• 12 يوليو، 2018 الساعة 9:49 م
    محمد بن خالد الخضير
    حرمة الدماء وشناعة الاعتداء على رجال الأمن في القصيم

    الخطبة الأولى

     ان الْحَمْد لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ:

    ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ” عباد الله ….في السنةِ السابعةِ من الهجرةِ أرسلَ صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ سريةً من أصحابِه إلى الحُرَقة من جُهَيْنةَ ، وبعدَ ساعةٍ من القتالِ انْهَزَمَ المشركونَ وفرَّ منهم مَنْ فرَّ ، وكانَ ممنْ هَرَبَ رجل من المشركين، فلحِقَه أسامةُ بنُ زيدٍ وهو ابنُ السادسةِ عَشَرَ عاماً ، ومعه رجلٌ من الأنصارِ، فلما أدركوهُ وأحاطوا به، ورأى السيفَ قال : لا إله إلا الله ، فأشاح عنه الأنصاريُ، وأما أسامةُ فرأى أنها صرخةُ التعوذِ من السيفِ ، فقتله أسامة،

    فلما رجعوا للمدينة و بلغ النبي صلى الله عليه و سلم الخبر  ، تغيرَ وجهُه عليه الصلاة و السلام، وغضب على حِبِّه وابنُ حِبِّه أسامةِ بنِ زيد، وأستعظمَ قتله للرجل ، ثم استدعاه، وقال له:

    لم قتلته يا أسامة ؟ أقتلته بعد أن قال : لا إله إلا إله إلا الله؟.

    فقال أسامة: إنما قالها خوفاً من القتل، فقال النبي صلى الله عليه و سلم: ألا شَقَقْتَ عن قلبِه حتى تعلمَ أقالَها من أجل ذلك أم لا !!

    فقال أسامة : يا رسول الله أوجعَ في المسلمينَ ، فقتلَ فلاناً وفلاناً، وسمَّى له بعض الصحابة الذين يَعرفهم النبي صلى الله عليه و سلم، لكنَّ هذا التبرير لم يؤثر في النبيِّ صلى الله عليه و سلم ، فقال له معنِّفاً: فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟

    فلما رأى أسامة أنَّ تأوُّلَه لم يقبل، وأنَّه أخطأَ في قتلِه ، قال : استغفر لي يا رسول الله.وانتظر أسامة أن يقول له حبيبه صلى الله عليه و سلم: غفر الله لك، لكنَّ رسول الله  صلى الله عليه و سلم أعاد عليه عتابه : فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟فما زال النبي صلى الله عليه و سلم يكرِّر عليه هذا العبارة حتى كُرِبَ أسامةُ كرباً شديداً ، بل تمنى أنه لم يَكُنْ أسلمَ قبلَ ذلك اليوم.

    وبقي هذا الندمُ يَتَلَجْلَجُ في قلبِ أسامةَ سنينَ طويلة، فكان أسامةُ بنُ زيدٍ من أبعدِ الناسِ عن الدماءِ، وعن الشبهاتِ فيها،هذا الخبرُ يا أهلَ ايمان هو واللِه رسالةٌ بليغةٌ في تعظيمِ أمرِ الدماءِ، فإذا كان النبيُّ صلى الله عليه و سلم قد عَظَّمَ دمَ محاربٍ قال: لا إله إلا الله، والقرائن تدل على أنه قالها متعوِّذاً، فكيف بدم امرئٍ يُتيقن في إسلامه وتوحيده .

    فلا يَستخفُّ بأمرِ الدماءِ إلا من تاه في لججِ الضلالِ والآثام.لا إنذارَ أشدُّ وأعظمُ على من له قلب، من هذا النذيرِ الإلهي {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}.

    لقد عظَّم الإسلامُ أمرَ الدماءِ حتى كانت الدنيا بما فيها أهونَ عند الله من سفكِ دمٍ امرئٍ مسلم. رواه الترمذي وغيره.

    والله سبحانه أخبر أنَّه لا يحب الفساد، وأنه لا يصلح عمل المفسدين، وأنَّ أعظمَ الفسادِ استباحةُ الدماءِ المعصومة،{أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}.وعند أبي داود وصححه الألباني من حديث ِعبادةَ بنِ الصامتِ   ، أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : «مَنْ قَتَلَ مؤمناً، فَاغْتَبَطَ بِقَتْلِه ـ أي فرح ـ لم يَقْبل الله منه صَرفا ولا عَدلا».

    وعند مسلم في صحيحه:«وَمَن خَرَجَ عَلى أُمَّتي يَضرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَها، لا يَتَحَاشى مِنْ مؤمِنها،ولا يَفي بِعَهدِ ذِي عَهدِها، فَلَيْسَ مِني، وَلَسْتُ منه».

    وقبل أن يُودِّع النبي صلى الله عليه و سلم هذه الدنيا بأشهر أكَّدَ في حجَّة الوداعِ وقرَّر: «إنَّ دماءَكم وأموالَكم وأعراضَكم حرامٌ عليكم حرامٌ كحرمةِ يومِكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ».

    بل إنَّ كلَّ الذنوبِ يُرجى أنْ يغفرَها اللهُ إلا الشركَ ومظالمَ العباد، وأعظمُ الظلمِ قتلُ الأنفسِ المعصومة، ولذا كان من عدل الله سبحانه أنَّه أول ما يُقضى بين الناسِ في الدماء.فقضيةُ حرمةِ الدماءِ محسومةٌ، والنصوصُ فيها صريحةٌ، ولا يزيغ عن هذا إلا هالك.

