ على أُمَّتِهِ وَمِنْ ذلكَ ما رَوَتْهُ أُمُّنَا الصِّدِّيقَةُ بنتَ الصِّدِّيقِ عائشةُ بنتَ أبي بَكْرٍ رضيَ اللهُ عنها وعنْ أبيها أنها قالتْ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : هل أتى عليك يومٌ أشدُّ من يومِ أُحدٍ ؟ قال : لقد لقيتُ من قومك ما لقيتُ، وكان أشدَّ ما لقيتُ منهم يومَ العقبةِ، إذ عرضت نفسي على ابنِ عبدِ ياليلِ بن عبدِ كلال، فلم يجبني إلى ما أردتُ، فانطلقتُ وأنا مهمومٌ على وجهي، فلم أستفقْ إلا وأنا بقرنِ الثعالبِ، فرفعتُ رأسي، فإذا أنا بسحابةٍ قد أظلَّتني، فنظرتُ فإذا فيها جبريلُ، فناداني فقال : إن اللهَ قد سمع قول قومِك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث اللهُ إليك ملكَ الجبالِ، لتأمره بما شئتَ فيهم، فناداني ملكُ الجبالِ، فسلَّم عليَّ، ثم قال : يا محمدُ، فقال : ذلك فيما شئتَ، إن شئتَ أن أُطبقَ عليهم الأخشبَينِ ؟ فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : بل أرجو أن يخرجَ اللهُ من أصلابهم من يعبد اللهَ وحده، لا يشركُ به شيئًا .
    بلْ رحمتُهُ طالت الحيوانات ومنْ ذلكَ ما رَواهُ عبدالله بنِ مسعودٍ رضيَ الله عنه قال: كنا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في سفرٍ فانطلق لحاجته فرأينا حمَّرةً معها فرخان فأخذْنا فرخَيها فجاءت الحُمَّرةُ فجعلت تفرشُ فجاء النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال من فجع هذه بولدِها ؟ رُدُّوا ولدَها إليها . ورأى قريةَ نملٍ قد حرقناها، فقال : من حرقَ هذه ؟ قلنا : نحن، قال : إنه لا ينبغي أن يعذِّبَ بالنارِ إلا ربُّ النارِ ..
    ودانتْ لطاعتِهِ كلُّ المخلوقاتِ وصدَّقَتْ بِهِ إلا العُصَاةُ مِنَ الإنسِ والجانِّ فقد حنَّ لهُ جِذْعُ النخلةِ الذي كانَ يتخذُهُ مِنْبَرًا فعنْ جابرِ بنِ عبدالله رضي الله عنه قال: (كان المسجدُ مسقوفًا على جذوعٍ من نخلٍ ، فكان النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذا خطب يقومُ إلى جِذْعٍ منها ، فلمَّا صُنِعَ لهُ المنبرُ وكان عليهِ ، فسمعنا لذلكَ الجِذْعِ صوتًا كصوتِ العِشَارِ ، حتى جاء النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فوضع يدَهُ عليها فسكن .) رواه البخاري. وجَعلتِ النُّوقُ تتسابقُ للموتِ بينَ يديهِ وكأنَّ الموتَ بينَ يديهِ حياةٌ فعنْ عبدالله بن قُرْط رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن أعظمَ الأيامِ عندَ اللهِ يومُ النحرِ ، ثم يومُ القَرِّ وهو الذي يليه ، قال : فقدِمْنَ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ بدناتٌ خمسٌ أو ستٌّ ، فطفقْنَ يزدلفْنَ إليه بأيَّتِهنَّ يبدأُ ، فلما وجبت جنوبُها تكلَّمَ بكلمةٍ خفيَّةٍ لم أفهمْها ، فقلت للذي يليني : ما قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ ؟ قال : مَن شاء اقتطعَ) أي منْ شاءَ أخذَ منَ اللحم.
