• 31 مايو، 2018 الساعة 5:02 ص
    أبو ناصر فرج الدوسري
    خطبة: العشر الأواخر وليلة القدر

    اما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله وطاعته، واغتنام شهر التقوى بتحصيل أعلى درجاتها ونيل أسمى مراتبها فإنها خير زاد وأرجى ذخر، قال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ

    أَيُّهَا المُسلِمُونَ، ماهي إلا أيام وتدخل أيامٌ هي خَيرِ أيام رَمَضَانَ وَيَا للهِ كَم فيهَا مِن عَتِيقٍ مِنَ النِّيرَانِ! وَكَم فِيهَا مِن خَسَرَانَ! وَالمُوَفَّقُ مَن وَفَّقَهُ اللهُ وَأَعَانَهُ، وَالمَخذُولُ مَن وُكِلَ إِلى نَفسِهِ فَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَشَيطَانَهُ.

    أَلا وَإِنَّ ممَّا اعتَادَهُ بَعضُ النَّاسِ لِقِلَّةِ الفِقهِ وَسُوءِ الفَهمِ، أَن يَنشَطُوا في أَوَّلِ الشَّهرِ، وَمَا إِن تَأتي العَشرُ الأَوَاخِرُ المُبَارَكَةُ، عَشرُ الرَّحمَةِ والخَيرَاتِ وَالحَسَنَاتِ المُضَاعَفَاتِ، حَتى تَكُونَ طَاقَتُهُم قَد نَفِدَت، وَيُخلُوا المَسَاجِدَ بَعدَ عِمَارَتِهَا، وَيَهجُرُوا المَصَاحِفَ بَعدَ وَصلِهَا، وَيبخلوا في الصَّدَقَاتِ بَعدَ حِرصٍ عَلَيهَا، وَيُقصِرُوا عَنِ الخَيرِ بَعدَ بَذلِهِ، وَيَتَرَاجَعُوا بَعدَ تَقَدُّمٍ وَانتِظَامٍ، وَيَفتُرُوا بَعدَ اجتِهَادٍ، فمن كان يتصدق في بداية رمضان ويقرأ القرآن فالآن وقت الصدقات وقراءة القرآن والقيام فهي أفضل أيام رمضان، في حِينِ أَنَّ مِن فِعلِهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُضَاعِفُ العَمَلَ في العَشرِ الأَخِيرَةِ وَيَجتَهِدُ فِيهَا مَا لا يَجتَهِدُ في غَيرِهَا، ففي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنهَاـ قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَجتَهِدُ في العَشرِ الأَوَاخِرِ مَا لا يَجتَهِدُ في غَيرِهِ.

    وَفي الصَّحِيحَينِ عَن عائشة -رَضِيَ اللهُ عَنهَاـ قَالَت: كَانَ إِذَا دَخَلَ العَشرُ شَدَّ مِئزَرَهُ وَأَحيَا لَيلَهُ وَأَيقَظَ أَهلَهُ.

    هَكَذَا كَانَ نَبيُّ اللهِ وَخَلِيلُهُ وَصَفوَةُ خَلقِهِ، هَكَذَا كَانَ إِمَامُ المُتَّقِينَ وَسَيِّدُ العَابِدِينَ، هَكَذَا كَانَ المَغفُورُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، يَخلِطُ العِشرِينَ بِصَلاةٍ وَنَومٍ، فَإِذَا دَخَلَتِ العَشرُ شَمَّرَ وَشَدَّ المِئزَرَ؛ وَمَا ذَاكَ إِلاَّ لأَنَّهُ ﷺ أَعلَمُ النَّاسِ بِرَبِّهِ وَأَفقَهُهُم بما يَنزِلُ مِن الله مِنَ الخَيرِ، فَكَانَ لِعِلمِهِ بما في هَذِهِ العَشرِ مِنَ الأُجُورِ المُضَاعَفَةِ وَالحَسَنَاتِ المُتَكَاثِرَةِ يَجتَهِدُ اجتِهَادًا عَظِيمًا وَيَتَفَرَّغُ لِلطَّاعَةِ تَفَرُّغًا تَامًّا، حَتى إِنَّهُ كَانَ يَعتَكِفُ فِيهَا فَيَلزَمُ المَسجِدَ وَيَقطَعُ العَلائِقَ بِالخَلائِقِ، وما هذا إلا لأنها أيام عظيمة وهي أفضل أيام رمضان.
    والرابح فيها من وفقه الله للطاعة وتقبل منه، والخاسر فيها من انشغل عنها وفاتته بركاتها.

    وليالي رمضانَ مُبَشَّرٌ من قامَها بغُفرانِ الذّنوبِ، قالﷺ: (من قامَ رَمضانَ إيمانًا واحتسابًا غفِر لَه ما تقدَّم مِن ذَنبِه) متّفق عليه.

    ورمضان كله رَحْمَةٌ ومَغْفِرَةٌ، قالﷺ: (إنَّ لله عتقاءَ في كلِّ يوم وليلة، لكلِّ عبد منهم دعوةٌ مستجابة)، أي: في رمضان، وهذا حديث صحيح.

