• 28 مارس، 2018 الساعة 5:30 م
    شبيب القحطاني
    عَشْرُ وَقَفَاتٍ مَعَ صَوَارِيخِ الْغَدْرِ 13 رَجَب 1439هـ

    عَشْرُ وَقَفَاتٍ مَعَ صَوَارِيخِ الْغَدْرِ 13 رَجَب 1439هـ

    الْحَمْدُ للهِ الْمَلِكِ الْمَعْبُود، ذِي الْعَطَاءِ وَالْمَنِّ وَالْجُود، وَاهِبِ الْحَياةِ وَخَالِقِ الْوُجُود، الذِي اتَّصَفَ بِالصَّمَدِيَّةِ وَتَفَرَّدَ بِالْوَحْدَانِيَّة، وَالْمَلائِكِةُ وَأُوُلُو الْعِلْمِ عَلَى ذَلِكَ شُهُود، الْحَمْدُ لَهُ لا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْه، هُوَ كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ حَيْثُ كَانَ وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وُجُود، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْحَيُّ الْحَمِيد، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ذُو الْخُلُقِ الْمَحْمُودِ وَالرَّأْي الرَّشِيدِ، وَالْقَوْلِ السَّدِيد، بَلَّغَ الرِّسَالَةَ عَلَى التَّحْدِيد، وَأَدَّى الْأَمَانَةَ لا نَقْصَ وَلا مَزِيد، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَسَلَّمَ تَسْلِيمَاً كَثِيرَاً .

    أَمَّا بَعْدُ : فَاتَّقُوا اللهَ وَخُذُوا الْعِبْرَةَ مِمَّا يَمُّر بِكِم مِنْ أَحْدَاثٍ، فَإِنَّهَا بِتَقْدِيرِ اللهِ وَمَشِيئَتِهِ وَتَدْبِيرِهِ وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا حَدَثَتْ، وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ بِمَا يُرِيدُ، وَعِبَادُهُ دَائِرُونَ بَيْنَ رَحْمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ.

    أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ : لا يَخْفَى عَلَيْكُمْ مَا يَحْصُلُ بَيْنَ الْفَيْنَةِ وَالْأُخْرَى مِنْ سُقُوطِ صَوَارِيخَ مِنْ صَوَارِيخِ الْغَدْرِ وَالْخِيَانَةِ التِي يُطْلِقُهَا الْحُوثِيُّونَ الْخَوَنَةُ عَلَى أَرْضِنَا وَلا يَكَادُ يَمُرُّ شَهْرٌ إِلَّا وَنَسْمَعُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَهَذِهِ عَشْرُ وَقَفَاتٍ مَعَ ذَلِكَ الشَّر.

    (الْوَقْفَةُ الْأُولَى) الإِيمَانُ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ، علَيَنْاَ أَنْ نَعْلَمَ يَقِينَاً أَنَّ مَا يَحْصُلُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، مِنْ حَرْبٍ وَسِلْمٍ، مِنْ مَوْتٍ وَحَيَاةٍ، أَنَّهُ كُلُّهُ بِتَقْدِيرِ اللهِ وَعِلْمِهِ وَمَشيئَتِهِ، وَقَدْ كَتَبَ ذَلِكَ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَواتِ وَالْأَرْضِ بِخَمْسِينَ أَلْفِ سَنَةٍ، قَالَ اللهُ تَعَالَى (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)، فَكُلُّ مَا يَحْصُلُ مَكْتُوبٌ مُقَدَّرٌ، وَمَوْقِفُنَا أَنَّهُ إِنْ أَصَابَنَا خَيْرٌ شَكَرْنَا اللهَ، وَإِنْ أَصَابَتْنَا مُصِيبَةٌ أَوْ حَصَلَ شَرٌّ صَبَرْنَا وَدَعَوْنَا اللهَ بِالْفَرَجِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَحْصُلُ لَنَا عَلَى أَيْدِي هَؤُلاءِ الْحُوثِيِّينَ الْمُشْرِكِينَ الْمُعْتَدِينَ، فَلَوْ حَصَلَ قَتْلٌ لِجُنُودِنَا أَوْ إِصَابَاتٌ مِنْ صَوَارِيخِهِمُ الْغَادِرَةِ أَوْ اعْتِدَاءَاتِهِمُ الْفَاجِرَةُ فَإِنَّنَا نُؤْمِنُ بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ وَنَرْضَىَ وَنُسَلِّمُ، وَلَكِنَّنَا نَعْمَلُ مَا فِي وِسْعِنَا لِلنَّجَاةِ مِنْ شَرِّهِمْ.