    حينَ نقرأُ في سيرةِ الرسولِ الكريمِ صلى الله عليه وسلم فإننا نقرأُ مدى شجاعتهِ وثباتهِ ومنْ ذلكَ ما جرى لهُ في أُحدٍ حيثُ كُسِرتْ رُباعِيُّتُهُ وأُدْمَيَ وَجْهُهُ وَهُوَ ثابِتٌ في مكانِهِ يُواجِهُ الأعداءَ بأبي هُوَ وأمي .. وكذلك ثباتهُ وإصرارهُ على تبليغِ دعوتهِ على الرُّغْمِ مِنْ مُعَارَضَتِهِ ومحاوَلَةِ قَتْلِهِ وإِيذَائهِ وإِيذَاءِ صَحْبِهِ..
    حينَ نقرأُ في سيرةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم فإننا نقرأُ مدى كرمهِ وعطائهِ الذي لا يداينهِ كرمٌ فقد كان يعطي عطاءَ من لا يخشى الفقرَ مَعَ أنهُ كان مِنْ أزهدِ الناسِ في الدنيا، اكتفى مِنَ الدنيا بالقليلِ فكانتْ عيشتُهُ كَفافًا، ولقد كان يمرُّ على أهلِ بيتهِ الهلالَ ثم الهلالَ ثم الهلالَ، ثلاثةُ أهلَّةٍ مُتتابعاتٍ ولا يُوقَدُ في بيتِهِ نارٌ! وقد انتقل إلى الرفيق الأعلى ودرعه مرهونة عند يهودي في نفقة عياله..
    حينَ نقرأُ في سيرةِ نبيِّ الأمَّةِ صلواتُ ربي وسلامُهُ عليه فإننا نقرأُ حكمتَه ُوبليغَ حديثِهِ وحُسْنَ تعامُلِهِ وتَعْليمِهِ ومِنْ ذلكَ ما رواهُ أبو أُمامةَ الباهلي رضي الله عنه (أنَّ فَتًى شابًّا أتى النَّبيَّ – صلَّى اللَّه عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ – فقالَ : يا رسولَ اللَّهِ ، إئذَنْ لي بالزِّنا ، فأَقبلَ القومُ علَيهِ فزَجروهُ وقالوا: مَهْ. مَهْ. فقالَ: أدنُهْ ، فدَنا منهُ قريبًا. قالَ: فجَلسَ قالَ: أتحبُّهُ لأُمِّكَ ؟ قالَ: لا واللَّهِ جعلَني اللَّهُ فداءَكَ. قالَ: ولا النَّاسُ يحبُّونَهُ لأمَّهاتِهِم. قالَ: أفتحبُّهُ لابنتِكَ ؟ قُل: لا واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ جَعلَني اللَّهُ فداءَكَ قالَ: ولا النَّاسُ يحبُّونَهُ لبَناتِهِم. قالَ: أفتُحبُّهُ لأُخْتِكَ ؟ قُل: لا واللَّهِ يا رسول اللَّه جعلَني اللَّهُ فداءَكَ. قالَ: ولا النَّاسُ يحبُّونَهُ لأخواتِهِم. قالَ: أفتحبُّهُ لعمَّتِكَ ؟ قُل: لا  واللَّهِ يا رسولَ اللَّه جَعلَني اللَّهُ فداءَكَ. قالَ: ولا النَّاسُ يحبُّونَهُ لعمَّاتِهِم. قالَ: أفتحبُّهُ لخالتِكَ ؟ قل: لا واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ جَعلَني اللَّهُ فداءَكَ. قالَ: ولا النَّاسُ يحبُّونَهُ لخالاتِهِم. قالَ: فوَضعَ يدَهُ عليهِ وقالَ: اللَّهمَّ اغفِرْ ذنبَهُ وطَهِّر قلبَهُ ، وحصِّن فَرجَهُ فلم يَكُن بعدُ ذلِكَ الفتَى يَلتَفِتُ إلى شيءٍ ).
    حينَ نقرأُ في سيرةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم فإننا نقرأُ في سيرةِ أحسنَ الناسِ خُلُقًا ولا أَبْلَغَ ولا أَفْضَلَ ولا أَكْمَلَ مِنْ وَصْفِ رَبِّهِ تَبَارَكَ وتَعَالَى لَهُ:
    (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) وقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) وقوله تعالى: (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) وغير ذلك من الآيات..
