• 31 مايو، 2018 الساعة 8:03 م
    صالح العويد
    وانتصف الشهر

    الحمد الله الواحدِ القهّار، وعد المتّقين جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار، وأوعد الزائغين عن شريعته عذابَ السعير وبئس القرار وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له شهادةً نرجو بها حطّ الخطايا والأوزار، وأشهد أن نبيّنا محمدًا عبد الله ورسوله المصطفى المختار، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه المخصوصين بالتوقير والإكبار، ومن تبعهم بإحسان ما تعاقبَ غروبٌ وإسفار.

    أما بعد: تقوى الله  وصية الله لنا ولمن كان قبلنا ،  وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ  فلنتق الله ـ أحبتي في الله ـ جعلني الله وإياكم من عباده المتقين .

    أيها المسلمون: ها نحن نودع النصف الأول من رمضان، وثمت حديث يخالج النفس في ثنايا هذا الوداع، تُرى ماذا حُفظ لنا؟ وماذا حُفظ علينا؟. إن ثمت وقفات تبعثها النفس في غمار هذا الوداع .إن حرارة الفرحة التي عشناها في مقدم رمضان تُسائلنا: هل لا زالت قلوبنا تجل الشهر وتدرك ربيع أيامه؟ أم أن عواطفنا عادت كأول وهلة باردة في زمن الخيرات، ضعيفة في أوقات الطاعات؟. ورحم الله سلفنا الصالح فلكأنما تُقص سيرهم علينا عالماً من الخيال حينما نسمع ونقرأ بعض سيرهم لقد باشر الصالحون ليالي رمضان بصفاح وجوههم، وقيام أبدانهم، عيونهم من رهبة الله تدمع، قلوبهم من خوفه تلين وتخشع، يعبدونه في ظلمة الليل والناس ضُجَّع، قومٌ أبرار، ليسوا بأثمة ولا فُجار النبي صلى الله عليه وسلم يقوم الليل حتى تتفطر قدماه من طول القيام :و قال الأوزاعي: كانت لسعيد بن المسيب فضيلة لا نعلمها كانت لأحد من التابعين، لم تفته الصلاة في جماعة أربعين سنة، عشرين منها لم ينظر إلى قفى إنسان – أي في الصف الأول-.وكانت امرأة مسروق تقول: والله ما كان مسروق يصبح ليلة من الليالي إلا وساقاه منتفختان من طول القيام، وفي ظل هذه الأخبار تُرى كم من صلاة في الجماعة ضاعت في رمضان؟ وكم من نافلة في صراع الأعمال تاهت في رمضان؟

    أيها المسلمون: هل مازلنا نمارس نوعاً من الجهالة في معاملة ربنا؟

    إن خلوات الليل أياً كانت في نظرك، فهي في منظورها الصحيح هتك للستر الذي بينك وبين الله تعالى، ونسيان لمعاني الربوبية التي اتصف بها ربك، ومكابرة من مخلوق ضعيف لا يملك شيئاً أمام جبروت الرب، وسلطان الخالق، وقهر الواحد الأحد. يا قوم الذنوب جراحات وربّ جرح وقع في مقتل تُرى كم من لحوم إخواننا هتكناها بأنيابنا في رمضان؟ تُرى كم هي الخيانة التي عاثتها أعيننا في رحاب المحرّمات في رمضان؟ كم خطّت أقدامنا من خطوٍ آثم في رمضان؟ كم وكم من عالم الحرمات هُتّكت فيه الأسوار بيننا وبين الخالق في رمضان؟ وكلها في رمضان!