    (الْوَقْفَةُ الثَّانِيَةُ) نِعْمَةُ الْأَمْنِ، إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ نِعِمَ اللهِ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَأْمَنَ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى دِينِهِ وَعَلَى أَهْلِهِ وَمَالِهِ، وَلِذَلِكَ فَقَدِ امْتَنَّ اللهُ عَلَى قُرَيْشٍ وَالْعَرَبِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ) وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ)، وَلا يَعْرِفُ قَدْرَ نِعْمَةِ الْأَمْنِ إِلَّا مَنْ فَقَدَهَا.

    (الْوَقْفَةُ الثَّالِثَةُ) خُطُورَةُ الْأَعْدَاءِ وَحِقْدُهُمُ الدَّفِينُ عَلَى هَذِهِ الْمَمْلَكَةِ وَأَهْلِهَا: إِنَّ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا مَا قَامَ بِهِ التَّحَالَفُ الْإِسْلَامِيُّ بِقِيَادَةِ وَلِيِّ أَمْرِنَا خَادِمِ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ الْمَلَكِ سَلَمْانَ حَفِظَهُ اللهُ، مِنْ إِعْلَانِ عَاصِفَةِ الْحَزْمِ لتَحْرِيرِ الْيَمَنِ مِنْ شَرِّ الْحُوثِيِّينَ وَطُغْيَانِهِمْ.

    وَبَعْضُ النَّاسِ رُبَّمَا تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ أَوْ ظَنَّ أَنَّ هَذِهِ الْحَرْبَ عَلَى أُنَاسٍ أَبْرِيَاءَ، أَوْ كَمَا تَقُولُ وَسَائِلُ الْإِعْلَامِ الْمُعَادِيَةِ: إِنَّ الْحَرْبَ عَلَى الْمَدَنِيِّينَ وَالْعُزَّلِ، وَأَنَّ السُّعُودِيَّةَ دَوْلَةٌ مُعَادِيَةٌ، وَكُلُّ ذَلِكَ أَخْبَارٌ كَاذِبَةٌ.

    أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ كُلَّ مُنْصِفٍ عَاقِلٍ عَارِفٍ بِالْأَحَدَاثِ يَعْلَمُ أَنَّ هَؤُلاءِ أَهْلُ شَرٍ مَدْعُومُونَ مِنَ الدَّوْلَةِ الصَّفَوِيَّةِ الْإِيرَانِيَّةِ، وَأَنَّهُمْ حَارَبُونَا عِدَّةَ مَرَّاتٍ وَاعْتَدُوا عَلَى أَرَاضِي الْمَمْلَكَةِ كَرَّاتٍ وَكَرَّات، حَتَّى كَانَتْ آخِرَ مَقُولاتِهِمْ قَبْلَ عَاصِفَةِ الْحَزْمِ : إِنَّ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ مُحْتَلَّةٌ مِنَ الْيَهُودِ، وَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ تَحْرِيرَهَا مِنْ أَمْرِيكَا، ثُمَّ زَحَفُوا بِقُوَّاتِهِمْ قُرْبَ الْحُدُودِ السُّعُودِيَّةِ الْيَمَنِيَّةِ وَصَارُوا يَسْتَعْرِضُونَ وَيَعْمَلُونَ الْمُنَاوَرَاتِ اسْتِعْدَادَاً لِلْهُجُومِ عَلَى بِلَادِنَا، وَلَكِنَّ اللهَ رَدَّ كَيْدَهُمْ وَدَحَرَ شَرَّهُمْ.

    (الْوَقْفَةُ الرَّابِعَةُ) الْمُحَافَظَةُ عَلَى هَذِهِ الدَّوْلَةِ، أَيُّهَا الْعُقَلاءُ : إِنَّ قُوَّةَ الدَّوْلَةِ قُوَّةٌ لِشَعْبِهَا، وَإِنَّ زَوَالَهَا إِيذَانٌ بِهَلَاكِ مُوَاطِنِيهَا، وَانْظُرْ مَا حَوْلَكَ تَعْلَمْ ذَلِكَ، ثُمَّ تَأَمَّلُوا فِي قُوَّةِ هَؤُلاءِ، فَلَوْلَا أَنَّ اللهَ وَقَانَا شَرَّهُمْ بِهَذِهِ الْعَاصَفَةِ لِكَانَتْ بِلَادُنَا مُحْتَلَّةً هَذَا الْيَوْمَ، وَلَكَانَتْ الْجُثَثُ وَالْأشْلَاءُ تَمْلَأُ الْمُدَنَ وَالْأَرْجَاءَ، إِنَّهُمْ (لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً)، وَلَوْ تَمَكَّنُوا مِنَّا لَذَبَّحُونَا وَسَامُونَا سُوءَ الْعَذَابِ، ثُمَّ تَأَمَّلُوا: فَمَعَ أَنَّهَا تَمَّتْ ثَلَاثُ سَنَوَاتٍ مُنْذُ بَدَأَتْ هَذِهِ الْعَاصِفَةُ الْمُبَارَكَةُ إِلَّا أَنَّهُمْ لايَزَالُ عِنْدَهُمْ قُوَّةٌ وَمُقَاوَمَةٌ وَلَكِنَّ اللهَ لَهُمْ بِالْمِرْصَادِ، وَلَوْلَا اللهَ ثُمَّ وُجُودَ الدَّوْلَةِ وَرِجَالِهَا لَكُنَّا فِي أَشَدِّ الْخَطَرِ، هَذَا إِنْ أَبْقَوْنَا أَحْيَاءَ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى دَوْلَتِكَ وَقُوَّتِهَا وَتَمَاسُكِهَا هُوَ فِي الْوَاقِعِ مُحَافَظَةٌ عَلَى نَفْسِكَ وَأَهْلِكَ وَمَالِكَ.

