• 29 يونيو، 2018 الساعة 6:51 ص
    أبو ناصر فرج الدوسري
    خطبة جمعة: أحكام قضاء الصلوات الفائتة

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أنَّ الله تعالى، جعل مَن طبيعة البشرِ السهوُ والنسيان، وقد حصل ذلك لنبيِّنا ﷺ حيث قال: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ) (البخاري 401، ومسلم 1311).

    وأكثر ما يكون السهو والنسيان في الصلاة، لكثرتها وحرصِ الشيطان على إبطالها، وقد حُفظ عن النبيِّ ﷺ أنه سها في صلاته في خمسةِ مواضع.

    عبادالله: اعلموا أن قضاء مافات من الصلوات واجب لقول النبي ﷺ: (مَن نسي صلاةً، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي).

    واعلموا أنه لا خلاف بين الفقهاء في وجوب القضاء على النائم والناسي، فهذا أجمع عليه العلماء.

    أما الناسي؛ فلقولُ النبي ﷺ: (مَنْ نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرهَا، وَلا كَفَّارَةَ لَهَا إلاَّ ذَلِكَ)، وأما النائم؛ فلِمَا روي أن النبي – ﷺ- قال: (إِنَّهُ لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ، فَإِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ صَلاَةً، أَوْ نَامَ عَنْهَا، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا)، وبناءً على ذلك؛ فلا إثم على الناسي أو النائم في حالة القضاء، ويستثنى من ذلك من يتعمد النوم عن الفريضة أو كانت عادته أن ينام عنها فهذا في خطر عظيم.

    أما من يتعمد ترك الصلاة فجمهور العلماء على وجوب القضاء عليه مع الإثم، وذلك مستفاد من مفهوم الخطاب؛ حيث إن وجوب القضاء على الناسي والنائم مع سقوط الإثم عنهما ورفع الحرج، يدل على وجوبه على العامد من باب أولى، ويكون ذلك من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى.

    وهذا يؤيِّده عموم قوله ﷺ: (فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى).

    اما كيفية قضاء الفوائت: فالأصل في القضاء أن يكون مماثلاً للأداء، وعلى ذلك فإن الأصل أن نقضي الفائتةَ بنفس صفة أدائها، فإذا فاتت وهو في سفر وذكرها في السفر صلاها ركعتين، مثلًا نسي الظهر يوم الثلاثاء وذكرها في يوم الأربعاء وهو بالسفر ما زال في السفر يصليها ركعتين لأنه تركها في السفر وذكرها في السفر فيصليها ركعتين.

    أما إذا فاتته صلاة وهو في السفر وتذكرها في الحضر فإنه يؤديها أربعاً، فإذا نسيها في السفر أو نام عنها فلم يتنبه إلا بعدما جاء بلده فإنه يصليها تامة كاملة في الحال ولا يؤخر، لأنه ذكرها حين وجبت عليه الصلاة تامة فيصليها أربعًا.

    ولو فاتته صلاةٌ في حالة الإقامة ثم سافر، فإنه يُتِمُّها أربعًا؛ لأن العبرة بوقت الوجوب، فيصليها أربعاً في السفر إذا ذكرها، إن كان قد نسيها فإنه يصليها أربعاً إذا ذكرها في السفر، وهكذا صلاة السفر إذا ذكرها في الحضر فإنه يصليها أربعاً، ومَن فاتته صلاة سريَّة قضاها كذلك، أو جهرية فكذلك.

    ومن نسي الصلاة حتى دخل وقت الصلاة الثانية، ثم ذكرها فله ثلاثة أحوال:

    1- أن يتذكر الصلاة الفائتة قبل أن يبدأ في الصلاة الحاضرة، فيجب عليه حينئذٍ أن يبدأ بالصلاة الفائتة، ثم يُصلي الصلاة الحاضرة.

    2- أن يصلي الصلاة الحاضرة ويتمها ثم يتذكر أن عليه صلاة فائتة لم يصلها، فإن الصلاة الحاضرة صحيحة ويصلي الصلاة الفائتة فقط. وهو معذور في عدم الترتيب بالنسيان.

    3- أن يتذكر أثناء الصلاة الحاضرة أنه لم يصلِّ الصلاة السابقة (الفائتة) فإنه يتم الحاضرة وتكون نفلاً، أو يقطع صلاته، ثم يصلي الفائتة، ثم يعيد بعدها الحاضرة محافظة على الترتيب. المغني (2/336-340).

    ويستحب قضاء الصلاة الفائتة في جماعة، وقد فعل الرسول ﷺ ذلك حين فاتته أربع صلوات يوم الخندق، وقد مر الحديث الدال على ذلك.

    رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : (حُبِسْنَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ حَتَّى ذَهَبَ هَوِيٌّ مِنْ اللَّيْلِ حَتَّى كُفِينَا وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلَالًا فَأَمَرَهُ فَأَقَامَ الظُّهْرَ فَصَلَّاهَا وَأَحْسَنَ، كَمَا تُصَلَّى فِي وَقْتِهَا ثُمَّ أَقَامَ الْعَصْرَ فَصَلَّاهَا كَذَلِكَ ثُمَّ أَقَامَ الْمَغْرِبَ فَصَلَّاهَا كَذَلِكَ ثُمَّ أَقَامَ الْعِشَاءَ فَصَلَّاهَا كَذَلِكَ)

    هذا ولا يصح تأخير الصلاة الفائتة لصلاتها مع مثيلتها إنما يصليها عندما يذكرها.

    الخطبة الثانية

    الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه (صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه) وسلم تسليما كثيرا.

