القاعدة الرّابعة عشرة: وأن تعفوا أقرب للتقوى

قال الله سبحانه : ﴿وَأَن تَعفُوۤا أَقرَبُ لِلتَّقوَىٰ﴾ [البقرة:237].

التَّقوى غايةٌ شرعيَّة شريفة تهفو إليها النُّفوسُ، فكلُّ مسلمٍ يسعى إلى تحقيق التَّقوى، لأنَّ تحقيق التَّقوى يعني: الوقايةُ من عذاب الله سبحانه في الآخرة، والوقاية من جميع ألوان الشَّقاء في الدُّنيا، ومنها ذلك الشَّقاء الّذي يُخيِّم على كثيرٍ من البيوت، بسبب النزاعات الزوجية، والذي كثيرًا ما يؤدِّي إلى الفرقة وتشتيت شمل الأسرة، فالتَّقوى تقي بإذن الله صاحبها من هذا الشَّقاء.

 

إن التَّقوى مطلب شرعيٌّ لا بدَّ منه، وضرورةٌ إنسانيَّة، فكيف نحقّق التَّقوى؟

الجوابُ عن هذا السؤال، مضمَّنٌ في قوله تعالى: ﴿وَأَن تَعفُوۤا أَقرَبُ لِلتَّقوَىٰ﴾ أي إنَّ العفوَ هو أقربُ طريقٍ إلى التَّقوى، إذن فليكن العفوُ منهجَ حياتك، سواءٌ في علاقتك الزَّوجيَّة، أو في سائر أنواع علاقاتك، هكذا كان النبي صلى الله عليه سلم في عامة علاقاته يُغضي ويعفو، بل ولا يُفتِّش عن مظانِّ الإدانة للطرف الآخر، ولو كان خادمه، ناهيك أن تكون زوجه أو غيرها، فهذا أنس بن مالك رضي الله عنه ، خدم رسول الله صلى الله عليه سلم ، عشرة أعوام، حكى عنها فقال: (فَخَدَمْتُهُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، مَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَ هَذَا هَكَذَا؟ وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ: لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا هَكَذَا) ؟

 

إنَّ إقامة معاملاتنا مع أهلنا وأزواجنا، على قاعدة العفو، سيؤدِّي إلى تغييرٍ جوهريٍّ في حياتنا؛ لأنَّه كما يعني أنَّنا مجتهدون في وقاية حياتنا من عذاب النَّار يوم القيامة، كذلك يعني أنَّنا مجتهدون في سبيل وقايتها في الدنيا، من الهموم والغموم والأكدار التي تنغِّص العيش، وذلك حتَّى يكون البيت سكنًا ومستقرًَّا تُخيِّم عليه المودّة والرّحمة، يأوي إليه كلٌّ من الزوجين، وينشدان فيه السعادة والرَّاحة، أكثر مما كانا يجدانه في بيت أهلهما.

 

سمعتُ طالبَ علمٍ يقول: إنَّني أجتهد في كفِّ نفسي عن إيذاء الآخرين، وأسعى إلى أن يكفُّوا هم كذلك أذاهم عنِّي، لكنَّني إذا ما وقع عليَّ الأذى، اجتهدتُ في تحمُّله وتقبُّله، بل والفرحة به؛ لأنَّه يُتيح لي أن أعفوَ عمَّن ظلمني وأساء إليَّ، وذلك يفتح لي بابًا إلى عفو الله تعالى عنِّي ومغفرته لي ذنوبي، كما قال تعالى: ﴿وَلیَعفُوا وَلیَصفَحُوۤا أَلَا تُحِبُّونَ أَن یَغفِرَ ٱللَّهُ لَكُم﴾ [النور:22]، وإذا فزتم بمغفرة الله سبحانه لكم، وأسبغ عليكم رضوانه؛ فماذا تتوقَّعون بعدها، قال تعالى: ﴿فَقُلتُ ٱستَغفِرُوا رَبَّكُم إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارا یُرسِلِ ٱلسَّمَاۤءَ عَلَیكُم مِّدرَارا وَیُمدِدكُم بِأَموَٰل وَبَنِینَ وَیَجعَل لَّكُم جَنَّٰت وَیَجعَل لَّكُم أَنهَٰر ﴾ [نوح].

 

نعم لا أحد يتمنَّى أن يقع في بيته مكروه، أو نزاعٌ أو خصام؛ لكن إن قدَّر الله عليه وقوع هذا المحذور، فيجب عليه أن يرضى بقضاء الله تعالى، ويعلم بأنَّ له حكمة، وأن الرِّضا بهذا القضاء ستكون عاقبتُه خيرًا يُفيضه الله تعالى عليه، وعلى بيت الزَّوجيَّة، إذا دافع ذلك المقضي بالعمل المشروع وجوبًا أو ندبًا! فليعتبرها فرصةً لنيل رضوان الله سبحانه وعفوه ومغفرته له ما جنَتْه يداه، وما بدر منه من تقصير في حقِّ الله سبحانه!