    (الْوَقْفَةُ الْخَامِسَةُ) تَوَقَّعِ الْمَوْتَ فِي أَيِّ لَحْظَةٍ، أَيُّهَا الْمُسْلِمُ : إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)، فَتَأَمَّلْ فِي حَوَادِثِ الزَّمَانِ وَمَا تَحْمِلُهُ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ، ثُمَّ إِيَّاكَ أَنْ تَغْفُلَ عَنِ الْمَوْتِ، فَإِنَّ آجَالَنَا مَحْدُودَةٌ وَأَيَّامَنَا مَعْدُودَةٌ، قَالَ اللهُ تَعَالَى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)

    (الْوَقْفَةُ السَّادِسَةُ) اسْتِغْلَّ حَيَاتَكَ مَا دُمْتَ فِي زَمَنِ الْمُهْلَةِ : عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ (اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هِرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاءَكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ.

    فَاغْتَنِمْ نَفْسَكَ يَا مُسْلِمُ مَا دُمْتَ فِي زَمَنِ الْمُهْلَةِ وَمَا دُمْتَ لَمْ تَنْشَغِلْ عَنِ الطَّاعَةِ بِمَرَضٍ أَوْ مُصِيبَةٍ أَوْ حَرْبٍ أَوْ غَيْرِهَا، ثُمَّ تَتَمَنَّى مَا كُنْتَ فِيهِ مِنْ قَبْلُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ)

    حَافِظْ أَيُّهَا الْمُسْلِمُ عَلَى الْفَرائِض ِوتَزَوَّدْ مِنَ النَّوَافِلِ لِتَفُوزَ بِسَعَادِةِ الدّنْيَا وَبِجَنَّةِ الآخِرَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ) رواه البخاري . أَقُولُ قَولِي هَذَا وأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِيْ ولَكُمْ فاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُوْرُ الرَّحِيْمُ .

     

    الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

    الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ القَوِيُّ الْمَتِينُ، وَأُصَلِّي وَأُسَلِّمُ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأَمِينِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ.

    أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ (الْوَقْفَةَ السَّابِعَةَ) هِيَ أَنْ نُذَكِّرَ أَهْلَنَا وَمَنْ حَوْلَنَا بِمَا خُلِقْنَا مِنْ أَجْلِهِ، وَأَنْ نَسْتَعِدَّ لِلْمَوْتِ وَأَنْ نَحْذَرَ الْغَفْلَةَ وَاللَّهْوَ، ثُمَّ لا يَكُونُ حَظُّنَا مِنَ الْحَوَادِثِ التِي تَحْصُلُ بَيْنَ الْفَيْنَةِ وَالْأُخْرَى إِلَّا نَشْرُ التَّغْرِيدَاتِ أَوْ تَصْوِيرِ السِّنَابَاتِ أَوِ الْتِقَاطِ الصُّوَرِ بِالْكَمِيرَاتِ، ثُمَّ نَبْقَى فِي غَفْلَتِنَا لا نُحَافِظُ عَلَى طَاعَةٍ وَلا نَرْتَدِعُ مِنْ مَعْصِيَةٍ، فَإِنَّ مِثْلَ هَؤُلاءِ يَصْدُقُ عَلَيْهِمْ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)

    (الْوَقْفَةُ الثَّامِنَةُ) تَذَكُّرُوا إِخْوَانَكُمْ الذِينَ كُلَّ سَاعَةٍ عَلَيْهِمْ صَوَارِيخُ وَقَنَابِلُ، سَوَاءٌ فِي سُورِيَا الْجَرِيحَةِ أَمْ غَيْرِهَا مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ التِي تَسَلَّطَ عَلَيْهَا الْأَعْدَاءُ فَعَاثُوا فِي الْأَرْضِ فَسَادَاً وَفِي الْمُسْلِمِينَ قَتْلَاً وَتَشْرِيدَاً، هَدَمُوا الْبُيُوتَ، وَأَحْرَقُوا الْمَزَارِعَ، وَقَطَعُوا الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ.

