15 ربيع الأول 1440هـ. الحمد لله الذي أمرَنا بحمده، ووعدَنا عليه ثوابه، نحمده كثيرًا، كما أنعم علينا كثيرًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد: فاتقوا اللهَ؛ فتقوى اللهِ ما جاورَت قلبَ امرئ إلا وَصَلْ.

بلغَتْ عشرين سنة، فجاءها خاطب، فقال أبوها: إنها صغيرة، وفي الثالثة والعشرين تردَّدَ خاطبون، وأبوها يقول: ستُكمل دراستَها، وفي الخامسة والعشرين أتاها خاطبون وأبوها يقول كذبًا: شاورتُها فأبَتْ. توظفتْ، وأبوها يأخذ من راتبِها ما يأخذ، وبلغت البنت الثلاثين وهي تنتظر نصيبَها، وأبوها يُرَدِّدُ الخُطّاب، ولكن فاتها القطار، وبلغت الأربعين. وفي لحظة جاءها الموت قهرًا، وعلى فراش الموت تقول لوالدها: يا أبي قل: آمين، فقال: آمين، يا أبي قل: آمين..آمين..قل: آمين..آمين..أسأل الله أن يَحرمك الجنة كما حرَمْتني من الزواج!!

فيا أيها الأولياء: هل تريدون أن ترَوا من بناتكم ومولياتكم ما يحزنكم؟! هل تريدون أن تُحرَموا الجنة بسبب دعائهن؟! ألا تَخْشَونَ أن يُسبب ذلكم لكم عاراً وخزياً لا تغسله مياه البحار، خاصة في هذا الزمان التي عظمت فيه دواعي الفتنة؟! خافوا الله، وتذكروا وقوفكم بين يديه؛ فإنك إذا انْتَقَلْتَ عن هذه الدنيا، ولم تكن ابنتك دخلت عش الزوجية السعيد، فربما تكون عالةً على أخيها قريبها، وقد تبتلى بزوجةِ قريبٍ لا تخاف الله، كزوجة أخيها، فيتحول البيت إلى جحيم لا يطاق.

معاشر المسلمين: نهى الله عن العَضْلِ، والعَضْلُ هو منع المرأة من الزواج ظلمًا أو التضييق عليها في زواجها، وتضييع لحقوقها وحياتها؛ استغلالاً لحيائها وضَعْفِها.

أيها المسلمون، العَضْلُ يزحَف بظلّه الثقيل على المجتمع بألوان شتى، وصور ست مشتتة، وهن كما يلي:

  1. ما جاء في قول الله عز وجل: وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذَا تَراضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ، فإذا طُلِّقت المرأة طلقةً أو طلقتين، ثم انتهت عدّتها، ورغِب زوجُها الذي طلَّقها في العودة إليها بعقدٍ جديد، ورغِبت أن ترجع إليه؛ فلا يجوز لوليِّها أن يمنعها من غير سبب مقبول.
  2. ومن صور العضَل ما جاء في قول الله عز وجل: (وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ) ومعنى ذلك أن يضيِّقَ الزوجُ على زوجته، أو يمنعَها من حقِّها في النفقة أو القَسْم، أو حُسن العشرة، فيضربَها أو يَسُبَّها؛ لأجل أن يسترجعَ هذا اللئيم ما دفعه من مهر، وربما استردَّ أكثرَ ممَّا دفع؛ ظُلمًا على ظلم.
  3. أن يمتنع الولي عن تزويج المرأة إذا خَطبَها كُفءٌ قد رضيَتْه، وما منَعَها هذا الوليُّ إلا طمعاً في راتبها، أو طلباً لمهرٍ كثير، أو لتخدمَه.
  4. أن يبتعدَ الرجال عن التقدُّم لخطبة ابنته أو موليته؛ لشدَّته، وتجهُّمِ وجهِهِ، أو اغترارِه بجاهِه، أو ثرائِه.
  5. ومن صور العضلِ المقيتِ: تلكم العادات الجاهلية، والحميَّة القبلية، بحَجْزِ المرأةِ، وحجرِها لأحدِ الأقارب، كابن عمها، والمرأة لا تريده.

ألا إن في منع المرأة من تزويجها بالكفْء ثلاثَ جنايات:

  • جنايةَ الولي على نفسه، بمعصية الله ورسوله.
  • وجنايةً على المرأة؛ حيث منعها من الكفْء الذي رضيَتْه.
  • وجنايةً على الخاطب، حيث منعه من حقٍّ أمر الشارع بإعطائه إياه في قولهe: إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلاَّ تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ، وَفَسَادٌ عَرِيضٌ. فما الفتنة والفساد العريض يا تُرى؟!

نعم؛ ردُّ الخاطبِ الكفءِ يحصل به فتنة، والمرأة كالرجل، لها شهوة وميل إلى الرجال، ولها رغبة في ذرية صالحة، وبمنعها من الزواج تتعرض للضرر، وما أكثرَ ما تتعرضُ البناتُ للمعاكساتِ الالكترونية. وقد يكثر خروجها للأسواق فتتهاونُ بحجابها، والزواجُ خيرُ حامٍ من هذه الفتنة والفساد العريض.

