القاعدة الرابعة والعشرون: الرضَا بقدرِ اللهِ مفتاحُ الخيرٍ

قال الله تعالى: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النساء].
هذهِ الآيةُ الكريمةُ قريبة من الآيةِ السابقةِ {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى}، وقدْ قالَ تعالى فيها: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ}، ولمْ يقلْ: (ما فضَّلَ اللهُ بهِ الرجالَ -أو بعضَ الرجالِ- على النساءِ)، فهناكَ أمورٌ عندَ المرأةِ ليستْ عندَ الرجلِ، وهيَ مِنْ خصائصِها التي فضَّلَها اللهُ بها، وقدْ يَتَمناها بعضُ الرجالِ، وهناكَ أمورٌ عندَ الرجلِ ليستْ عندَ المرأةِ، وهيَ مِنْ خَصائصِه التي فضَّلَه اللهُ تعالى بها، وقدْ تَتَمناها بعضُ النساءِ. فكلٌّ منهما فضَّله اللهُ بجوانبَ ليستْ عندَ الآخَرِ، والفهمُ الصحيحُ لمثلِ هذهِ الآياتِ أنْ يَرضَى كلٌّ منهما -رجلًا كانَ أو امرأةً- بما أعطاهُ اللهُ، ولا يتَمنَّى ما أعطاه للآخَرِ؛ لأنَّه يكونُ اعتراضًا على أمرِ اللهِ وعلَى خَلقِ اللهِ، واللهُ تعالى يقولُ: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب:36].

 

 إنَّ الإخلالَ بهذهِ القاعدةِ -لا سيما فيما يتعلَّقُ بالآيةِ الكريمةِ- يقعُ عندَ النساءِ أكثرُ مما يقعُ عندَ الرجالِ، فكثيرٌ مِنَ النساءِ تتمنَّى مَا فضَّلَ اللهُ به الرجالَ عليها، وتنسَى ما أعطاها اللهُ، وقدْ تقولُ إحداهُنَّ -هداها اللهُ- ليتني كنتُ رجلًا لفَعلتُ كذا وكذا، ليتَ الطلاقَ بيدي، أوْ ليتَ القِوامةَ بيدي، وهكذا، فهذا لا ينبغِي ؛ لأنّه تعدٍّ علَى حدودِ اللهِ، وتمني ما فضَّل اللهُ به الرجلَ علَى المرأةِ، فيجبُ أنْ تُدرِكَ المرأةُ أنَّ هذا شرعُ اللهِ تعالى وأنَّ ما تتمناه مخالف لأمر الله تعالى.
 

وفي المقابلِ فإنَّ محاولةَ استغلالِ آياتِ التفضيلِ للانتقاصِ مِنَ المرأةِ، أوْ تنزيلَ حديثِ (ناقصاتُ عقلٍ ودينٍ)  في غيرِ موضعِه خللٌ آخر، فإنًّ مَا جعلَه اللهُ تعالى نقصًا في المرأةِ، فيه خيرٌ لها مِنْ وجهٍ آخرَ، لكنَّ كثيرًا مِنَ الرجالِ لا يُدرِكُونَ ذلكَ، ولوْ فَهِموا هذا الحديثَ علَى وجهِهِ الصحيحِ لعَرَفوا أنَّ فيه مِنَ الخيرِ للمرأةِ الشيءَ العظيمَ.
 

إنَّ التفاضلَ بينَ الرجلِ والمرأةِ له حِكَمٌ بالغةٌ، مِنْ أعظمِها أنْ يُكمِّلَ كلٌ منهما الآخرَ لتقومَ الحياةُ وتَستمرَ على ظهرِ الأرضِ، وأمَّا في الآخرةِ فإنَّ التمايزَ والتفاضلَ يكونُ بالإيمانِ والعملِ الصالحِ، وأصل التكليف واحد، بمعنى أن كلًا من الجنسين مكلف بحسب خصائصه، وسيجازيه الله بحسب ما أعطاه وأقدره عليه، ولذلكَ قالَ اللهُ سبحانه وتعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} [آل عمران:195]، وقال: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} [النساء:124].
 

وممَّا ينبغي أن يُعلمَ أنَّ التفضيلَ ليسَ بينَ الرجالِ والنساءِ فحسبْ، بلْ إنَّ اللهَ تعالى فَضَّل بعضَ الرجالِ على بعضٍ، وفَضَّل بعضَ النساءِ على بعضٍ، {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ}، لا ينبغي قَصْرُه على تفضيلِ الرجلِ على المرأةِ، ولا المرأةِ على الرجلِ، فالرجالُ يتفاضلونَ فيما بينَهم، والنساءُ يتفاضلْنَ فيما بينهُن، هذا واقعٌ مُشاهَدٌ، وإن كان السياق في صدد: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ} [النساء:32]. ولا ينفي ذلك وجود التفاضل بين الجنس الواحد من الرجال والنساء، فأبو بكرٍ الصديقُ رضي الله عنه أفضلُ هذه الأمةِ بعدَ نبيِّها صلى الله عليه وسلم، وعمرُ رضي الله عنه أفضلُ هذهِ الأمةِ بعدَ أبي بكرٍ، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم يقول: (كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ) ، أيْ هناكَ رجالٌ لمْ يَكملوا، واللهُ سبحانه وتعالى بيَّنَ أنه فضَّلَ بعضَ النبيينَ على بعضٍ {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [البقرة: 253]، ولكنْ لا ينبغي أنْ نقولَ: فلانٌ مِنَ الأنبياءِ أفضلُ مِنْ فلانٍ، علَى وجهِ الغضِّ مِنْ حقَّه، كما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (لاَ يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ ابْنِ مَتَّى) ، وفي الحديث الآخر، قال صلى الله عليه وسلم: (لاَ تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ) ، فكلُّهم أنبياءُ اللهِ تعالى وكلُّهم لهم مكانتُهم. فَفَرْقٌ بينَ التفضيلِ المقرِّرِ لحقيقةٍ واقعةٍ، وبينَ التفضيلِ الخاصِّ الذي قدْ يُفْهَمُ منهُ الانتقاصُ.
 

وكما يتفاضلُ الرجالُ تتفاضلُ النساءُ، فلسنَ سواءً، قال عليه الصلاة والسلام: (وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ: إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ) ، وأمهاتُ المؤمنينَ، وَهُنَّ زوجاتُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعضُهنَّ أفضلُ مِنْ بعضٍ.
 

فما دَامَ هذا التفضيلُ مِنَ اللهِ؛ سواءٌ خِلقةً أوْ سببًا أوْ كَرمًا، وليسَ تقصيرًا مِنَ الإنسانِ، فعليهِ أنْ يرضَى بما قدَّره اللهُ لَه، ولا يتمنَّى مَا قدَّرهُ لغيرِهِ ولمْ يُقَدِّرْهُ لَهُ {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ}.
 

ولأجل أن تستقيم حياتُنا فلابد من معرفة هذا التفاضل، ولابد من إجرائه مجراه الصحيح بحيث يقوم كل بواجبه وما يناسبه، ولا يطلب ما لا يلائمه، فإذا عَرَفَتِ الزوجةُ أنَّ اللهَ قدْ فضَّلَ الزوجَ في أشياءَ، وعَرفَ الزوجُ أنَّ اللهَ فضَّلَ الزوجةَ في أشياءَ، وَتَعَامَلَ كلٌّ منهما معَ صاحبِه في ضَوءِ {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ}، استقامتِ الحياةُ الزوجيةُ، وبدونِها لا تستقرُ ولا يَحْدُثُ الأنْسُ ولا التكاملُ ولا الاستقرارُ.