    تَذَكُّرُوا إِخْوَانَكُمْ بِالدُّعَاءِ لَهُمْ، وَبِبَعْثِ الْمُسَاعَدَاتِ بِالطُّرُق ِالرَّسْمِيَّةِ الصَّحِيحَةِ لِكَيْ تَصِلَ إِلَيْهِمْ، سَاعِدُوهُمْ وَآوُوهُمْ.

    (الْوَقْفَةُ التَّاسِعَةُ) الدُّعَاءُ سِلَاحُ الْمُؤْمِنُ، إِنَّ عَلَيْنَا أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ أَنْ نَلْجَأَ دَائِمَاً إِلَى رَبِّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِأَنْ يُتِمَّ عَلَيْنَا نِعْمَةَ الْأَمْنِ وَالإِيمَانِ وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ، وَأَنْ يَحْفَظَ دِينَنَا وَأَمْنَنَا وَأَرْضَنَا، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَكْبَرِ النِّعَمِ، وَكَمْ هُنَاكَ مَنْ يَتَمَنَّاهَا وَلا يَلْقَاهَا. وَادْعُوا لِإخْوِانِكُمُ الْمُسْلِمِينَ بِالْفَرَجِ الْقَرِيبِ، وَإِنَّ مِنْ أَقْرَبِ الدُّعَاءِ إِجَابَةً دُعَاءَ الْغَائِبِ لِلْغَائِبِ.

    (الْوَقْفَةُ الْعَاشِرَةُ) إِنَّ مِنْ حُقُوقِ وَلِيِّ أَمْرِنَا عَلَيْنَا- وَلَاسِيَّمَا فِي مِثْلِ هَذِهِ الأَحْدَاثِ – أَنْ نَدْعُوَ لَهُ بِالصَّلَاحِ وَالْهِدَايَةِ، لَهُ وَلِأَعْوَانِهِ وُوُزَرَائِهِ، فَإِنَّ صَلَاحَ وَلِيِّ الْأَمْرِ صَلَاحٌ لِلْبِلَادِ وَالْعِبَادِ، وَلِذَلِكَ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَدْعُونَ لِوُلَاةِ الْأَمْرِ بِالتَّوْفِيقِ وَالتَّسْدِيدِ، قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللهُ : لَوْ أَنَّ دَعْوَةً مُسْتَجَابَةً مَا صَيَّرْتُهَا إِلَّا فِي الْإِمَامِ، قِيلَ لَهُ : وَكَيْفَ ذَلِكَ يَا أَبَا عَلِيّ ؟ قَالَ : لَوْ صَيَّرْتُهَا فِي نَفْسِي لَمْ تُجَاوِزْنِي، وَمَتَّى صَيَّرتُهَا فِي الْإِمَامِ فَصَلَاحُ الْإِمَامِ صَلَاحُ الْعِبَادِ وَالْبِلَادِ.

    أَسْأَلُ اللهَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ أَنْ يَحْفَظَ بِلَادَنَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَشَرٍ وَبَلاءٍ, اللَّهُمَّ أَصْلِحْ وُلَاةَ أَمْرِنَا وَاهْدِهِمْ سُبُلَ السَّلَامِ, اللَّهُمَّ اجْمَعْ كَلِمَتَهَمْ عَلَى الحَقِّ يَارَبَّ العَالَمِينَ, اللَّهُمْ وَفِّقْ جَمِيعَ وُلَاةَ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ لِلْعَمَلِ بِكِتَابِكَ وَاتِّبَاعِ نَبِّيِكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّمْ, وَإِقَامَةِ شَرْعِكَ يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكْرِام, اللَّهُمْ خُذْ بِأَيْدِينَا لِلتَّوْفِيقِ وَالسَّدَادِ وَاجْعَلْ عُقْبَانَا إِلَى رَشَادٍ، اللَّهُمَّ اكْفِنَا شَرَّ الْأَشْرَارِ وَكَيْدَ الْفُجَّارِ يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِالْحُوثِيِّينَ وَمَنْ عَاوَنَهُمْ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِهِمْ وَبِمَنْ وَقَفَ مَعَهُمْ، اللَّهُمَّ شَتِّتْ شَمْلَهُمْ وَفَرِّقْ جَمْعَهُمْ وَاهْزِمْ جُنْدَهُمْ يَا جَبَّارُ يَا قَهَّارُ، اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا التِي فِيهَا مَعَاشُنَا وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا التِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا ! اللَّهُمَّ أَصْلِحْ شَبَابَ الْمُسْلِمِينَ وَاهْدِهِمْ سُبُلَ السَّلامِ وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ للْهُدَى وَالرَّشَادِ، وَجَنِّبْهُمْ الْفِتَنَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَما بَطَنْ، اللَّهُمَّ جَنِّبْ بِلادَنَا الْفِتَنَ وَسَائِرَ بِلادِ الْمُسْلمِينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ ! اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِن الغَلَا وَالوَبَا وَالرِّبَا وَالزِّنَا وَالزَلازِلَ وَالفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَن، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ وَالْحَمْدِ للهِ رَبِّ العَالَمِينْ.

