• 10 مايو، 2018 الساعة 10:15 م
    عبداللطيف بن عبدالله التويجري
    بين يدي الوافد الحبيب!
                                                             بين يدي الوافد الحبيب!
                                                                1439/8/24 ه
                                                              الخطـــــبـــــــــــــــــــــــــــة الأولى:
    أما بعدُ..
             في الأرضِ المقدسة.. أرضِ الأنبياءِ ومسرى نبيِّنا صلى اللهُ عليهِ وسلم، ومُهاجَرِ أبينا إبراهيمَ الخليلِ عليه الصلاةُ والسلامُ حلّتِ الملائكةُ ضيوفاً كرامًا على النبيِّ الكريم، والإمامِ العظيمِ حاملةً له البشرى، فراغَ أبُو الأنبياءِ إلى أهلِه مستبشرًا فرحًا فجاءَ بعجلٍ سمين، ليُؤَكِّـلَ أضيافَه الكرامَ فأطعمَهم أطيبَ مالِه(فما لبث أن جاء بعجل حنيذ)، ثُمّ ألقى الأضيافُ الكرامُ من الملائكةِ عليه البشرى التي أُرْسِلُوا بِها (وبشروه بغلام عليم) وفي هذه الزيارةِ الخالدةِ والضيافةِ الإبراهيميةِ الكريمة، يعلمُنا الخليلُ عليه الصلاةُ والسلامُ أنّ الضيافةَ والقيامَ بواجبِ الضيفِ والفرحِ به من الفطرةِ البشريةِ السوية، ثم جاءَ الكريمُ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ فقرّرَه وجعلَه من مكارمِ الإيمانِ (منْ كانَ يُؤْمِنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فليكرمْ ضيفَه) والحديثُ في الصحيحين. ومنَ المعلومِ أنه بقدرِ المحبةِ للضيفِ تعظمُ ضيافتُه ويعظمُ الاستعدادُ له؛ خاصةً إذا كانَ هذا الضيفُ عظيمَ القدر، كبيرَ النفع.
        تأخرَ مرةً على نبينِا محمدَ صلى اللهُ عليه وسلمَ جبريلَ فقالَ له عليهِ الصلاةُ والسلامُ والشوقُ يتقاطرُ منه: “ما جئْتَ حتى اشْتَقْتُ إلَيْك” فقال له جبريل:”وما نتنزل إلا بأمر ربك له مابين أيدينا وماخلفنا ومابين ذلك “.رواه الطبري، وهكذا دأبَ الصالحون في استقبالِ أضيافِهم من أهلِ الخيرِ ومواسمِ الخير .
    عبادَ الله:
         عندما كان الوافدُ الحبيبُ شهرُ رمضانَ يطرقُ أبوابَ مدينةِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلمَ كانتْ طيبةُ الطيبةَ تكتسيْ فرحًا بقدومِه، فعندَ ابنِ أبي شيبةَ بإسنادٍ صححه الألبانيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُبَشِّرُ أَصْحَابَهُ: «قَدْ جَاءَكُمْ رَمَضَانُ، شَهْرٌ مُبَارَك، افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ صِيَامُه، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّة، و تُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ، فِيهِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ» ولقد نصَّ بعضُ العلماءِ على أنَّ هذا الحديثَ أصلٌ في تهنئةِ الناسِ بعضِهم بعضًا بشهرِ رمضان، فكيفَ لا يبشرُ المؤمنُ بفتحِ أبوابِ الجنان؟ كيفَ لا يبشرُ المذنبُ بغلقِ أبواب النيران؟ كيفَ لا يبشرُ العاقلُ بوقتٍ يُغلُّ فيه الشياطين؟!  إن هذا الفرحَ النبويَّ بهذا الوافدِ الحبيبِ لهو الترجمةُ النبويةُ لقولِه تعالى (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون).
