• 28 يونيو، 2018 الساعة 11:51 م
    محمد بن سامر
    الشباب والانحراف-2–21-10-1439هـ-عبدالله الطوالة-الملتقى-بتصرف
    أما بعد: فالوصيةُ بتقوى اللهِ، وَصِيَّةِ اللهِ لَلأَوَّلَيْنِ وَالآخَرِيْنِ ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾.
         وبعد: فقد وصى النبيُ-صلى اللهُ عليه وآلهِ وسلمَ-ابنَ عمِه عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ-رضي اللهُ عنهما-فقال: “يا غلامُ! احفظِ اللهَ يحفظْك، احفظِ اللهَ تجده أمامَك، تعرفْ إلى اللهِ في الرخاءِ يعرفْك في الشدةِ، إذا سألتَ فاسألِ اللهَ، وإذا استعنتَ فاستعنْ باللهِ، واعلمْ أنَّ الأمةَ لو اجتمعتْ على أنْ ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبُه اللهُ لك، وإن اجتمعوا على أنْ يضروك بشيءٍ لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك…”.
    والنفسُ إنْ لمْ تشغلْها بالحقِ شغلتْك بالباطلِ، والشابُ إنْ لمْ ينشغلْ بالخيرِ وبما ينفعُه تخطفتْه الأفكارُ المهلكةُ المدمرةُ، وعاشَ في دوامةٍ من التُرهاتِ والتوافهِ، ومن المعلومِ أن مشاعرَ الخوفِ والقلقِ والسوءِ لا تغزوا النفسَ الإنسانيةَ إلا حينما تكونُ فارغةً غيرَ مشغولةٍ.
          إن حبَّ الشهواتِ، وإيثارَ الملذاتِ، والركونَ للراحةِ والكسلِ، هو الذي يُسْقِط الهِمَمَ، ويُفَتِّرُ العزائمَ، فكم من فتيانٍ يتساوون في نباهةِ الذهنِ، وذكاءِ العقلِ، وقوةِ البصيرةِ، ولكن قويَّ الإرادةِ منهم، وعاليَ الهمةِ فيهم، ونفَّاذَّ العزيمةِ بينهم، هو الكاسبُ المتفوقُ، يجدُ ما لا يجدون، ويبلغُ من الخيرِ ما لا يبلغون، بل إنَّ بعضَ الشبابِ قد يكونُ أقلَ إمكانيةً وأضعفَ وسيلةً؛ ولكنه يفوقُ غيرَه بقوةِ الإرادةِ وعلوِ الهمةِ والإصرارِ على النجاحِ والتفوقِ.
         وإنَّ قويَ العزيمةِ منْ تكونُ إرادتُه تحت سلطانِ دينهِ وعقلِه، وليس عبدًا لشهواتِه، فتَعِس عبدُ الشيطانِ وعبدُ نفسِه، وعبد هواه ودنياه.
         واعلموا أنَّ من القواعدِ في التعاملِ مع الأبناءِ:
         أولًا: أن نوقنَ أن الهدايةَ ليست بأيدينا، بل بيدِ اللهِ وحدَه، وأنه ليس بأيدينا إلا النصحُ والإرشادُ فقط، ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾، فلا نوحٌ-عليه السلامُ-استطاعَ أنْ يهديَ ابنَه، ولا إبراهيمُ-عليه السلامُ-استطاعَ أنْ يهديَ أباه، ولا لوطٌ-عليه السلام-استطاعَ أنْ يهديَ زوجتَه، ولا نبينُا-عليه وآله الصلاةُ والسلامُ-استطاع أنْ يهديَ عمَه وصناديدَ قومِه.