    عَشْرُ وَقَفَاتٍ مَعَ صَوَارِيخِ الْغَدْرِ 13 رَجَب 1439هـ

    الْحَمْدُ للهِ الْمَلِكِ الْمَعْبُود، ذِي الْعَطَاءِ وَالْمَنِّ وَالْجُود، وَاهِبِ الْحَياةِ وَخَالِقِ الْوُجُود، الذِي اتَّصَفَ بِالصَّمَدِيَّةِ وَتَفَرَّدَ بِالْوَحْدَانِيَّة، وَالْمَلائِكِةُ وَأُوُلُو الْعِلْمِ عَلَى ذَلِكَ شُهُود، الْحَمْدُ لَهُ لا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْه، هُوَ كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ حَيْثُ كَانَ وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وُجُود، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْحَيُّ الْحَمِيد، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ذُو الْخُلُقِ الْمَحْمُودِ وَالرَّأْي الرَّشِيدِ، وَالْقَوْلِ السَّدِيد، بَلَّغَ الرِّسَالَةَ عَلَى التَّحْدِيد، وَأَدَّى الْأَمَانَةَ لا نَقْصَ وَلا مَزِيد، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَسَلَّمَ تَسْلِيمَاً كَثِيرَاً .

    أَمَّا بَعْدُ : فَاتَّقُوا اللهَ وَخُذُوا الْعِبْرَةَ مِمَّا يَمُّر بِكِم مِنْ أَحْدَاثٍ، فَإِنَّهَا بِتَقْدِيرِ اللهِ وَمَشِيئَتِهِ وَتَدْبِيرِهِ وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا حَدَثَتْ، وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ بِمَا يُرِيدُ، وَعِبَادُهُ دَائِرُونَ بَيْنَ رَحْمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ.

    أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ : لا يَخْفَى عَلَيْكُمْ مَا يَحْصُلُ بَيْنَ الْفَيْنَةِ وَالْأُخْرَى مِنْ سُقُوطِ صَوَارِيخَ مِنْ صَوَارِيخِ الْغَدْرِ وَالْخِيَانَةِ التِي يُطْلِقُهَا الْحُوثِيُّونَ الْخَوَنَةُ عَلَى أَرْضِنَا وَلا يَكَادُ يَمُرُّ شَهْرٌ إِلَّا وَنَسْمَعُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَهَذِهِ عَشْرُ وَقَفَاتٍ مَعَ ذَلِكَ الشَّر.

    (الْوَقْفَةُ الْأُولَى) الإِيمَانُ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ، علَيَنْاَ أَنْ نَعْلَمَ يَقِينَاً أَنَّ مَا يَحْصُلُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، مِنْ حَرْبٍ وَسِلْمٍ، مِنْ مَوْتٍ وَحَيَاةٍ، أَنَّهُ كُلُّهُ بِتَقْدِيرِ اللهِ وَعِلْمِهِ وَمَشيئَتِهِ، وَقَدْ كَتَبَ ذَلِكَ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَواتِ وَالْأَرْضِ بِخَمْسِينَ أَلْفِ سَنَةٍ، قَالَ اللهُ تَعَالَى (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)، فَكُلُّ مَا يَحْصُلُ مَكْتُوبٌ مُقَدَّرٌ، وَمَوْقِفُنَا أَنَّهُ إِنْ أَصَابَنَا خَيْرٌ شَكَرْنَا اللهَ، وَإِنْ أَصَابَتْنَا مُصِيبَةٌ أَوْ حَصَلَ شَرٌّ صَبَرْنَا وَدَعَوْنَا اللهَ بِالْفَرَجِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَحْصُلُ لَنَا عَلَى أَيْدِي هَؤُلاءِ الْحُوثِيِّينَ الْمُشْرِكِينَ الْمُعْتَدِينَ، فَلَوْ حَصَلَ قَتْلٌ لِجُنُودِنَا أَوْ إِصَابَاتٌ مِنْ صَوَارِيخِهِمُ الْغَادِرَةِ أَوْ اعْتِدَاءَاتِهِمُ الْفَاجِرَةُ فَإِنَّنَا نُؤْمِنُ بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ وَنَرْضَىَ وَنُسَلِّمُ، وَلَكِنَّنَا نَعْمَلُ مَا فِي وِسْعِنَا لِلنَّجَاةِ مِنْ شَرِّهِمْ.

    (الْوَقْفَةُ الثَّانِيَةُ) نِعْمَةُ الْأَمْنِ، إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ نِعِمَ اللهِ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَأْمَنَ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى دِينِهِ وَعَلَى أَهْلِهِ وَمَالِهِ، وَلِذَلِكَ فَقَدِ امْتَنَّ اللهُ عَلَى قُرَيْشٍ وَالْعَرَبِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ) وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ)، وَلا يَعْرِفُ قَدْرَ نِعْمَةِ الْأَمْنِ إِلَّا مَنْ فَقَدَهَا.