           ورُوِي في الأثر الذي أخرجه الطبراني:” أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرُ بَرَكَةٍ، فِيهِ خَيْرٌ يُغَشِّيكُمُ اللَّهُ فِيهِ ، فَتَنْزِلُ الرَّحْمَةَ، وَتُحَطُّ الْخَطَايَا، وَيُسْتَجَابُ فِيهِ الدُّعَاءُ، فَيَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى تَنَافُسِكُمْ، وَيُبَاهِي بِكُمْ مَلَائِكَتَهُ، فَأَرُوا اللَّهَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خَيْرًا، فَإِنَّ الشَّقِيَّ مِنْ حُرِمَ فِيهِ رَحْمَةَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ“.
           فأنت ترى أن الكونَ كلَه يتأهبُ لرمضان، نعمْ فهذه أبوابُ السماءِ تُفتَح، وأبوابُ الجنةِ تُفتَحُ وأبوابُ النارِ تُغلقُ ومردةُ الشياطين تُصَفّدُ، إنه فرحةُ الكونِ كلِه لو كنا نعقل، إنَ الكونَ كلَه لينتشي بهجةً بسيدِ الشهورِ ويوسفَ الزمانِ رمضان.
                                       رمضـــانُ في قلبِي همائمُ نشـــــــــوةٍ        من قبـلِ رؤيةِ وجهكِ الوضّاء
                                       وعلى فمِي طعــمٌ أحسُّ بأنــــــــــه         منْ طعمِ تلكَ الجنةِ الخضـراء
                                       قــــــــــــــالوا بأنك قادمٌ فتهـــــــــللتْ         بالبشـــــــــرِ أوجهُنا وبالخيــــــلاء
                                       تهفو إليه وفي القلوبِ وفي النهى        شوقٌ لمقدمِه وحسنُ رجــــــــاء
    أيها المؤمنون:
         كيف لا تشتاقون إلى رمضانَ وقد جفتِ الأرواحُ وتصحرتِ القلوبُ بعدَ فراقِ رمضانَ السالفِ؟ فغدا رمضانُ القادمُ للقلوبِ الأملَ في ريِّها بالقرآن، والمنبعُ الذي تتزودُ فيه النفوسُ من زادِ التقوى (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون).
    معاشر المسلمين:
         إنّه بِعظمِ الزائرِ يَعظُم التأهبُ لاستقبالِه، وإن ضيفَنا  الذي سيحلُ علينا بعد بضعِ أيامٍ هو كنزُ المتقين وبهجةُ السالكين ودوحةُ المتعبدين، فتزينوا له بتعهدِ قلوبِكم حيثُ محلُ نظرِ الربِ ومحطُ اعتناءِ السلفِ رحمهم اللهُ تعالى، فقلبَك قلبَك تفقدهُ فإنه راحلتُك التي تبلغُ بها الهباتُ الربانية، ومطيتكُ التي تتعرضُ بها لنفحاتِ الربِ تبارك وتعالى.
         إن رمضانَ موسمُ التجارِ الذين يرجون تجارةً لن تبور (إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور)  إنه الموسمُ وليس تجارُ الدينارِ والدرهمِ بأشدَّ حرصًا على مواسمِهم من تجارِ الآخرةِ على نفحاتِ ربِهم  مستحضرين في موسمِهم وصيةَ نبيهم صلى الله عليه وسلم فقد رُوِيَ في الأثر الذي أخرجه الطبرانيٌّ عنه «إن لربِكم في أيامِ دهرِكم نفحاتٌ فتعرضوا له، لعله أن يصيبَكم نفحةٌ منها فلا تشقُون بعدَها أبدا“.
        والمتأملُ في حالِ السلفِ مع رمضانَ ليجدُ أنهم أسوةٌ حسنة، وسيرةٌ عليةٌ، فكانوا رحمهم اللهُ يَعُدُّون قِرَى ضيفِهم من ستةِ أشهر،  قال مُعَلّى بنِ الفضل: كانوا يدعون اللهَ تعالى ستةَ أشهرٍ أن يبلغَهم رمضان، ويدعونه ستةَ أشهرٍ أن يتقبلَ منهم”، وقال يحيى بن أبي كثير كان من دعائهم: “اللهم سلّمْني إلى رمضان، وسلّمْ لي رمضان، وتسلّمه مِني متقبّلا”.
