القاعدة الثَّامنةَ عشرةَ: ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف

قال الله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة:228].
هذه الآية الكريمة، تتضمَّن قاعدةً عظيمةً، تقرِّر مبدأ العدل أساسًا للحياة الزَّوجيّة، بل وتُعلي من مكانة هذا المبدأ، بأن ترفعه إلى مقام الأمر الإلهيِّ والشرعِ المحكم، الذي لو طبَّقناه وأقمناه في حياتنا؛ لاستقرَّت بيوتنا، وخيَّمت عليها المودَّة والسَّكينة والرَّحمة: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} أي: (وللنِّساء على بعولتهنَّ من الحقوق واللوازم، مثلُ الَّذي عليهنَّ لأزواجهنَّ من الحقوق اللَّازمة والمستحبَّة) .

 

فلماذا يُريدُ بعضُ الأزواج أن يأخذَ ولا يُعطي؟! لماذا ينظر إلى المرأة وكأنَّها مملوكةٌ له، ثمَّ يتصرف معها كما يتصرف مع المملوك؟! إنَّه واقع ظالم مسوّد في سجل التَّاريخُ الإنساني بمداد الأسى والحسرة، فجاء الإسلام ووضع القواعد والأسس الكفيلة بتأسيس حياةٍ إنسانيّة كريمة، لكلا عمادي الأسرة، الزوجة والزّوج، وهذا هو السِّرُّ في أنّ الآية الكريمة، وهي تقرِّر العدالة بين طرفي الزواج، تبدأ بذكر ما للطَّرف المستضعف من الحقوق، فإذا كانت النَّظرةُ الخاطئة تهتمُّ بما يجبُ على النِّساء أن يفعلنه من الواجبات، فإنَّ الآية الكريمة تبدأ بذكر ما لهنَّ من الحقوق: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}، ولم يقل: (وعليهنَّ مثلُ الذي لهنَّ)، لافتةً نظر الأزواج إلى أنَّ هذا الذي تهتمُّون به من واجباتٍ على المرأة، يستند على حقوقٍ ينبغي أن تبذل لهنَّ في البدء، فقال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} فقدَّم حقوق الزوجات على حقوق الأزواج، فقال: {وَلَهُنَّ} أي: حقٌّ لهنَّ واجبٌ شرعيٌّ: {مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ}، وذلك كما في حديث سلمانَ وأبي الدَّرداء رضي الله عنهما، لمّا آخَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بينهما، (فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً، فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا)، أي: إنَّ العبادة تشغله عن القيام ببعضِ واجباته الزوجيّة، (فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا)، فقال النّبيُّ صلى الله عليه وسلمَ: (صَدَقَ سَلْمَانُ) ، ففي هذا الحديث تنويه عمليٌّ ببعض معاني هذه الآية الكريمة.
 