    عباد الله الكمال في البشر محال ، فمن الذي لم تصدر منه زلة ؟

    من الذي لم يقع في معصية ؟ من ذا الذي ما ساء قط ؟ ومن له الحسنى فقط ؟ كل ابن آدم خطّاء ومن ذا الذي يتألى على الله ألّا يغفر ذنوب عباده ؟

    فالله عليم بعجزنا وضعفنا ، الله عليم بفقرنا ، ونقصنا ، ، ففتح لعباده أبواب الرجاء في عفوه ، والطمع في رحمته ومغفرتهإعلم يا عبدالله أن فُرص التوبة لا تتكرر، وقد يحول الله تعالى بينك وبين التوبة جزاء التسويف والتأخير، وما يدريك فمن جعلته أصغر الناظرين إليك، قد يرصد لك في وقت غفلة، ويرديك في وقت جذوة، فالله الله في زمن المهلة، فلا شهر أعظمُ من شهر التوبة ! ورغم أنف من أدرك رمضان ولم يغفر له أيام رمضان تاج على رأس الزمان، من رُحم فيها فهو المرحوم، ومن حُرِم خيرها فهو المحروم، ومن لم يتزوَّد من عامه فيها فهوَ الظلوم الملوم،فقوموا بحق شهركم، واتقوا الله في سرِّكم وجهركم، واعلموا أن عليكم ملكين يصحبانكم طول دهركم، ويكتبان كل أعمالكم، فلا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفى عليه أسراركم. هذا أوان التوبة والاستغفار، والأوبة والانكسار، والتضرع والافتقار، هذا زمان إقالة العثار، وغفران الأوزار، هذا شهر الإنابة، هذا رمضان الإجابة من الكريم لمن طرق بابه، يقول الله في كتابه العظيم، وكلامه البليغ الوجيز: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً [التحريم:8]. اقصدوا باب التوبة تجدوه مفتوحاً، وابذلوا ثمن الجنة بدنا وروحاً، وأقبلوا على الله ما دام الأجل مفسوحاً.يا عبد الله، لو بلغت ذنوبك كثرةً عنان السماء، وما انتهى إليه البصر من الفضاء، حتى فاتت العد والإحصاء، لو بلغت ذلك تُبْ ولا تتردد، فإن الله يتوب على التائب، ويغفر زلل الآيب، يقول رسول الله  في الحديث القدسي: ((قال الله تعالى: يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة)) وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها)) [أخرجه مسلم].أيها المسلمون: رحل النصف الأول من رمضان، ولئن كنا فرطنا فلا ينفع ذواتنا بكاء ولا عويل، وما بقي أقلَ مما فات، فلنُري الله من أنفسنا خيراً، فالله الله أن يتكرر شريط التهاون، وأن تستمر دواعي الكسل، فلقيا الشهرمرة أخرى غير مؤكدة، ورحيل الإنسان مُنتظر، والخسارة مهما كانت بسيطة ضعيفة فهي في ميزان الرجال قبيحة كبيرة. رحل النصف الأول وبين صفوفنا الصائم العابد، الباذل، المنفق، الجواد، نقي السريرة، طيب المعشر، فهنيئاً له رحلة النصف بخيرات كهذه. ورحل النصف الأول وبين صفوفنا صائم عن الطعام والشراب، يبيت ليله يتسلى على أعراض المسلمين، وتقامر عينه شهوة محرمة يرصدها في ليل رمضان، رحل النصف الأول وبين صفوفنا من فاتته صلوات وجماعات، وقد آثر النوم والراحة على كسب الطاعة والعبادة، رحل النصف الأول وبين صفوفنا بخيل شحيح، أسود السريرة، سيء المعشر، دخيل النية، فأحسن الله عزاء هؤلاء جميعاً في عشرهم الأول، وجبرهم في مصيبتهم، وأحسن الله لهم استقبال البقية، وجعلهم في ما يستقبلون خيراً مما ودّعوا. والله المسؤول أن يصلح نياتنا، وأن يغفر لنا. بارك الله لي ولكم في الوحيين، ونفعني وإياكم بهدي سيّد الثقلين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

     

     

     

     