    (الْوَقْفَةُ الثَّالِثَةُ) خُطُورَةُ الْأَعْدَاءِ وَحِقْدُهُمُ الدَّفِينُ عَلَى هَذِهِ الْمَمْلَكَةِ وَأَهْلِهَا: إِنَّ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا مَا قَامَ بِهِ التَّحَالَفُ الْإِسْلَامِيُّ بِقِيَادَةِ وَلِيِّ أَمْرِنَا خَادِمِ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ الْمَلَكِ سَلَمْانَ حَفِظَهُ اللهُ، مِنْ إِعْلَانِ عَاصِفَةِ الْحَزْمِ لتَحْرِيرِ الْيَمَنِ مِنْ شَرِّ الْحُوثِيِّينَ وَطُغْيَانِهِمْ.

    وَبَعْضُ النَّاسِ رُبَّمَا تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ أَوْ ظَنَّ أَنَّ هَذِهِ الْحَرْبَ عَلَى أُنَاسٍ أَبْرِيَاءَ، أَوْ كَمَا تَقُولُ وَسَائِلُ الْإِعْلَامِ الْمُعَادِيَةِ: إِنَّ الْحَرْبَ عَلَى الْمَدَنِيِّينَ وَالْعُزَّلِ، وَأَنَّ السُّعُودِيَّةَ دَوْلَةٌ مُعَادِيَةٌ، وَكُلُّ ذَلِكَ أَخْبَارٌ كَاذِبَةٌ.

    أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ كُلَّ مُنْصِفٍ عَاقِلٍ عَارِفٍ بِالْأَحَدَاثِ يَعْلَمُ أَنَّ هَؤُلاءِ أَهْلُ شَرٍ مَدْعُومُونَ مِنَ الدَّوْلَةِ الصَّفَوِيَّةِ الْإِيرَانِيَّةِ، وَأَنَّهُمْ حَارَبُونَا عِدَّةَ مَرَّاتٍ وَاعْتَدُوا عَلَى أَرَاضِي الْمَمْلَكَةِ كَرَّاتٍ وَكَرَّات، حَتَّى كَانَتْ آخِرَ مَقُولاتِهِمْ قَبْلَ عَاصِفَةِ الْحَزْمِ : إِنَّ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ مُحْتَلَّةٌ مِنَ الْيَهُودِ، وَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ تَحْرِيرَهَا مِنْ أَمْرِيكَا، ثُمَّ زَحَفُوا بِقُوَّاتِهِمْ قُرْبَ الْحُدُودِ السُّعُودِيَّةِ الْيَمَنِيَّةِ وَصَارُوا يَسْتَعْرِضُونَ وَيَعْمَلُونَ الْمُنَاوَرَاتِ اسْتِعْدَادَاً لِلْهُجُومِ عَلَى بِلَادِنَا، وَلَكِنَّ اللهَ رَدَّ كَيْدَهُمْ وَدَحَرَ شَرَّهُمْ.

    (الْوَقْفَةُ الرَّابِعَةُ) الْمُحَافَظَةُ عَلَى هَذِهِ الدَّوْلَةِ، أَيُّهَا الْعُقَلاءُ : إِنَّ قُوَّةَ الدَّوْلَةِ قُوَّةٌ لِشَعْبِهَا، وَإِنَّ زَوَالَهَا إِيذَانٌ بِهَلَاكِ مُوَاطِنِيهَا، وَانْظُرْ مَا حَوْلَكَ تَعْلَمْ ذَلِكَ، ثُمَّ تَأَمَّلُوا فِي قُوَّةِ هَؤُلاءِ، فَلَوْلَا أَنَّ اللهَ وَقَانَا شَرَّهُمْ بِهَذِهِ الْعَاصَفَةِ لِكَانَتْ بِلَادُنَا مُحْتَلَّةً هَذَا الْيَوْمَ، وَلَكَانَتْ الْجُثَثُ وَالْأشْلَاءُ تَمْلَأُ الْمُدَنَ وَالْأَرْجَاءَ، إِنَّهُمْ (لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً)، وَلَوْ تَمَكَّنُوا مِنَّا لَذَبَّحُونَا وَسَامُونَا سُوءَ الْعَذَابِ، ثُمَّ تَأَمَّلُوا: فَمَعَ أَنَّهَا تَمَّتْ ثَلَاثُ سَنَوَاتٍ مُنْذُ بَدَأَتْ هَذِهِ الْعَاصِفَةُ الْمُبَارَكَةُ إِلَّا أَنَّهُمْ لايَزَالُ عِنْدَهُمْ قُوَّةٌ وَمُقَاوَمَةٌ وَلَكِنَّ اللهَ لَهُمْ بِالْمِرْصَادِ، وَلَوْلَا اللهَ ثُمَّ وُجُودَ الدَّوْلَةِ وَرِجَالِهَا لَكُنَّا فِي أَشَدِّ الْخَطَرِ، هَذَا إِنْ أَبْقَوْنَا أَحْيَاءَ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى دَوْلَتِكَ وَقُوَّتِهَا وَتَمَاسُكِهَا هُوَ فِي الْوَاقِعِ مُحَافَظَةٌ عَلَى نَفْسِكَ وَأَهْلِكَ وَمَالِكَ.