    وللهِ دَرُّ حَسَّانَ بنَ ثابتٍ رضي الله عنه حين قال:
    ومـا فقَـدَ الماضـونَ مثـلَ محمـدٍ * * * و لا مثلَـه حتـى القيـامـةِ يُفقَـدُ
    رزقنا اللهُ وإياكم حُسْنَ اتباعِ نبِيِّنَا محمدٍ صلى اللهُ عليه وسلم وأَكْرَمَنَا وإياكم بِجِوَارِهِ ومُرَافَقَتِهِ في جناتِ الخُلدِ.. أقولُ ما سمعتم وأستغفرُ اللهَ لي ولكم ولسائرِ المؤمنينَ والمؤمنات فاستغفروهُ إنهُ هوَ الغفورُ الرحيم.
     
    الخطبة الثانية:
    الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
    أَمَّا بَعْدُ:
    حينَ نقرأُ في سيرةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم فإننا نعلمُ مدى حِرْصِهِ وشَفَقَتِهِ على أُمَّتِهِ طِيلَةَ حياتِهِ بلْ حتى في  آخِرِ حياتِهِ صلى اللهُ عليهِ وسلم وفي مرضِ وفاتِهِ وقد بَلَغَ بِهِ الْوَجَعُ مبلغًا شديدًا ومع ذلك حُملَ مِنْ بيتِهِ إلى مسجدِهِ ليُلْقِي آخِرَ خُطْبَةٍ قبلَ وفَاتِهِ بخمسٍ وكانَ مما قالَ فيها ما رواهُ أبو سعيدٍ الخُدْرِيِّ رضيَ اللهُ عنهُ: (أن رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم جلس على المِنبرِ فقال: إن عبدًا خَيَّرَهُ اللهُ بينَ أن يؤتيَه من زَهرةِ الدنيا ما شاء، وبين ما عِندَه، فاختار ما عِندَه ) . فبكى أبو بكرٍ وقال : فَدَيْناكَ بآبائِنا وأمهاتِنا . فعَجِبْنا له، وقال الناسُ : انظُروا إلى هذا الشيخِ، يُخْبِرُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم عن عبدٍ خَيَّرَهُ اللهُ بينَ أن يؤتيَه من زَهرةِ الدنيا وبينَ ما عندَه، وهو يقولُ : فَدَيْناكَ بآبائِنا وأمهاتِنا، فكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم هو المُخَيَّرَ، وكان أبو بكرٍ هو أعلمَنا به، وقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم : ( إن مِن أَمَنِّ الناسِ عَلَيَّ في صحبتِه ومالِه أبا بكرٍ، ولو كنتُ مُتَّخِذًا خليلًا من أمتي لاتخَذْتُ أبا بكرٍ، إلا خُلَّةَ الإسلامِ، لا يَبْقَيَنَّ في المسجدِ خَوْخَةٌ إلا خَوْخَةَ أبي بكر). أي أمر بسد أبواب المسجد إلا باب أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه.
    وما أروعَ ابتسامَتَهُ بأبي هُوَ وأُمِّي وما أَجْمَلَهَا وما أَلْطَفَهَا حينَ أَلْقَى النَّظْرَةَ الأخيرةَ على أصحابِهِ في اليومِ الذي تُوفي فيه؛ ويروي ذلكَ أنسُ بنُ مالكٍ رضيَ اللهُ عنهُ حيثُ قال: (أن المسلمين بينا هم في صلاة الفجر من يومَ الاثنينِ، وأبو بكرٍ يُصلي لهم، لم يَفْجأْهُمْ إلا ورسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد كشفَ سِتْرَ حُجْرَةِ عائشةَ، فنظرَ إليهم وهُم في صُفوفِ الصَّلاةِ، ثم تَبَسَّمَ يَضْحَكُ، فنكصَ أبُو بكرٍ علَى عقبَيْهِ ليصلَ الصَّفَّ، وظنَّ أنَّ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريدُ أن يخرجَ إلى الصلاةِ . فقالَ أنسٌ : وهَمَّ المُسْلِمُونَ أنْ يَفْتَتنُوا في صلاتِهِم، فَرَحًا برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأشارَ إليهِم بيدِهِ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أن أتِمُّوا صلاتَكم ثم دخل الحُجْرَةَ، وأرْخَى السِّتْر)
    إنها دعوةٌ لي ولكم عباد الله لقراءةِ سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها خير سيرة وأعظم منهج ويكفيك شرفًا وفخرًا أنك تقرأ في سيرة من اصطفاه الله واجتباه وهو حبيب الله وخليل الله ,, وهي دعوة لنقرأها بتمعن وتفكر كي يمتلأ القلب حبا وتعظيما لهذا النبي العظيم وأهم من ذلك امتثال أمره واجتناب نهيه فهذا هو الاتباع الحقيقي والحب الحقيقي ..
