القاعدة الحادية والعشرون: إرضاءُ الزوجةِ حسن في غير معصيةِ

قال الله تعالى: {تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ} [التحريم:1].
 كثيرٌ مِنَ النَّاسِ -وبخاصَّةٍ الأزواجُ- يَفهمُ هذه الآيةَ على غيرِ وجهِها، فيَظنُّ أنَّ طَلبَ رِضَا الزوجةِ لا يليقُ بالرَّجلِ، ويَستدلُ بهذه الآيةِ استدلالًا خَاطِئًا على النَّهِي عَنْ إرضاءِ الزوجاتِ، ويَجعلُها قاعدةً!

 

والحقُّ أنَّ هذهِ الآيةَ لا يجبُ أنْ تُفصلَ عنْ سياقِها، قالَ تعالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ}؛ أيْ أنَّ من حَرَّم على نفسه ما أحلَّ اللهُ له يبتغي مرضاةَ أزواجِه، وهو أسوة كالنبي صلى الله عليه وسلم فقد أتى ما لا يَنبغِي له ولا يجوزُ.
 

ولو أنَّ إنسانًا قال: أنا لا أرغبُ أنْ آكلَ العسلَ أو أنْ أَشْرَبَهُ، فهذا لا يأثمُ بذلكَ حتَّى لوْ لمْ يَشْرَبْه طُولَ عمرِه، لكنْ لوْ أنَّه حرَّمه على نفسِه مِنْ أجلِ رضا زوجِه، وكانت للناس به أسوة فإنَّ الآيةَ تُخاطبُه: {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ}، فلا يجوزُ لَهُ ذلكَ.
 

ويجبُ أن نُفرِّقَ بين حالَينِ؛ الأُولَى حال بعضِ الرِّجالِ الذينَ -معَ الأسف- يستجيبونَ لطلباتِ زوجاتِهم وإن كانت فيما حرَّم اللهُ، فيُدخِلُ الواحدُ منهم آلاتِ اللهوِ والأغاني في بيتِه، ثمَّ يقولُ: ماذا أَفعلُ؟ أريدُ أنْ أُرْضِيَ زوجَتي! يَذهبُ إلى أماكِنَ محرَّمَةٍ، فإن عُوتِبَ يقولُ: أريدُ رِضا زوجتِي، وهكذا يقعُ في كثيرٍ منَ المخالفات بسببِ طلبِ رضا زوجتِه.
 

فهنا نقولُ لهذا الرجلِ: لا تبتغي مرضاة أزواج فيما لا يرضى الله! {تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ} فيما فيه مفسدة! قدْ عاتبَ اللهُ عز وجل نبيَّهُ صلى الله عليه وسلم لأنَّهُ حرَّمَ على نفسِه ما أباحَه اللهُ له طلبًا لرضا أزواجِه، فكيفَ بمنْ يطلبُ رضا زوجِه بارتكابِ المحرماتِ والموبقاتِ؟ هذا أمرٌ عظيمٌ.
 

والحالُ الثانيةُ على النقيضِ؛ حيثُ تَطلبُ الزوجةُ منْ زوجِها أمرًا مباحًا مشروعًا، فيقولُ: لا، أنا الذي أُبادِرُ، أمَّا أنتِ فلا أطيعُكِ حتى لا يُعَيَّر في بعض المجالسِ: بأن فلانًا يطيعُ زوجتَه ويبحثُ عنْ رِضاها. فهذَا يَنظرُ لبعضِ الأعرافِ الفاسدةِ ويجعلُ لهَا اعتبارًا، حتَّى إذَا قِيلَ لهُ في مجلسٍ: يا فلانُ! أَتبحثُ عنْ رضا زوجتِك وطاعتِها؟ قال: أبدًا واللهِ!
 

