• 10 مايو، 2018 الساعة 6:12 م
    عبدالله اليابس
    وانقضى رمضان في شعبان !!

    وانقضى رمضان ؟!                       الجمعة 25/8/1439هـ  

    الحمدُ لله العَليمِ الخبيرِ، السَّميعِ البصِير، أحاطَ بكلِّ شيءٍ عِلمًا، وأَحصَى كلَّ شيءٍ عَددًا، لا إلهَ إلاَّ هو إليه المصير، أحمَدُ ربِّي وأشكرُه، وأتوب إِليه وأستغفِره، وأشهد أن لا إلهَ إلاّ الله وحده لا شَريكَ له العليُّ الكبيرُ، وأشهَد أنَّ نبيَّنا محَمَّدًا عَبدُ الله ورسولُهُ البَشيرُ النَّذيرُ والسراجُ المُنيرُ، اللَّهمَّ صلِّ وسلِّم وبَارِك على عبدِكَ ورسولِكَ محمَّدٍ، وعلى آلِه وأصحابِه ذَوي الفَضلِ الكَبيرِ..

    أمَّا بعدُ: فأوصِيكُمْ ونَفْسي بِتَقْوى اللهِ: (فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)

    يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم .. وانقضى شهر رمضان .. شهرُ الصيامِ والقيام .. شهرُ العبادةِ والريادة.. شهرُ العلاوةِ والتلاوة.. انقضى الشهر الكريم .. ورحل عنا .. فإن أحسنتَ فيه فهنيئاً لك.. هنيئًا لك الأجرَ العظيم .. وهنيئاً لك الفوزَ بالعتقِ من النيران.. وإن أسأتَ أو فَرَّطتَ.. فَأَجدِرْ بحالك أن تُسكَبَ عليه الدموع, وأن تَتَحَسَر لفوات موسم لن يعود .. (رَغِمَ أَنفُ من أَدرَكَ رمضان فلم يغفر له).

    لقد فرطتَ في أيامٍ وليالٍ هي من أنفسِ لحظاتِ العمرِ كلِّه, لقد فَرَّطتَ في ساعاتٍ سيسألك الله عنها غدًا في الحساب.

    لقد فاتت عليك ليلةٌ عظيمة .. ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر .. ليلةٌ تَنَزَّلُ الملائكة فيها .. ويَنزِل فيها جبريلُ عليه السلام .. فرطتَ في مَوسمٍ فُتِّحَت فيه أبواب الجنان .. وأُغلِقَت فيه أبواب النيران .. مضى عليك زمن صُفِدَت فيه الشياطين .. لكنك لم تحسن استغلاله.. فيا لحسرتك وغبنك ..

    لقد فاز اليوم الصالحون, ومضت عليك الأيام التي مرت بهم .. فأحسنوا استغلالها .. وأَسَأْتَ .. وفازوا بالحسناتِ والدرجاتِ العلى .. وخَسِرتَ ..

    أيها الأخ الحبيب .. لم أخطئ في إعداد الخطبة .. ولم يلتبس عليَّ الوقتُ ..

    لكني اخترتُ أن أخاطبك بهذا الخطاب قبل دخول الشهر .. قبل أن ينصرم .. ولا تَنفَعُ الحسرةُ حينئذ.

    إن بين يديك اليوم كنزًا من الحسنات .. أَقبَلَ عليك شهرُ رمضان .. وتَهَيَّأَتْ لك أسبابُ المغفرة .. فأبواب الجنة مفتوحة.. وأبواب النار مغلقة .. والشياطين مُصَفَّدَةٌ فلا تَخلُصُ إلى ما كانت تَخْلُصُ إليه .. المساجدُ مفتوحة.. والنفوس بالطاعات مشغولة .. الأيامُ تعمر بالصيام.. والليالي تنير بالقيام .. أَفَبَعْدَ هذا يغفل الغافلون؟

    لقد رَغَّبَ الله سبحانه وتعالى في استغلال شهر رمضان {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}.

    لقد كان سلفنا الصالح يهتمون لرمضانَ اهتماماً شديدًا.. فيبدؤون بترتيب أوراقهم من شعبان أو قبل ذلك استعدادًا لرمضان.. روى أسامة بن زيد رضي الله عنهما كما عند النسائي قال: قلت يا رسول الله: لم أَرَكَ تصوم من شهرٍ من الشهورِ ما تصومُ من شعبان؟ قال : (ذاك شهر تغفل الناس فيه عنه، بين رجبٍ ورمضان، وهو شهرٌ تُرفَعُ فيه الأعمال إلى رب العالمين، وأُحبُّ أن يرفع عملي وأنا صائم).

    قال سلمة بن كهيل رحمه الله: كان يقال شهر شعبان شهر القُرَّاء. وكان عمرو بن قيس رحمه الله إذا دخل شهر شعبان أغلق حانوته وتفرغ لقراءة القران.

     قال أبو بكر البلخي رحمه الله: شهر رجب شهر الزرع، وشهر شعبان شهر سقي الزرع، وشهر رمضان شهر حصاد الزرع.