    لقدْ بَلَّغَ نَبِيُّنَا محمدٌ صلى اللهُ عليهِ وسلم الرسالةَ وأدى الأمانةَ ونصحَ الأمةَ وجاهدَ في اللهِ حقَّ جِهادِهِ وما مِنْ خَيْرٍ إلا دَلَّ الأمةَ عليهِ وما مِنْ شَرٍّ إلا حذَّرَ منهُ ونُشْهِدُ اللهَ على ذلك وهو أُسْوَتُنَا وَهُوَ قُدْوَتُنَا، فجزاهُ اللهُ خيرَ ما جزى نبيٍّ عنْ أُمَّتِهِ وصلواتُ ربي وسلامُهُ تَتْرَا عَلَيْهِ كُلَّ حِينٍ إلى يومِ الدِّين.
    فَتَمَسَّكُوا رَحِمَنِي اللهُ وإياكم بهديه واسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِ والْزَمُوا غَرْزَهُ ودافِعُوا عن سُنَّتِهِ وغِيرُوا على عِرْضِهِ وأَجِلُّوا صَحْبَهُ وزَوْجَهُ وآلَ بَيْتِهِ فَهُوَ شَفيعُكُم بإذنِ اللهِ تعالى وَهُوَ فَرَطَكُم على الحوضِ بإذنِ اللهِ تعالى؛ وكُونُوا إخوَانَهُ .. نعم إخوَانَهُ .. الذينَ تَمَنَّى رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلم رؤيتَهُم فقدْ جاءَ في صحيحِ مسلمٍ عنْ أبي هُريرةَ رضيَ الله عنه أنه قال: أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أتى المقبرةَ فقال : السلامُ عليكُمْ دارَ قومٍ مُؤمنينَ . وإنا إنْ شاء اللهُ بكمْ لاحقونَ . وددتُ أنا قدْ رأينا إخوانَنا قالوا : أولسنَا إخوانَك يا رسولَ اللهِ ؟ قال أنتمْ أصحابي . وإخوانُنا الذين لمْ يأتوا بعدُ . فقالوا : كيفَ تعرفُ منْ لم يأتِ بعدُ من أمتكِ يا رسولِ اللهِ ؟ فقال أرأيتَ لو أنَّ رجلًا لهُ خيلٌ غرٌّ محجَّلةٌ . بين ظهرِي خيلٍ دهمٍ بُهمْ . ألا يعرف خيلَهُ ؟ قالوا : بلى . يا رسولَ اللهِ ! قال فإنهمْ يأتونَ غرًا مُحجَّلينَ منَ الوضوءِ . وأنا فرَطُهمْ على الحوضِ . ألا ليذادنَّ رجالٌ عنْ حوضِي كما يذادُ البعيرُ الضالُّ . أُناديهم : ألا هلُمُّ ! فيقال : إنهمْ قد بدَّلوا بعدَكَ . فأقولُ : سُحقًا سُحقًا . وفي روايةٍ : وفيهِ فلُيذادنَّ رجالٌ عن حوضِي .
     حينَ نقرأُ في سيرةِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم مِنْ وِلادَتِهِ بمكةَ وحتى وفاتُهُ بالمدينةِ فإنكَّ تقرأُ عجبًا وتمتلأُ شوقًا لهُ وتزدادُ حبًّا لهُ وتلهجُ بالصلاةِ والسلامِ على مَنْ صلى عليهُ اللهَ عزَّ وجلَّ في عليائه وثنى بملائكتِهِ المُسَبِّحَةِ بِقُدْسِهِ وثلَّثِ بكم أيها الثقلينِ من إنسِهِ وجِنِّهِ فقالَ عزَّ مِنْ قائلٍ ولم يزلْ قائلا عليمًا (إنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع خطباء © 2019