    (الْوَقْفَةُ الْخَامِسَةُ) تَوَقَّعِ الْمَوْتَ فِي أَيِّ لَحْظَةٍ، أَيُّهَا الْمُسْلِمُ : إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)، فَتَأَمَّلْ فِي حَوَادِثِ الزَّمَانِ وَمَا تَحْمِلُهُ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ، ثُمَّ إِيَّاكَ أَنْ تَغْفُلَ عَنِ الْمَوْتِ، فَإِنَّ آجَالَنَا مَحْدُودَةٌ وَأَيَّامَنَا مَعْدُودَةٌ، قَالَ اللهُ تَعَالَى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)

    (الْوَقْفَةُ السَّادِسَةُ) اسْتِغْلَّ حَيَاتَكَ مَا دُمْتَ فِي زَمَنِ الْمُهْلَةِ : عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ (اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هِرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاءَكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ.

    فَاغْتَنِمْ نَفْسَكَ يَا مُسْلِمُ مَا دُمْتَ فِي زَمَنِ الْمُهْلَةِ وَمَا دُمْتَ لَمْ تَنْشَغِلْ عَنِ الطَّاعَةِ بِمَرَضٍ أَوْ مُصِيبَةٍ أَوْ حَرْبٍ أَوْ غَيْرِهَا، ثُمَّ تَتَمَنَّى مَا كُنْتَ فِيهِ مِنْ قَبْلُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ)

    حَافِظْ أَيُّهَا الْمُسْلِمُ عَلَى الْفَرائِض ِوتَزَوَّدْ مِنَ النَّوَافِلِ لِتَفُوزَ بِسَعَادِةِ الدّنْيَا وَبِجَنَّةِ الآخِرَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ) رواه البخاري . أَقُولُ قَولِي هَذَا وأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِيْ ولَكُمْ فاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُوْرُ الرَّحِيْمُ .

     

    الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

    الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ القَوِيُّ الْمَتِينُ، وَأُصَلِّي وَأُسَلِّمُ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأَمِينِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ.

    أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ (الْوَقْفَةَ السَّابِعَةَ) هِيَ أَنْ نُذَكِّرَ أَهْلَنَا وَمَنْ حَوْلَنَا بِمَا خُلِقْنَا مِنْ أَجْلِهِ، وَأَنْ نَسْتَعِدَّ لِلْمَوْتِ وَأَنْ نَحْذَرَ الْغَفْلَةَ وَاللَّهْوَ، ثُمَّ لا يَكُونُ حَظُّنَا مِنَ الْحَوَادِثِ التِي تَحْصُلُ بَيْنَ الْفَيْنَةِ وَالْأُخْرَى إِلَّا نَشْرُ التَّغْرِيدَاتِ أَوْ تَصْوِيرِ السِّنَابَاتِ أَوِ الْتِقَاطِ الصُّوَرِ بِالْكَمِيرَاتِ، ثُمَّ نَبْقَى فِي غَفْلَتِنَا لا نُحَافِظُ عَلَى طَاعَةٍ وَلا نَرْتَدِعُ مِنْ مَعْصِيَةٍ، فَإِنَّ مِثْلَ هَؤُلاءِ يَصْدُقُ عَلَيْهِمْ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)

    (الْوَقْفَةُ الثَّامِنَةُ) تَذَكُّرُوا إِخْوَانَكُمْ الذِينَ كُلَّ سَاعَةٍ عَلَيْهِمْ صَوَارِيخُ وَقَنَابِلُ، سَوَاءٌ فِي سُورِيَا الْجَرِيحَةِ أَمْ غَيْرِهَا مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ التِي تَسَلَّطَ عَلَيْهَا الْأَعْدَاءُ فَعَاثُوا فِي الْأَرْضِ فَسَادَاً وَفِي الْمُسْلِمِينَ قَتْلَاً وَتَشْرِيدَاً، هَدَمُوا الْبُيُوتَ، وَأَحْرَقُوا الْمَزَارِعَ، وَقَطَعُوا الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ.

    تَذَكُّرُوا إِخْوَانَكُمْ بِالدُّعَاءِ لَهُمْ، وَبِبَعْثِ الْمُسَاعَدَاتِ بِالطُّرُق ِالرَّسْمِيَّةِ الصَّحِيحَةِ لِكَيْ تَصِلَ إِلَيْهِمْ، سَاعِدُوهُمْ وَآوُوهُمْ.