    شهر رمضان هو محور السنة عند بعض السلف.. فكانوا يدعون الله تعالى ستة أشهر أن يبلغهم رمضان .. ثم يدعونه مثلها أن يَتَقَبَلَ منهم.

    أيها الأخ المبارك .. لم يبق على رمضان إلا أيامٌ قلائل .. فماذا أنت فاعل؟

    ادعُ اللهَ من اليومِ أن يُبَلِّغَكَ شهرَ رمضان .. ويُعينَكَ فيه على الصيام والقيام وسائر الطاعات.

    كم ممن هو اليوم فوق ظهر الأرض يتنفس, وغدًا سيُصَلَّى عليه ولن يُدرِك رمضان .. وقد نكون أنا وأنت مِنهُم.

    يتمنى أهلُ القبورِ أن يُدركِوا يومًا من رمضان ليستغلوه فيما يُقَرِّبُهم لربهم ويَرفعُ درجاتهم .. فَاْسأَلِ اللهَ بلوغَ هذا الشهرَ والعونَ على الطاعة.

    اجلس مع نفسك دقائق .. وخطط لرمضان هذا العام .. إذا أردتَ سفرًا ناجحًا ألستَ تخطط له التخطيط الدقيق؟ ألستَ اليوم في سفر إلى الآخرة؟ ورمضانُ محطةٌ مهمةٌ للتزودِ لتلكَ الدار؟

    ضع لك حدًا أدنى من الطاعات لا يمكن أن تَنقُصَ عنه كل يوم, حدد عددًا معينًا من أجزاءِ القرآن لا تنامُ يوميًا إلا وقت أتممتَ تلاوتَه, ضع من ضِمنِ جدولك أن تُحافظَ على صلاة القيام كاملة مع الإمام كل يوم ليُكتبَ لك قيامُ ليلةٍ كاملة, حَدِّد لكَ وِردًا يوميًا من الصدقةِ والأذكار, عاهِد نفسك أن تُحافظَ على الجلوس في مُصلاكَ حتى تطلعَ الشمسُ كلَّ يوم لتفوزَ بالأجرِ العظيم, وهكذا.. حدد لنفسك وردًا معينًا من الطاعات لا تتنازلُ عنه ابدًا.

    كذلك خطط في التخلص من بعض العادات السيئة والمعاصي المستمرة والأخلاق الرديئة, خطط للإقلاع عنها, واستقبل رمضان بتوبةٍ صادقةٍ من جميع الذنوبش والآثام .. تَطهُر بها نفسُك, وتُمحى بها ذنوبُك, وتَنقى بها صحيفتُك, واستعن بالله على ذلك.. وتذكر أن الشياطين مصفدة .. فداعي الشر في رمضان أضعف من غيره.. فاستعن بالله ولا تعجز.

    بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم, ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, قد قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.

    الخطبة الثانية

    الْحَمْدُ لِلَّـهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

    أَمَّا بَعْدُ.. {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}.

    فيا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. إذا كان ما سمعتم هو ما ينبغي أن يَستقبِلَ به المسلمُ شهرَ رمضان .. فإن من أولى ما يُستقبل به هذا الشهر أيضًا أنَّ من أَفطَرَ أيامًا من رمضانَ الفائتِ ولم يَقْضِها بعدُ فليبادر لقضائها ..

     جاء في الصحيحين من حديث عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالت: (كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلا فِي شَعْبَانَ، وَذَلِكَ لِمَكَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).

    قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (وَيُؤْخَذُ مِنْ حِرْصِهَا عَلَى ذَلِكَ فِي شَعْبَانَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْقَضَاءِ حَتَّى يَدْخُلَ رَمَضَانُ آخَرُ) انتهى.

     كما أنه لا ينبغي أن يصوم المسلمُ آخرَ يومين من شعبان, جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تَقَدَّموا شهر رمضان بصومٍ قبلَهُ بيومٍ أو يومين, إلا أن يكونَ رجلٌ كان يصومُ صومًا فليَصُمه).

    أيها الإخوة.. كلُّ دقيقة بل ثانية من رمضان نفيسة .. وإذا مَضَت لا تَعودُ.. فأحسنوا استغلاله بما ينفعكم في دنياكم وأُخراكم.

    بادروا من اليوم بشراء مستلزمات الشهر ومستلزمات العيد, ولا تؤخروها حتى يَدخُلَ الشهرُ, أو تَدخُلَ العشرُ الأواخر, بل بادروا اليوم, وتَفَرَّغوا في رمضانَ لطاعةِ الرحمن.

    تسامحوا قبل دخول رمضان, وأَزيلوا الخصومات, واطرُدُوا الشيطان بينكم, روى مسلم في صحيحه عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ : أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا, أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا, أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا).

    فَكَم مَرَّ بِكَ من اثنينٍ وخميسٍ وأعمالُ العبادِ تُرفعُ, والله يغفر لهم, إلا أنت.. أما آنَ لك أَنْ تُزيلَ الحاجزَ الذي يمنع من مغفرة ذنوبك؟

    قلها الآن : بلى قد آن .. بلى قد آن.

    يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. اعلموا أن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    عباد الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

جميع الحقوق محفوظة لموقع خطباء © 2019