         ومهما أتقنا فنونَ التعاملِ، ومهما تفننا في أساليبِ النصحِ والإرشادِ، فإننا لا نملكُ من الأمرِ شيئا، بل اللهُ وحدُه مالكُ القلوبِ، ومقلبُها كيف يشاءُ، أما نحنُ فمجردُ أسبابٍ شرعَها اللهُ-عزَّ وجلَّ-لِيصلُحوا ويهتدوا-إذا شاءَ هو-سبحانه-، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، هذه هي سنةُ اللهِ الكونيةُ، ودورُنا المطلوبُ منا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وهو ما ينبغي أنْ نتذكرَه جيدًا، لأن هذا هو الذي يحملنا على الاجتهادِ بالدعاءِ فهو وحدَه-تعالى-الهادي والمصلحُ، وقلوبُ العبادِ جميعًا بين أُصبعين مِنْ أصابعِه-سبحانه-، فمنْ شاءَ أقامَه، ومن شاء أزاغَه، ولقدْ قالَ اللهُ-تعالى-لخيرِ خلقِه وأحكمِهم في الدعوةِ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾، ولْيتصدقِ الداعي قبلَ دعائِه بصدقةٍ، بنيةِ هدايةِ من يدعو لهم وإصلاحِهم، قال-صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلمَ-: “داوُوا مرضاكم بالصدقةِ”، والعاصي مريضُ القلبِ.
         ثانيًا: التعاملُ الحسنُ بإظهارِ الودِ والمحبةِ للأولادِ ذكورًا أو إناثًا، وتحري الأوقاتِ والأحوالِ المناسبةِ لتوجيهِهم، يُسهمُ في تعديلِ سلوكِهم إلى الأفضلِ والأحسنِ.
         ثالثًا: يجبُ على الأبناءِ أن يتحلوا بالخلقِ الحسنِ والاحترامِ والتقديرِ، ويجبُ على الآباءِ أن يتحلوا بالرحمةِ والحكمةِ، والاعتدالِ والإنصافِ، والصبرِ الجميلِ.
         رابعًا: أن نتفقَ نحن وهم على ما لا نزاعَ فيه بيننا وبينهم، وهو ضرورةُ التحلي بالأخلاقِ والقيمِ التي يرضاها ربُ العالمين منا ومنهم، وليس المطلوبُ منهم أنْ يكونوا نُسخةً منا، ولا أنْ نكونَ نسخةً منهم.
         خامسًا: يجب أن نعيَ أهميةَ تربيةِ النفسِ على ثقافةِ الممكنِ، فمهما ساءتِ الأُمورُ، وطالَ الزمنُ، ولم يظهرْ صلاحُهم، فلا يأسَ ولا قنوَط، بل تفاءَلٌ وصبرٌ وأملُ، وانتظارُ الفَرَجِ عبادةٌ.
         أستغفرُ اللهُ …
    الخطبة الثانية
         أما بعد: فالقرآنُ العظيمُ يقدم لنا نموذجًا مثاليًا في تقديمِ النصحيةِ: فقدْ حكى لنا عن لقمانَ الحكيمِ-رحمه اللهُ-وكيف بدأَ بالنداءِ المحببِ: يا بُـنَيَّ، وبدأ بالأهمِ بالتوحيدِ: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، ثم ذكرَّه بمراقبةِ اللهِ له: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أو في الأرض يأت بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾، ثم ينصحُه بالواجباتِ المفروضةِ: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾، وتأملْ كيفَ يكررُ عليهِ: يا بُـنَيَّ.. يا بُـنَيَّ..، ثم يحذرُه من الأخلاقِ السيئةِ: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾، ثم ينصحُه بالأخلاقِ الحسنةِ: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ فأسألُ اللهَ-تعالى-لنا وللمسلمين أن يهبَ لنا ولهم من الأزواجِ والذُرياتِ قرةَ أعينٍ، شاكرين للهِ، صالحينَ، مقيمينَ للصلاةِ، طيبين.
         يا ابنَ آدمَ، عشْ ما شئتَ فإنك ميتٌ، وأحبِبْ من شئتَ فإنك مفارقُه، واعمل ما شئتَ فإنك مجزيٌ به، البرُ لا يبلى، والذنبُ لا يُنسى، واللهُ لا يموت، وكما تدين تُدان.
جميع الحقوق محفوظة لموقع خطباء © 2019