والحق ُّالذي لا مَحيدَ عنْهُ، أنَّ إرضاءَ الزوجةِ فِيما أباحَ اللهُ تعالى وفيما لا ضررَ فيهِ جائز، بل قد يكون مشروعًا إذا تضمن مصلحة، وهو منْ أهمِّ عواملِ استقرارِ الحياةِ الزوجيَّةِ، فكيف بإرضائِها فيما استحبَّه الله أو أوجبه، وأمَّا إرضاؤها فيما حرَّمه اللهُ فممنوعٌ، هذا هو المنهجُ الوَسَطُ، لا إفراطَ ولا تفريطَ، فلا نُحرّمُ ما أحلَّ اللهُ لنا إرضاءً لزوجاتِنا، ولا نَمتنعُ عنْ إرضاءِ زوجاتِنا خَوْفًا مِنْ عُرفٍ جاهليٍّ باطلٍ، أنْ يُقالَ فلانٌ يَبحثُ عَنْ رضا زوجتِه.
 

فإذا كانَ البحثُ عنْ رضا الزوجةِ في الحقِّ وِفْقَ ما أباحَ اللهُ تعالى، فضلًا عما شرعَ اللهُ تعالى، قد يكون عبادة وخُلُقًا ممدوحًا بالنظر إلى عاقبته، فكيف بإرضائها في حقوقها، وما يجب لها، وما هو داخل في أمر العشرة بالمعروف؟! ولنَا في رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أسوةٌ حسنةٌ، فعنْ عائشةَ رضي الله عنها قَالَتْ: (دَخَلَ الْحَبَشَةُ الْمَسْجِدَ يَلْعَبُونَ فَقَالَ لِي: يَا حُمَيْرَاءُ أَتُحِبِّينَ أَنْ تَنْظُرِي إِلَيْهِمْ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَامَ بِالْبَابِ وَجِئْتُهُ فَوَضَعْتُ ذَقَنِي عَلَى عَاتِقَهُ فَأَسْنَدْتُ وَجْهِي إِلَى خَدِّهِ. قَالَتْ: «وَمِنْ قَوْلِهِمْ يَوْمَئِذٍ أَبَا الْقَاسِمِ طَيِّبًا» فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «حَسْبُكِ؟» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ لَا تَعْجَلْ، فَقَامَ لِي ثُمَّ قَالَ: «حَسْبُكِ؟» فَقُلْتُ: «لَا تَعْجَلْ يَا رَسُولَ اللهِ». قَالَتْ: «وَمَا لِي حُبُّ النَّظَرِ إِلَيْهِمْ، وَلَكِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ يَبْلُغَ النِّسَاءَ مَقَامُهُ لِي وَمَكَانِي مِنْهُ») ، فأيُّ إرضاءٍ للزوجةِ أكثرُ مِنْ هذا؟
 

فلا ينبغي لنَا إذًا أن نَفهمَ هذهِ الآيةَ على غيرِ وجهِهِا، ولَا أنْ نَنظرَ للمرأةِ نَظْرةَ احتقارٍ وانتقاصٍ، كما سادَ في بعض الأعرافِ، حتَّى يَشْعُرَ الواحدُ منْهُمْ أنَّه مِنَ الْمذمَّةِ والضَّعفِ والذلِ أن يُقالَ إِنَّهُ يريدُ رِضا زوجتِه، بلْ واللهِ إنَّهُ لمِنَ الكَرمِ والشَّرفِ والقوةِ والعزةِ أنْ يَبْحَثَ الإنسانُ عَنْ رِضَا زوجتِه فيما أباحَ اللهُ، فالعزيزُ من يُعِز زوجتَه والكريمُ مَنْ يُكرمُها، والذليلُ مَنْ يُهينُها بغيرِ حقٍّ.
 

فالأخذُ بهذهِ القاعدةِ سببٌ مِنْ أسبابِ الوِقايةِ مِنْ عذابِ اللهِ وعقوبتِه -إنْ نحنُ انتهكنا حُرُماتِ اللهِ إرضاءً لزوجاتنا- وسببٌ لاستقرارِ الأسرةِ وهناءِ الزوجينِ والأولادِ.