    (الْوَقْفَةُ التَّاسِعَةُ) الدُّعَاءُ سِلَاحُ الْمُؤْمِنُ، إِنَّ عَلَيْنَا أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ أَنْ نَلْجَأَ دَائِمَاً إِلَى رَبِّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِأَنْ يُتِمَّ عَلَيْنَا نِعْمَةَ الْأَمْنِ وَالإِيمَانِ وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ، وَأَنْ يَحْفَظَ دِينَنَا وَأَمْنَنَا وَأَرْضَنَا، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَكْبَرِ النِّعَمِ، وَكَمْ هُنَاكَ مَنْ يَتَمَنَّاهَا وَلا يَلْقَاهَا. وَادْعُوا لِإخْوِانِكُمُ الْمُسْلِمِينَ بِالْفَرَجِ الْقَرِيبِ، وَإِنَّ مِنْ أَقْرَبِ الدُّعَاءِ إِجَابَةً دُعَاءَ الْغَائِبِ لِلْغَائِبِ.

    (الْوَقْفَةُ الْعَاشِرَةُ) إِنَّ مِنْ حُقُوقِ وَلِيِّ أَمْرِنَا عَلَيْنَا- وَلَاسِيَّمَا فِي مِثْلِ هَذِهِ الأَحْدَاثِ – أَنْ نَدْعُوَ لَهُ بِالصَّلَاحِ وَالْهِدَايَةِ، لَهُ وَلِأَعْوَانِهِ وُوُزَرَائِهِ، فَإِنَّ صَلَاحَ وَلِيِّ الْأَمْرِ صَلَاحٌ لِلْبِلَادِ وَالْعِبَادِ، وَلِذَلِكَ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَدْعُونَ لِوُلَاةِ الْأَمْرِ بِالتَّوْفِيقِ وَالتَّسْدِيدِ، قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللهُ : لَوْ أَنَّ دَعْوَةً مُسْتَجَابَةً مَا صَيَّرْتُهَا إِلَّا فِي الْإِمَامِ، قِيلَ لَهُ : وَكَيْفَ ذَلِكَ يَا أَبَا عَلِيّ ؟ قَالَ : لَوْ صَيَّرْتُهَا فِي نَفْسِي لَمْ تُجَاوِزْنِي، وَمَتَّى صَيَّرتُهَا فِي الْإِمَامِ فَصَلَاحُ الْإِمَامِ صَلَاحُ الْعِبَادِ وَالْبِلَادِ.

    أَسْأَلُ اللهَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ أَنْ يَحْفَظَ بِلَادَنَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَشَرٍ وَبَلاءٍ, اللَّهُمَّ أَصْلِحْ وُلَاةَ أَمْرِنَا وَاهْدِهِمْ سُبُلَ السَّلَامِ, اللَّهُمَّ اجْمَعْ كَلِمَتَهَمْ عَلَى الحَقِّ يَارَبَّ العَالَمِينَ, اللَّهُمْ وَفِّقْ جَمِيعَ وُلَاةَ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ لِلْعَمَلِ بِكِتَابِكَ وَاتِّبَاعِ نَبِّيِكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّمْ, وَإِقَامَةِ شَرْعِكَ يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكْرِام, اللَّهُمْ خُذْ بِأَيْدِينَا لِلتَّوْفِيقِ وَالسَّدَادِ وَاجْعَلْ عُقْبَانَا إِلَى رَشَادٍ، اللَّهُمَّ اكْفِنَا شَرَّ الْأَشْرَارِ وَكَيْدَ الْفُجَّارِ يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِالْحُوثِيِّينَ وَمَنْ عَاوَنَهُمْ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِهِمْ وَبِمَنْ وَقَفَ مَعَهُمْ، اللَّهُمَّ شَتِّتْ شَمْلَهُمْ وَفَرِّقْ جَمْعَهُمْ وَاهْزِمْ جُنْدَهُمْ يَا جَبَّارُ يَا قَهَّارُ، اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا التِي فِيهَا مَعَاشُنَا وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا التِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا ! اللَّهُمَّ أَصْلِحْ شَبَابَ الْمُسْلِمِينَ وَاهْدِهِمْ سُبُلَ السَّلامِ وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ للْهُدَى وَالرَّشَادِ، وَجَنِّبْهُمْ الْفِتَنَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَما بَطَنْ، اللَّهُمَّ جَنِّبْ بِلادَنَا الْفِتَنَ وَسَائِرَ بِلادِ الْمُسْلمِينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ ! اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِن الغَلَا وَالوَبَا وَالرِّبَا وَالزِّنَا وَالزَلازِلَ وَالفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَن، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ وَالْحَمْدِ للهِ رَبِّ العَالَمِينْ.

جميع الحقوق محفوظة لموقع خطباء © 2019