• 17 مايو، 2018 الساعة 5:13 م
    عبدالله حمود الحبيشي
    استجاب الله دعاءنا .. فماذا أعددنا

    الخطبة الأولى*

    إنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ .. نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ .. وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا .. وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا .. مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ .. وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ .. وَأَشْهَدُ أَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ .
    (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) . نسأل الله أن يرزقنا التقوى في القول والعمل وفي السر والعلن ويجعلنا من عبادة المتقين .
    أما بعد: عباد الله : دعونا الله عز وجل أن يبلغنا رمضان فاستجاب الله لنا وبلغنا إياه .. فماذا أعددنا له .. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول (إنَّ جبريلَ عرض لي فقال : بعُد من أدرك رمضانَ فلم يُغفَرْ له) وفي رواية (رَغِمَ أنفُ امرئٍ أدرك رمضانَ فلم يُغْفَرْ له، فقلتُ : آمين) .. وها نحن نُدرك رمضان فماذا سنعمل فيه .. كم منا من أطلق الحسرات في نهاية رمضان العام الماضي ، وفاته أنه لم يفعل ولم يفعل وقد قصر .. ها نحن بحمد الله ندرك رمضان ونحن في أوله .. فهل فكرنا بمشروع يكون خاصا لرمضان هذا العام ؟ فرمضان من أفضل الأوقات لصناعة التغيير والتطوير والرقي بالنفس ، كيف لا هو موسم التغيير من العادة إلى العبادة ، ومن البعد إلى القرب ، ومن زحمة الدنيا ومشاغلها إلى روحانية الشهر وإيمانياته .. شهرٌ غلِّقت أبَوابُ النَّارِ فلم يُفتَحْ منها بابٌ وفُتِحت أبوابُ الجنَّةِ فلم يُغلَقْ منها بابٌ ، وينادى فيه يا باغيَ الخيرِ أقبِلْ ويا باغيَ الشَّرِّ أقصِر ، فحري أن يكون مختلف عن باقي الشهور وأن يكون حالنا فيه مختلف عن حالنا فيما سواه ..
    فما هو مشروعك أيها المسلم في رمضان .. والجواب عن هذا السؤال يجعلنا نعرف ماذا نريد وما هو هدفنا في هذا الشهر ونحدد أولوياتنا فيه .
    إن أول المشاريع بل أعظمها وأجلها هو التوبة النصوح الخالصة لله تبارك وتعالى .. فنقبل في هذا الشهر معلنين عزنا بالهداية ، وتميزنا بالاستقامة .. نعلن أننا أحرار من ضغط العادات والشهوات.. وأعظم ثمرة لهذا المشروع أن الله جل جلاله يفرح بنا .. وأي فضل وكرم يوازي فرح الله بالتائب .. يقول صلى الله عليه وسلم (للهُ أشدُّ فرحًا بتوبةِ عبدِه ، حين يتوبُ إليه ، من أحدِكم كان على راحلتِه بأرضِ فلاةٍ . فانفلتت منه . وعليها طعامُه وشرابُه . فأيس منها . فأتى شجرةً . فاضطجع في ظلِّها . قد أيس من راحلتِه . فبينا هو كذلك إذا هو بها ، قائمةٌ عنده . فأخذ بخطامِها . ثم قال من شدةِ الفرحِ : اللهم ! أنت عبدي وأنا ربُّك . أخطأ من شدةِ الفرحِ) .
    الله جل جلاله يفرح بتوبة العبد وهو الغني عنا .. يفرح فرحا شديدا بالتوبة .
    ومن المشاريع في هذا الشهر تجديد الصلة بالله تعالى : فكثير من الناس يعيش شعثاً في وقته وعبادته ، وصلته بالله تعالى ، فليس له وِرْد محدد : من صلاة نافلة أو صدقة أو قراءة قرآن ، أو بر وصلة ومعروف . فيمكن أن يكون المشروع الرمضاني في هذا العام توثيق الصلة بالله تعالى ، فنرتب وردا ثابتا لا نتنازل عنه في أيام الشهر ولياليه كلها ، ومن وفق لذلك سيجد من صفاء قلبه ، ورقة مشاعره وحياة روحه ما يسره ويسعده في دنياه وآخرته .. يقول اللهُ تعالَى في الحديث القدسي : أنا عندَ ظنِّ عبدي بي ، وأنا معه إذا ذكَرَنِي ، فإن ذَكَرَنِي في نفسِه ذكرتُه في نفسي ، وإن ذكَرَنِي في ملأٍ ذكرتُه في ملأٍ خيرٌ منهم ، وإن تقرَّبَ إليَّ شبرًا تقرَّبتُ إليه ذراعًا ، وإن تقرَّبَ إليَّ ذراعًا تقرَّبتُ إليه باعًا ، وإن أتاني يمشي أتيتُه هرْولةً
    ومن مشاريع الخير في رمضان تدبُّر كتاب الله تعالى (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) جل الصائمين إن لم يكن كلهم يحرصون في رمضان على قراءة القرآن ، فليكن مع القراءة التدبر ، والوقوف على معاني الآيات ، بحيث يجعل الإنسان لنفسه أوقاتاً محددة لهذا المشروع بعد أن يحدد له كتباً من كتب التفسير تعينه على تحقيق مشروعه .
    ومن المشاريع المباركة : المحافظة على السنن الرواتب التي كثيراً ما يحصل التفريط فيها طوال العام ، وكذلك المحافظة التامة على الوتر ، فيكون الوتر مع الإمام كل ليلة بداية للمحافظة عليه بقية العام .
    عباد الله .. ومهما يكن للصائم من مشروع فإن للآباء والأمهات مشروع لابد منه .. لأن القيام به لازم وواجب ، وهو مع هذا ربحه مضاعف .. إنه الحرص على الأبناء .. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) .
    ويقول عليه الصلاة والسلام كلُّكم راعٍ ومَسؤولٌ عن رَعيَّتِه ؛ والرَّجلُ في أهلِه راعٍ وهو مَسؤولٌ عن رَعيَّتِه، والمرأةُ في بيتِ زَوجِها راعيةٌ وهي مَسؤولةٌ عن رعيَّتِها .. فكما أنها مسؤولية وأمانة فهي أعظم أجرا ، فالأب والأم إذا أمروا الأبناء بالطاعة فلهم مثل أجورهم إذا فعلوها .. فليكن من مشاريعكم أيها الآباء والأمهات أمر الأبناء على الطاعة وخاصة الصلاة ، وفعل النوافل من قراءة القرآن وقيام التراويح ، والبعد ما أمكن عن الملهيات ، والتقليل منها في هذا الشهر .