__________هَذا عَامٌ جَدِيْرٌ أنْ يُسَمَّى بِعَامِ الرحمة؛ حَيْثُ نَشَرَ اللهُ فيه رَحْمَتَهُ، وهُوَ الوَلِيُّ الحَمِيْدُ، عامٌ بَاكَر فيه الوَسْمِيُ، وأَغْدَقَ، وَمَا أَغْرَقَ، شَمْسٌ ثُمَّ دِيْمٌ، ثُمَّ صَحْوٌ، ثُمَّ هَتَّان، تَابَعَ عَلَيْنَا سيِّدُنا الكَبِيرُ المُتَعَالُ الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ؛ تُلْقِحُ السَّحَابَ، والشَّجَرَ، تَرَاوَحَتْ الرِّيحُ الذَّارِيَاتُ ذَرْوًا،وَالنَّاشِرَاتُ نَشْرًا، للسَّحَابِ الْحَامِلَاتِ وِقْرًا. فنَشَأتْ سَحَابًا كَثِيفًا، مُتَلَاحِقًا، مُتَلَاصِقًا، مَا أَحْسَنَ رُكامَها وَأَشَدَّ اسْتِدَارَتَهَا!

وأَرَانَا مَوْلانَا السَّحَابَ يَنْطِقُ بالرَّعْدِ أَحْسَنَ الْمَنْطِقِ، وَيَضْحَكُ بالْبَرْقِ أَحْسَنَ الضَّحِكِ. وَيتَتَابَعَ لمَعَانُ البَرْقِ، حَيثُ تُشِيْمُهُ الأَبْصَارُ. بَرْقُهُ وَمِيضٌ، أَو يَشُقُّ شَقًّا:

كَأَنَّ حَنِينَهُ وَالرَّعْدُ فِيهِ  

 

عِشَارٌ وُلَّهٌ لَاقَتْ عِشَارَا

وأرَانا الله دِيمةً بعد دِيمة، وماءً غَدَقاً. مَنَّ بِهِ مِنْ خَبْءِ السَّمَوَاتِ:{الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ}. فسَقَانا غَيْثًا مُغِيثًا، مَرِيئًا، مُرِيعًا، غَدَقًا، طَبَقًا، عَاجِلًا غَيْرَ رَائِثٍ، نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ.

فَوَادٍ سَائِلٌ، وَوَادٍ نَازِحٌ، تُمْطِرُنَا مِنْهُ رَذَاذًا، طَشًّا، وَابِلًا. أَصَابَنَا – بِفَضْلِ مَوْلانَا ومُوْلِينا- أَحْسَنُ مَطَرٍ، عَقَدَ مِنْهُ الثَّرَى، وَقَامَتْ مِنْهُ الْغُدَرُ.

وَأَقْبَلَ يَزْحَفُ زَحْفَ الْكَسِيرِ               سِيَاقَ الرِّعَاءِ الْبِطَاءِ الَعِشَارَا

وَمِنْ فَضْلِ الوَلِيِّ الحَمِيْدِ أَنْ أَسْقَانا الْمَطَرَ بِاللَّيْلِ، وَأَطْلَعَ عَلَيْنَا الشَّمْسَ بِالنَّهَارِ، وَلَمْ يُسْمِعْنَا صَوْتَ الرَّعْدِ إِلاَّ قليلاً. وَيَصْحَبُهُ دِفٌ، فَـ:(لَا حَرَّ وَلَا قَرَّ، وَلَا مَخَافَةَ وَلَا سَآمَةَ).

ولَمْ نَزَلْ نَعِيْشُ سمَاءً ذَاتَ رَجْعٍ تَرْجِعُ بِالْمَطَرِ، وَأرْضًا ذَاتَ صَدْعٍ ستَصْدَعُ بِالنَّبَاتِ. وسَنَعِيْش ونَنْعَشُ شَهْرًا ثَرًى، ثُمَّ شَهْرًا مَرْعًى، ثُمَّ شَهْرًا قد اسْتَوَى.

وسَتَصْدَع –بِإذْنِ رَبِّنا- عَنِ الْكَمْأَةِ أَمَاكِنُهَا، وسَتُزْهِرُ الرِّيَاضُ والفِيَاضُ بِأفَانِيْنِهَا، وسَتَبِيتُ الغَنَمُ وَقَدِ امْتَلَأَتْ أَكْرَاشُهَا. فَوسَّعَ عَلَى بَادِيَتِنَا، وَعَلَى حَاضِرَتِنَا. أَنْزَلْ فِي أَرْضِنَا سَكَنَهَا، وِسَيُنْزِلُ فِي أَرْضِنَا زِينَتَهَا. فَحَيَّهَلَا بِالْحَيَا وَالْخِصْبِ والعُشْب.

(ألاَ لَهُ) الْحَمْدُ أَسْقَى اللَّهُ بَلْدَتَنَا

 

وَقَدْ فَقَدْنَا الْحَيَا وَاجْلَوَّذَ الْمَطَرُ

فَجَادَ بِالْمَاءِ جُوِنِيُّ لَهُ سُبُلٌ

 

سَحًّا فَعَاشَتْ بِهِ الْأَنْعَامُ وَالشَّجَرُ

اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِك. إنَّا نَسْألُكَ بِنُوْرِ وَجْهِك الكَرِيم الذِي أشْرَقَتْ لَهُ السَّمَواتُ والأرْضِ أنْ تَقْبَلَنَا في هَذِهِ السَّاعَةِ وتَرْضَى عَنَّا رِضًا لا سَخَطَ بَعْدَهُ أبَدًا. اللهم يا حَلِيْمًا على منْ عَصَاه.  

اللَّهُم ما عَصَيْنَاك جَهْلاً بعُقُوْبَتِكَ، ولا تَعَرُّضًا لِعَذَابِك، ولَكِنْ غَرَّنَا طُولُ إِمْهَالِك، وأطْمَعَنا كَثْرَةُ إِفْضَالِك.