ولنلحظ أنَّ الآية الكريمة، إذ تنصب ميزان العدالة بين الزوجين، وتقرِّر المثلية بين كفَّتي هذا الميزان، فإنّها تُقيِّد هذه المماثلة بالمعروف، فقال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}، وهو المعروفُ الشَّرعيُّ، لأنَّ حقوقَ المرأة تختلف بطبيعتها عن حقوق الرجل، وهذا الاختلاف أكَّدته النصوص الشّرعيَّة كما سوف يأتي في قاعدةٍ مستقلّة، وأكدته كذلك الأعراف الاجتماعيّة، في المجتمعات التي لم تُطمس فطرتها، وهذه المسألة مسألة عظيمة جدًا، فالمماثلة في الحقوق والواجبات الزّوجيّة في الإسلام، ليس المراد بها المساواةَ التي يرفعُ شعارَها أدعياءُ حقوق المرأة، وهي المساواة الحسابيَّة الّتي تسقطُ العوامل الأخرى المتعلّقة بطبيعة كلٍّ من الرجل والمرأة، والدَّور الاجتماعيّ الّذي يلعبه كلٌّ منهما، أما المساواة الشّرعية، فإنَّها المساواة التي تقوم على قاعدة العدل بين الرجل والمرأة، وإعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقَّه، ومراعاة الفوارق بين الرجل والمرأة، ولنضرب لذلك مثالًا من أحكام الميراث، حيث القاعدةُ الغالبة أنَّ نصيب المرأةِ يكونُ نصفَ نصيب الرَّجل عند استواء صلة القرابة الموجبة للإرث، فالزوجة مثلًا إذا تُوفيت يكون نصيبُ الزَّوج من ميراثها النِّصفَ إن لم يكن لها ولدٌ، أو الرُّبع إن كان لها ولد، أمَّا إذا توفي الزوج، فإنَّ نصيب الزَّوجةِ أو الزَّوجاتِ يتراوح ما بين الرُّبع والثُّمن، وقد يبدو في ظاهر النظر السطحي أن هذا الحكم فيه عدم إنصاف لعدم المساواة بين الرجل والمرأة، كما يزعم أدعياءُ حقوق المرأة من المستغربين، لكنَّهم لو نظروا إلى الصُّورة كلِّها؛ للحظوا أنَّ الرَّجل هو المكلَّفُ بالإنفاق وحمل أعباء الأسرة، والمرأة معفاةٌ من ذلك، هذا أولًا، وثانيًا لو أنَّهم استقرؤوا أحوال الميراث؛ التي سوف تنتج فعليًَّا من تطبيق أحكامه؛ لوجدوا أنَّ المرأة في أربع حالاتٍ يكون ميراثها نصف الرجل مع استواء درجة القرابة، وذلك في مقابل عشر حالاتٍ يزيد نصيبُ المرأة فيها على نصيبِ الرَّجل، ثم يتساوى نصيباهما في ثلاثين حالةً، يعرفها المختصون، {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف:49]. والمهم هنا هو أنّ مقتضى العدل لا يتحقّق بالمساواة الحسابيَّة دائمًا؛ التي تكون بمعنى المماثلة التَّامَّة، وإنما يتحقّق بالمساواة التي تكون بالمعروف، المساواة الملائمة للواجبات والتبعات، وهي التي يُراعى فيه طبيعة كلٍّ من الرجل والمرأة، ودورهما الاجتماعي، وكذلك طبيعة النظام الاجتماعيِّ كلِّه، وعندئذٍ فلا ريب أنَّ الإسلام قد أنصف المرأة وكرَّمها ورفع شأنها.
 

إنَّ هذه الآية الكريمة ببنيانها المحكم، تبيِّن أنَّ الحقوق الزّوجيّة، تقوم على أساس المماثلة بالمعروف، مؤكِّدةً في ذلك على حقوق المرأة في المقام الأول، حيث جعلتها معيارًا للمماثلة، فقال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}، والحياة الزوجيّة إنَّما تستقيم بتحقيق هذه المماثلة، وقيام كلٍّ من الزَّوج والزَّوجة، بواجباته في مقابل تمتُّعه بحقوقه، فيكون الأخذ مقابل العطاء، أمّا عندما يكون الأخذ بلا عطاءٍ مقابل؛ فعندئذٍ يحدث خلل كبير في العلاقة الزوجيّة، هو أكبر أسباب المشكلات الأسريَّة، فما من مشكلةٍ بين الزوجين، إلا وهناك بخسٌ ونقصٌ وظلمٌ وتفريطٌ واقعٌ من أحدهما على الآخر. مع أنَّ الأصلَ عند حدوث التَّجاوز والتّقصير، هو العفو والصفح، كما قال تعالى: {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة:237]، فلا بدّ من التجاوز، ولا بدّ من العفو، حتى يتَّسم البيتُ بطابع الاستقرار والمودّة والرَّحمة؛ فعلى من يشكو من اضطراب حياته الأسريّة، أن يراجع سلوكه مع زوجه، وينظر هل يقوم بحقوقه الزّوجيّة بالمعروف؟ وقد لحظتُ في كثيرٍ من المشكلات الأسريّة التي عُرضت عليَّ، أنَّ كثيرًا من النِّساء وبعض الرِّجال، ينفون أن يكون قد صدر من قبلهم أيُّ تقصيرٍ في القيام بما يجب عليهم، وهذا هو سببُ المشكلة الأساس، أي الشعور بالبراءة وعدم التّقصير، وكأنَّه مَلَكٌ كريم، بل لا بدَّ من التّقصير، بحكم بشريَّتنا وضعفنا الإنسانيِّ، وكذلك لا بدَّ من التصافح والتعافي والتسامح.
 

إنَّ شعور كلٍّ من الزَّوجين بالضّعف والتّقصير، يُتيح لهما أن يعفوا ويتسامحا، ويُراجع كلٌّ منهما نفسه، ويجتهد في أداء الحقوق الزّوجيّة، التي قرّرها على نحوٍ محكم قولُ الله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}.