    بعض الناس قد يكون عنده عادة سيئة ، أو سلوك غير مرغوب فيه، ورمضان من أفضل الفرص للتغيير ، فليكن المشروع هو ترك ذلك السلوك ، أو تلك العادة ، كالغضب مثلا أو النظر إلى الحرام ، أو شرب الدخان .. وذكر هذه الأمور للمثال وليس للتخصيص .. وتذكر قول الله (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) فابدأ بمشرع التغيير والترك والله عز وجل يعينك ويسهل أمرك .
    عباد الله .. هذه بعض مشاريع الخير في شهر الخير والبركة ، ويمكن للإنسان أن يكون له أكثر من مشروع ، فلا عُذرَ لأحدٍ في رمضان؛ إن لم يظفَر فيه ببابِ القِيام فليَظفَر ببابِ الصَّدقةِ ، فإن لم يستَطِع فببابِ التلاوةِ ، فإن لم يستطِع فببابِ الذكر ، فإن ثقلت عليه فإعانة المحتاجين وتفقد حوائجهم والقيام بشؤونهم ، فإن لم يستطِع فلا أقلَّ مِن أن يكُفَّ لِسانَه وجوارِحَه عمَّا يخدِشُ هذا الشهرَ ويثلِمُه.. فوالله ما أضيَعَ مَن ضيَّعَه! وما أخسَرَ مَن خسِرَه ﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ .
    نسأل الله أن يوفقنا لفعل الطاعات ، والإكثار من الصالحات ، وترك المنكرات ، والبعد عنها صغيرها وكبيرها ، هو ولي ذلك والقادر عليه

    الخطبة الثانية

    أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ ، وَاحْفَظُوا إِيمَانَكُمْ ، وَزِيدُوهُ بِالتَّفَكُّرِ وَالذِّكْرِ وَصَالِحِ الْأَعْمَالِ؛ فَلَا تَطِيبُ الْحَيَاةُ إِلَّا بِالْإِيمَانِ ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
    عباد الله .. يأتي رمضان هذا العام والأمة بأجمعها تمر بمتغيرات كبيرة ، وتحولات صعبه ، ولا يخلوا زمان من فتن ، ولكنها تكثر في وقت دون آخر ، وفي مكان دون غيره ، وهذا يستلزم من المسلم مزيدا من الثبات ، والتمسك بالدين ، واللجوء إلى الله ، ومن أنجح الوسائل للثبات والنجاة العبادة ، وهذا الشهر من أعظم المواسم للعبادة فلنتقرب إلى الله بالطاعات ، والحرص على الباقيات الصالحات ، فقد وعدنا الله وعدا لا يخلفه فقال تعالى في الحديث القدسي “وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ ممَّا افترضتُ عليه ، وما يزالُ عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنَّوافلِ حتَّى أُحبَّه ، فإذا أحببتُه : كنتُ سمعَه الَّذي يسمَعُ به ، وبصرَه الَّذي يُبصِرُ به ، ويدَه الَّتي يبطِشُ بها ، ورِجلَه الَّتي يمشي بها ، وإن سألني لأُعطينَّه ، ولئن استعاذني لأُعيذنَّه”
    وقال عليه الصلاة والسلام (افْعَلوا الخَيْرَ دَهْرَكُمْ ، و تَعَرَّضُوا لِنَفَحاتِ رَحْمَةِ اللهِ ، فإنَّ للهِ نَفَحاتٍ من رحمتِهِ ، يُصِيبُ بِها مَنْ يَشَاءُ من عبادِهِ ، و سَلوا اللهَ أنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِكُمْ ، و أنْ يُؤَمِّنَ رَوْعَاتِكُمْ) .
    نسأل الله كما بلغنا أول هذا الشهر أن يبلغنا آخره ويجعلنا فيه من الصائمين القائمين إيمانا واحتسابا وأن يرزقنا القبول
    اللهم أعنا على ذكرك وشكر وحسن عبادتك
    اللهم وفقنا في هذا الشهر الكريم للطاعات وعمل الصالحات والزيادة من الحسنات
    اللهم أجعله شهر عز ونصر وتمكين وفرج للمسلمين في كل مكان

    *استفدت من خطبة للشيخ ناصر الأحمد بعنوان ما هو مشروعك الرمضاني هذا العام

جميع الحقوق محفوظة لموقع خطباء © 2019