    الحمد لله، لا يُرجَى إلا خيرُه، ولا يخشَى إلا ضره، ولا إله لنا غيرُه، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير البريّة وهادي البشريّة نبينا محمّد عليه وعلى آله وصحبه أزكى سلام وأوفى تحيّه، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد: فاتقوا الله ـ عباد الله ـ ما استطعتم، وتدارَكوا بالتوبة النصوحِ ما فرَّطتُم. يجيء أبو بكر الصديق هذا الصحابي الكبير الجليل عند الله وعند رسوله e وعند المؤمنين ، يجيء هذا الصحابي إلى رسول الله e قائلاً : يا رسول الله علّمني دعاءً أدعو به في صلاتي . فيا ترى ما هذا الدعاء الذي يتناسب مع مقام أبي بكر الذي خلد الله ذكره فقال ثاني اثنين إذ هما في الغار؟ وإذا برسول الله e يقول لأبي بكر قل : «اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ» رواه البخاري .

    أبو بكر ظلم نفسه ظلماً كثيراً ماذا يقول أمثالنا ؟

    ماذا يقول من تغشّاه الذنوب والخطايا من رأسه لأخمص قدميه ؟

    أيها المسلمون، بالثناء على الله، والإقرار بالذنب والاعتراف، والإقلاع عن الذنب والعزم على عدم العود يمحو الله الاقتراف، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، فبادروا بالمتاب قبل أن يحلّ الموت بالباب، فيومئذ لا يمد لكم في الأجل، وما فات منكم لا عِوض عنه ولا بدل، ولا تنفع يومئذ العلَل ولا الحِيَل. هذا، وصلّوا وسلِّموا على النبيّ المصطفى والخليل المجتبى نبيّكم محمّد نبيّ الهدى، فقد أمركم بذلك المولى جلّ وعلا فقال قولا كريمًا: إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمّد، وعلى آله وأزواجه الطيّبين الطاهرين، وارضَ اللهمَّ عن الخلفاء الأربعة الراشدين وعلى أصحابه الغرّ الميامين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.اللهم اعز الاسلام والمسلمين واذل الشرك والمشركين ودمر اعداء الدين واجعل اللهم هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين يؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر وتقال فيه كلمة الحق لا يخشى قائلها في الله لومة لائم اللهم آمنا في أوطاننا واصلح ائمتنا وولاة امورنا اللهم أحفظ ووفق إمامنا لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، اللهم أعنه على أمور الدين والدنيا، اللهم انصر به دينك واجمع به كلمة المسلمين يا رب العالمين، اللهم وفق بطانته لما فيه الخير للإسلام والمسلمين إنك على كل شيء قدير اللهم من اراد بالاسلام والمسلمين او اراد بلادنا وولاتناوعلمائنابسوء اللهم اشغله بنفسه ورد كيده في نحره اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم، يا قوي يا عزيز كن للإسلام و المسلمين في كل مكان اللهم انصرهم و اجمع شملهم ووحد كلمتهم ، و ادحر عدوهم و أذله و اجعله غنيمة سائغة للمسلمين 0اللهم إنك تعلم ما يحل بإخواننا في كل مكان اللهم إنك ترى مكانهم، وتسمع كلامهم، وتعلم حالهم، ولا يخفى عليك شيء من أمرهم اللهم ارفع البأس والضر عنهم واجعلْ لهم فرجاً و مخرجاً، اللهم واحقنْ دماءَهم، واحفظْ أعراضَهم، وآمنْهم في أوطانِهم، اللهم يا جبارُ يا قهارُ قاتلْ المتجبرينَ الفجارَ، اللهم خذْهم أخذَ عزيزٍ مقتدر

    اللهم أصلح شباب المسلمين وشاباتهم واحفظنا وإياهم ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم.اللهم اغفرللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياءمنهم والأموات ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

    عباد الله 🙂 إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

جميع الحقوق محفوظة لموقع خطباء © 2019