    أما بعد: فقد تحدثنا عن أحكام قضاء الفوائت من الصلاة في حال فاتته الصلاة كلها ولكن ماذا لم فاتتك ركعات من الصلاة؟

    وهو ما يسمى بالْمَسْبُوقُ، والْمَسْبُوقُ هُوَ مَنْ سَبَقَهُ الإِمَامُ بِكُلِّ الرَّكَعَاتِ أَوْ بَعْضِهَا.

    من أحكام المسبوق:

    1. يستحب للمسبوق إذا جاء للمسجد أن يأتي بسكينة ووقار، قال ﷺ: (إِذَا سَمِعْتُمْ الْإِقَامَةَ، فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ، وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ، وَلَا تُسْرِعُوا، فَمَا أَدْرَكْتُمْ، فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا) رواه البخاري (600).

    وقد استثنى بعض أهل العلم: إذا خشي فوات الجماعة، فله أن يسرع سرعة يسيرة؛ لكي يدرك الجماعة.

    1. المسبوق لا يعتبر مدركاً للجماعة، إلا إذا أدرك ركعة من الصلاة، والركعة إنما تدرك بإدراك الركوع، لحديث النبي ﷺ: (مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ) اخرجه مسلم.
    2. المسبوق إذا أدرك الإمام راكعاً، فإنه يَجِبُ عليه أَنْ يُكَبِّرَ لِلْإِحْرَامِ قَائِمًا حَيْثُ يَجِبُ الْقِيَامُ، وَكَذَا الْمَسْبُوقُ الَّذِي يُدْرِكُ الْإِمَامَ رَاكِعًا يَجِبُ أَنْ تَقَعَ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ بِجَمِيعِ حُرُوفِهَا فِي حَالِ قِيَامِهِ، فَإِنْ أَتَى بِحَرْفٍ مِنْهَا فِي غَيْرِ حَالِ الْقِيَامِ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ فَرْضًا، بِلَا خِلَافٍ.
    3. إذا جاء المسبوق والإمام راكع، فالأحوط أن يكبر تكبيرتين: الأولى للإحرام والثانية للركوع، فإن كبر للإحرام فقط وهو قائم، ثم ركع من غير أن يكبر للركوع، أجزأه ذلك على الصحيح من أقوال أهل العلم.

    5.إذا أدرك المأموم الإمام راكعا: أجزأته الركعة، ولو لم يسبح المأموم إلا بعد رفع الإمام.

    1. يجوز للمسبوق أن يصلي خلف الصف وحده، إذا لم يجد في الصف الذي قبله مكاناً له.
    2. إذا جاء المسبوق بعد الركوع الأخير، فإن الأفضل في حقه أن يدخل مع إمامه، ولا ينتظر جماعة أخرى.

    أن ما يدركه المسبوق مع إمامه، هو أول صلاته، فلو أدرك المسبوق مع الإمام الركعة الثانية من صلاة المغرب مثلاً، فهذه الركعة تعتبر الثانية للإمام، والأولى للمأموم.

    فإذا أدرك مع الإمام ركعتين من العشاء فإنها تكون أول صلاته، فإذا سلم الإمام يقوم يأتي بالركعتين الأخيرتين، يقرأ فيهما الفاتحة سرًا؛ لأنها آخر صلاته.

    وهكذا إذا أدرك واحدة من المغرب فإن الثنتين الأخيرتين هما آخر صلاته، فالأولى يقرأ فيها الفاتحة وسورة أو آيات ويجهر بعض الشيء جهراً لا يشوش على من حوله، والأخيرة يقرأ فيها الفاتحة سراً؛ لأنها هي المكملة لصلاته.

    ومن أدرك ركعة من صلاة الجمعة مع الإمام فإنه يقوم ليأتي بالركعة الثانية بعد سلام الإمام، وصلاة الجمعة صلاة جهرية فيشرع له أن يجهر في قراءته في الركعة الثانية وكذلك صلاة الفجر.

    والمسبوق لا يكون مدركاً لصلاة الجمعة، إذا فاته الركوع في الركعة الثانية، وعليه، فإذا جاء بعد رفع الإمام في صلاة الجمعة من الركوع في الركعة الثانية، فقد فاتته الجمعة فيدخل مع الإمام ويتمها ظهرًا أربع ركعات بعد تسليم الإمام.

    والأحوط للمسبوق، أن لا يقوم لقضاء ما فاته من الصلاة، إلا بعد أن ينتهي الإمام من التسليمة الثانية.

    أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يفقهنا في صلاتنا، وأن يعيننا وإياكم على تصحيحها، وأن يتجاوز عما وقعنا فيه من أخطاء، وأن يفقهنا وإياكم في ديننا، وأن يتقبل منا.

    هَذَا وَصَلُّوْا وَسَلِّمُوْا رحمكم الله على خير البرية وأزكى البشرية، صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بذلك في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمدٍ، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن جميع الآلِ والصحابةِ والتابعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.

    اللهم اجعلنا مقيمي الصلاة ومُنَّ علينا بالتوفيق لما تحب وترضى يا أرحم الراحمين واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين إنك أنت الغفور الرحيم.

    اللهم اجعلنا من الغانمين في صلاتنا الخاشعين المفلحين الذين تنهاهم صلاتهم عن الفحشاء والمنكر

    اللهم عظم قدر الصلاة في قلوبنا واجعلنا من عبادك الركع السجود

    اللهم انصر الإسلام والمسلمين، اللهم أمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا.

    ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ

    ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا

    ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ

    ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا

    عباد الله ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

    https://docs.google.com/document/d/1upJrc1gqkyIWE85bZBVeIwiwmaPD84aJBnR2xm4W_EM/edit?usp=sharing

    http://fnaldossary.blogspot.com/2018/06/blog-post_28.html

جميع الحقوق محفوظة لموقع خطباء © 2019