    أما ما يتناقله الناس أن رمضان (أَوَّلُهُ رَحْمَةٌ وَأَوْسَطُهُ مَغْفِرَةٌ وَآخِرُهُ عِتْقٌ مِنْ النَّارِ) فهذا الحديث ضعيف.

    وفقنا الله جميعا لاغتنام هذه الليالي المباركة، وجعلنا الله ممن وُفقوا لقيامها، وممن فازوا فيها بالأجر العظيم.

    ———-

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين.

    أما بعد فاتقوا الله ياعباد الله واعلموا أن القُرْءانُ الكَرِيمُ نَزَلَ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ كَما قالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ في لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ هَذِهِ اللّيْلَةُ المُبارَكَةُ هِيَ لَيْلَةُ القَدْرِ، ولَيْلَةُ القَدْرِ هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي قَالَ اللهُ تَعَالَى فِيهَا ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، أَيْ فِيهَا يُطْلِعُ اللهُ تَعالى مَلائِكَتَهُ الكِرامَ عَلى أَخْبارِ السَّنَةِ القابِلَةِ مِنْ إِماتَةٍ وَإِحْياءٍ، وَمَنْ مِنَ العِبادِ سَيَبْتَلِيهِمُ اللهُ تَعالى بِالمَرَضِ والفَقْرِ والبَلاءِ، وَمَنْ مِنْهُمْ يُنْعِمُ اللهُ عَلَيْهِمْ بِالصِّحَّةِ وَالغِنَى.

    وَبِهِ صَدَّرَ النَّوَوِيُّ كَلامَهُ فَقَال: قَالَ الْعُلَمَاءُ سُمِّيَتْ لَيْلَة الْقَدْر لِمَا تَكْتُبُ فِيهَا الْمَلائِكَةُ مِنْ الأَقْدَارِ.

    يَقُولُ رَبُّنا تَبارَكَ وَتَعالى ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ هِيَ لَيْلَةٌ عَظِيمَةُ الشَّأْنِ لاَ تَكُونُ إِلاَّ فِي شَهْرِ رَمَضانَ، وَلاَ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ لَيْلَةَ السَّابِعِ وَالعِشْرِينَ مِنْهُ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ أَيَّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيالِي رَمَضانَ، لَكِنْ لاَ تَخْرُجُ عَنْ رَمَضانَ وَالغالِبُ أَنَّهَا تَكُونُ فِي العَشْرِ الأَواخِرِ مِنْ رَمَضانَ.

    ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ فَمَنْ أَرَادَ إِحْياءَ لَيْلَةِ القَدْرِ فَلْيَتَهَيَّأْ بِالطَّاعَةِ عَلى النَّحْوِ الَّذِي أَمَرَ اللهُ تَعالى، يُحْيِيها بِذِكْرِ اللهِ، يُحْيِيهَا بِالاِسْتِغْفارِ، يُحْيِيهَا بِصَلاةِ التَّطَوُّعِ، يُحْيِيها بِتِلاوَةِ القُرْءانِ الكَرِيمِ، يُحْيِيهَا بالدعاء.

    بِماذا يَدْعُو إِخْوَةَ الإِيمانِ مَنْ رَأَى لَيْلَةَ القَدْرِ؟ اسْمَعُوا مَعِي إِخْوَةَ الإِيمانِ إِرْشادَ مُعَلِّمِ الخَيْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَدْ سَأَلَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْها رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا إِذَا رَأَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ بِمَ تَدْعُو، قالَ لَهَا: (قُولِي اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فَٱعْفُ عَنِّي)

    وقال ﷺ: (مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ).

    اللهم وفقنا للجد والاجتهاد في هذه العشر؛ وارزقنا الإخلاص والقبول، اللهم وفقنا لقيام ليلة القدر إيمانا واحتسابا. اللهم اجعلنا في هذه العشر من الفائزين.
    اللهم تقبل منا صيامنا وقيامنا صالح أعمالنا، وتجاوز عن سيئاتنا وتقصيرنا.

    هذا وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على إمام الصائمين وقدوة القائمين، كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وقال ﷺ: (مَن صلى علي واحدة، صلى الله عليه بها عشرًا)
    اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.

    اللهم أنصر إخواننا المستضعفين في فلسطين اللهم عليك باليهود الظالمين المعتدين

    اللهم أنصر إخواننا المستضعفين في كل مكان اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين

    اللهم اجعل بلدنا هذا آمنا مطمئنا وجميع بلاد المسلمين اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين،

    اللهم أصلح ولي أمرنا وولي عهده وارزقهم بطانة صالحة ناصحة وأبعد عنهم بطانة السوء، واحفظهم بحفظك وأيدهم بتأييدك واجعل عملهم في رضاك وأعز بهم الإسلام وأهله.

    اللهم انصر جنودنا ومن معهم في اليمن ومكنهم من رقاب عدوهم وردهم إلى أهلهم وأوطانهم سالمين غانمين.

    عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نِعَمِهِ يزدكم ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ

    http://fnaldossary.blogspot.com/2018/05/blog-post_29.html

جميع الحقوق محفوظة لموقع خطباء © 2019