        وكانَ من استعدادِ الفاروقِ عمرَ رضيَ اللهُ عنه إنارةَ المساجدِ بالقناديلِ لأجلِ القيامِ، فكانَ رضيَ اللهُ عنه أولَ من أدخلَ الإنارةَ إلى المساجدِ فلمْ ينساها له أبُو الحسنِ عليُ رضي اللهُ عنه فقدْ خرجَ رضيَ اللهُ عنه في أولِ ليلةٍ من رمضانَ والقناديلُ تزهرُ في المساجدِ وكتابُ اللهِ يُتلى فجعلَ ينادي: «نوّرَ اللهُ لك يا ابنَ الخطابِ في قبرِك كما نورتَ مساجدَ اللهِ بالقرآن».
        بلِ امْتدَ هذا عندَ جواريْهم فقدَ باعَ قومٌ من السلفِ جاريةً فلما قَرُبَ شهرُ رمضانَ رأتْهم يتأهبون له، ويستعدون بالأطعمةِ وغيرِها فسألتْهم فقالوا: نتهيأُ لصيامِ رمضانَ فقالت: وأنتم لا تصومون إلا رمضانَ، لقد كنتُ عندَ قومٍ كلَ زمانِهم رمضانُ ردوني عليهم، فللهِ ما أفقهَها: “لقدْ كنتُ عندَ قومٍ كلَ زمانِهم.
          رمضان:
                                           نسَخْتَ شعائرَ الضيفان لما      قنعتَ من الضيافةِ بالمقامِ
                                           ورُحت تَسُنُّ للأجوادِ شرعاً     من الإحسانِ عُلويِّ النظام
                                           بأن الجـــــودَ حرمَانٌ وزُهْــــــدٌ      أعزُّ منَ الشرابِ أو الطعَام!!
                                          أشهرٌ أنتَ أم رُؤْيا مَتــــــــــابٍ     تألقَ طيفُها مثلَ الشهـــــابِ؟
         أعوذ بالله من الشيطان الرجيم*بسم الله الرحمن الرحيم: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ماهداكم ولعلكم تشكرون).
                                                                            الخطبةُ الثانيةُ:
    أما بعد:
          وبين يديْ استقبالِ ضيفنِا الكريمِ حري بنا أن نفقهَ موعظةَ إمامِ الواعظين وسيدِ التابعين الحسنِ البصريِ رحمه الله تعالى حين قال: “إِن الله تَعَالَى قد جعل شهر رَمَضَان مضمارا لخلقه يَسْتَبقُونَ فِيهِ بِطَاعَتِهِ فَسبق أَقوام ففازوا، وتخلف أَقوام فخابوا، فالعجبُ من اللاعبِ الضاحكِ في اليومِ الذي يفوزُ فيه المحسنون ويخسرُ فيه المبطلون” ثم نتساءلُ لماذا تخلفَ من تخلف؟ أتراهم لايعلمون عن نفحاتِ رمضان؟ كلا! فهم مسلمون نشؤوا في ديارِ المسلمين، أتراهم خائفون فقدوا نعمةَ الأمن؟ كلا! فهم آمنون في ديارِهم، أتراهم مرضى؟ كلا! بل أبدانُهم صحيحة، لكن انطفأَ القنديلُ في قلوبِهم فبركتْ رواحلُهم وتخلفوا عنِ المسير.
    أخي الحبيب:
        إن راحلتَك لن تسيرَ بك في رمضانَ مالم تتعهّدَها من الآنِ كما تتعاهدُ سيارتَك إن رُمتَ سفرا، وهكذا راحلتُك في سفرِ الآخرةِ فالجوارحُ لن تطيعَك إلى القيامِ إن نسيتَ صيانةَ قلبِك فاعزمْ على الصدقِ مع الله(فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم)  واعلمْ أن رأسَ مالِ التاجرِ معَ اللهِ هوَ الصدقُ (والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون) (قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم).