    بارَك اللهُ لي ولكُم في الكِتابِ والسّنّة، ونَفَعنا بمَا فيهمَا مِنَ الآياتِ والحِكمَة، أقول قولِي هذا، وأستَغفِر الله تعالى لي ولكم.

    الخطبة الثانية

     الْحَمْدُ للَّـهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

    أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: إذا كان حفظُ الدماءِ والتعظيمُ من شأنِها واجب شرعي، فإنَّ التأكيدَ على دماءِ من يَحْرِسُ البلدَ، وربما تغرَّب لأجلِ هذه المهمة أوجبُ وآكد.

    عبادالله: وَمِمَّا يُؤْسَفُ مَا وَقَعَ هَذَا الْأُسْبُوعَ مِنَ اعْتِدَاءٍ أَلِيمٍ عَلَى نُقْطَةٍ أَمْنِيَّةٍ فِي “الْقَصِيمِ” مِنْ قِبَلِ غُلَاةٍ سَلَّمُوا عُقُولَهُمْ لِغَيْرِهِمْ، وَاسْتَسْلَمُوا لِمَا يُقْذَفُ عَلَيْهِمْ مِنَ الشُّبُهَاتِ، فَصَارُوا مَعَاوِلَ هَدْمٍ وَتَخْرِيبٍ، وَمَا عَمَلُهُمْ إِلَّا ضَرْبٌ مِنْ ضُرُوبِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَإِخْلَالٌ بِالْأَمْنِ، وَاسْتِرْخَاصٌ لِلْأَنْفُسِ الْمَعْصُومَةِ، وَإِذْكَاءٌ لِنَارِ الْفَتْنَةِ،، ولا يشك عاقل فضلاً عن مؤمن في فساد منهج هذه الفئة واستباحتها لدماء الركع السجود من المؤمنين؛ ولكن الله لهم بالمرصاد والوعيد الشديد في الآخرة حيث لم يرتب الله وعيداً شديداً كما رتب على قتل النفس بغير حق؛

    استهداف رجال الأمن استهداف لنا جميعا، فرجال الأمن حماة الوطن وحراسه والساهرون على ثغوره، إن رجال الأمن مصدر الفخر والاعتزاز، إنهم بفضله وتوفيقه حماةُ الدين وحماة مهبط الوحي، وسيظلون تاج الرؤوس ومصدرَ طمأنينة النفوس.

    أيّها المسلمون، وإنّ مسؤوليةَ مواجهة هذه الفئةِ الضالةِ هي مسؤولية الجميع، كلٌّ حسبَ موقعه، فالإحساسُ بالخطر على الدّين والأهل والدّيار والفُرقة والفوضى هو الأمر الذي يجب أن يستشعرَه الجميع.

    حَمَى اللهُ تَعَالَى بِلَادَنَا وَبِلَادَ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَمَكْرُوهٍ، وَأَدَامَ عَلَيْنَا وَعَلَى المُسْلِمِينَ الْأَمْنَ وَالِاسْتِقْرَارَ، إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ

    اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًّا وسائر بلاد المسلمين.

    اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفِّق وليَّ أمرنا خادمَ الحرمين الشريفين لما تحبُّ وترضَى، وخُذ به للبرِّ والتقوى، اللهم وفِّقه ووليَّ العهد لما فيه صلاح البلاد والعباد، اللهم انصُر جنودَنا المُرابِطين على حُدود بلادِنا، اللهم كُن لهم مُؤيِّدًا ونصيرًا، ومُعينًا وظهيرًا، وجازِهم بالحسنات والأجور، وأعِنهم على حمايةِ الثُّغور، ووفِّق جميعَ رجال أمنِنا في كل مكان

    اللَّهُمَّ مَنْ قَصَدَ الْمُسْلِمِينَ بِالْقَتْلِ وَالتَّرْوِيعِ، وَرَامَ الْإِفْسَادَ فِي بِلَادِهِمْ، وَالتَّخْرِيبَ فِي أَوْسَاطِهِمْ فَاهْتِكْ سِتْرَهُ، وَاكْشِفْ أَمْرَهُ، وأَهْلِكُهُ قَبلَ فِعْلِهِ وَاكْفِ الْمُسْلِمِينَ شَرَّهُ; إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

    اللهم اغفر لرجالِ أمنِنا وارحمهم وتقبَّلَهم في الشُّهداءِ اللهم جازِهم بالحسناتِ إحساناً وبالسيِّئاتِ عفواً وغفراناً . اللهم اجزِ الأحياءَ منهم عنا خيرَ الجزاءِ وأفرغ عليهم الصَّبرَ والعطاءَ .. واحفظهم من بين أيديهم ومن بين أيديهم ومن خلفِهم ومن عن أيمانِهم وعن شمائلِهم ومن فوقِهم ونعوذُ بعظمتِهم أن يُغتالوا من تحتِهم

    اللهم اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، ويسِّر أمورنا، وبلِّغنا فيما يُرضِيك آمالنا، ربنا اغفر لنا ولوالدينا ووالديهم وذرياتهم، إنك سميع الدعاء.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين

جميع الحقوق محفوظة لموقع خطباء © 2019