 

إذن، ليكن قولُ اللهِ تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَن یَغفِرَ ٱللَّهُ لَكُم﴾ شعارًا للزَّوجين ودافعًا لهما إلى أن يجعلا العفو والمغفرة قاعدةً في المعاملة بينهما، ومنهجًا للحياة كلِّها.

 

﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَن یَغفِرَ ٱللَّهُ لَكُم﴾، بلى، يريد كلُّ امرئٍ أن يغفر الله تعالى خطاياه، فما قيمةُ الحياة إذا غضب الله علينا ولم يغفر لنا خطايانا؟! فلنتودَّد إلى اللهِ، ولنتوسَّل إليه بطاعته في العفو، عسى أن يعفو عنا وعن أزواجنا، فنسعد في الدارين!

 

إن العفو طهارةٌ للقلب، وكسبٌ للأجر، واستقرارٌ للحياة، وصفاء ومودة!

 

فيا أيُّها الأزواج، ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَن یَغفِرَ ٱللَّهُ لَكُم﴾؟! إذن فاغفروا لأزواجكم، واعفوا عنهم!

 

ويا أيَّتها الزوجة، ألا تحبِّين أن يغفر لك زوجك ويعفو عنك؟!

 

ويا أيُّها الزوج، ألا تحبُّ أن تغفر لك زوجك وتعفو عنك؟!

 

بلى والله، كلُّ زوجٍ يحتاج إلى العفو والمغفرة من زوجه؛ لكي يغفر له ويعفو عنه ربُّه سبحانه وتعالى. إذن فلتتواصوا به!

 

قد يرى أحدُ الزَّوجين أنَّه من العنت والمشقَّة، أن يغفر للآخر، بسبب ما يراه من شدَّة الظلم الواقع عليه، وعندئذٍ فلتكن له فيمن زكاهم الله تعالى أسوة! ليُقارن هذا الظُّلمَ الّذي وقع عليه، بالظلم الذي وقع على يوسف، بل على أبيه يعقوب عليهما السَّلام، برغم ما كان؛ جبٌّ، ورق، وتهمة، وسجن، وفرقة، وحرقة! لم يمنعه ذلك أن يغفر لمن ظلمه، بل كان قولُ يوسف لإخوته: ﴿ لَا تَثرِیبَ عَلَیكُمُ ٱلیَومَ یَغفِرُ ٱللَّهُ لَكُم﴾ [يوسف:92]، ولما قال أبناء يعقوب ليعقوب: ﴿ٱستَغفِر لَنَا ذُنُوبَنَاۤ﴾ [يوسف:97] كان ردُّه عليهم: ﴿سَوفَ أَستَغفِرُ لَكُم رَبِّیۤ﴾ [يوسف:98].

 

وليُقارن الزوج ما وقع عليه من زوجه بما وقع على النبي صلى الله عليه سلم ، وصاحبه أبي بكر رضي الله عنه، وزوجه عائشة رضي الله عنها ؛ من حادث الإفك، فكان التوجيه القرآنيُّ الرَّحيم لهم جميعًا، ولأبي بكرٍ رضي الله عنه خاصَّةً، لما عزم وأقسم على قطع النَّفقة عن قريبه مسطح بن أثاثة؛ لأنّه كان ممَّن خاض في الإفك، كان التوجيه: ﴿وَلَا یَأتَلِ أُولُوا ٱلفَضلِ مِنكُم وَٱلسَّعَةِ أَن یُؤتُوۤا أُولِی ٱلقُربَىٰ وَٱلمَسَٰكِینَ وَٱلمُهَٰجِرِینَ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ وَلیَعفُوا وَلیَصفَحُوۤا أَلَا تُحِبُّونَ أَن یَغفِرَ ٱللَّهُ لَكُم﴾ [النور:22]، بل إنَّ في قوله تعالى: ﴿وَلیَعفُوا وَلیَصفَحُوۤا﴾ تجاوزًا لمرتبة العفو، وبلوغًا إلى مقام الإحسان، وقد فقه أبو بكر رضي الله عنه هذا المعنى؛ فعفا عن مسطح وأعرض عما كان منه وأحسن إليه.

 

فإذا أخطأت الزوجة على زوجها؛ فينبغي بمقتضى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنسَوُا ٱلفَضلَ بَینَكُم﴾، أن يعفوَ عنها، وفوق ذلك أن يُحسن إليها بالطَّيِّب من القول، وكذلك إذا أخطأ الزَّوج؛ فلتُسامحه الزَّوجةُ، بل لتُحسِن وتتودَّدَ إليه، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَأَن تَعفُوۤا أَقرَبُ لِلتَّقوَىٰ وَلَا تَنسَوُا ٱلفَضلَ بَینَكُم إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعمَلُونَ بَصِیرٌ ﴾ [البقرة]، فيختم الآية بقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعمَلُونَ بَصِیرٌ﴾؛ أي تأمَّلوا في حقيقة أنَّ الله تعالى يرقبكم، وينظر إليكم أيُّها الأزواج، فليرَ جلَّ في علاه منكم ما يُريده لكم من الخير والرَّحمة والعفو والتّسامح والتَّقوى.