    أخي الحبيب:
         في كل رمضانٍ أراك تشرعُ بابَك لمن يسرقُ منك رمضانَك، اِسألْ نفسَك من يسرقُ منك رمضانَ في كلِ عامٍ فأنت أدرى وأعلم.. أبلاؤُك من التخمةِ بعدَ الفِطر؟! أمِ السهرَ في ليالي الشهرِ في غيرِ طاعة ؟ أم بلاؤُك من انقيادِك لسعيرِ الإعلامِ عاما بعدَ عام؟ أم بلاؤُك من الاستراحاتِ والمقاهي ومجالسِ القيلِ والقال؟!
          يا من تسألُ عن غبارِ الطريقِ أَيَبْطِلُ الصيامَ أم لا، يا من يحترزُ عن قطرةِ العينِ في نهارِ رمضانَ خروجا من الخلافِ عليك بالاحترازِ من العظائمِ من قولِ الزورِ والعملِ به والغيبةِ والنميمةِ وسائرِ الكبائرِ من الذنوب، وهنا سيصحُّ لك رمضانَك فالتخليةُ قبلَ التحلية.
    أيها الصفي:
       إن كنتَ عازماً على الفوزِ برمضانَ هذا العامِ فعليك أن تحذرَ من خرقِ صومِك قال أحدُ السلف: “الصيام جُنّةٌ ما لم يخرقْها صاحبُها، وخرقُها الغيبة”.  وكما يحفظ التاجرُ في تجارتِه رأسَ مالِه من المخاطرِ احفظْ صيامَك، فإن كنتَ لا تعرفُ كيف تحفظُ صيامَك فانظرْ لهديِ أبي هريرةَ رضي الله عنه وأصحابه فكانوا إذا إِذَا صَامُوا جَلَسُوا فِي الْمَسْجِدِ قَالُوا: «نُطَهِّرُ صِيَامَنَا».
    أخي الحبيب:
    إن كان مردةُ الإنسِ أقبلوا عليك في رمضانَ بخيلهِم ورجلِهم وخططوا لإفسادِ صومِك ببرامجِهم الإعلاميةِ التي صرفوا فيها ملايينَ الريالات، فإلى متى أنت لاتخططُ للفوزِ برمضان؟ كم من دورةٍ في التخطيطِ دخلتَها لأجلِ دنيا ولم تجربْ يومًا أن تخططَ لآخرتِك؟ إن أردتَ النجاحَ أخي فخططْ لآخرتِك كما تخططْ لدنياك ولاتكنِ الدنيا أكبرَ همِك ولا مبلغَ علمِك.
                                    رَمَضَــانُ يَا أَمَلَ السَّمَاءِ لأُمَّــــــــــــةٍ     بِكَ لَمْ تَزَلْ عَبْرَ المَـــدَى تَسْتَبْشِــــــــــــرُ
                                    ثَبِّتْ عَلَى التّقْوَى قُلُوبَ أَحِبَّتِـي    وَامْنَحْ هُدَاكَ لِعَــــــــالَمٍ يَتَدَهّـــــــــــــــــــــــوَرُ
                                    وَاهْدِ الهُدَاةَ إِلَى مَرَافِيءِ دِينِهِـــــــمْ      وَاحْفُظْ خُطَاهُمْ فِي الطّرِيقِ لِيَعْبُرُوا
                                    وَاحْمِــلْ إِلَى مَلأِ السَّمَاءِ تَحِيّــــــــــةً       مِنْ أُمَّةٍ بِصِيَــــامِهَا تَتَطّـــــهَـــــــــــــــــــــــــــــــرُ
                                    مَا زِلْتَ يَا رَمْضَانُ أَكْرَمَ زَائِــــــرٍ       لِلأرْضِ، تَهْــــــدِي مِنْ بِهَا يَتَعَثّــــــــــــــــرُ
                                    وَلَسَـــوْفُ تَبْقَى فَرْحَةً أَبْدَيَّـــــــــةً       لَيْسَــــتْ تُمَلّ، وَإِنْ تَكُنْ تَتَكَــــــــــــــــــرَّرُ
جميع الحقوق محفوظة لموقع خطباء © 2019