تابع ( الإسراف ) 
الإسراف مذموم في كل حال؛ حتى ورد النهي عنه عند ذكر الزكاة والصدقات الواجبة ، قال الله -عز وجل-: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُسْرِفِينَ) [الأنعام:141]، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “كلوا وتصدقوا والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة”، حديث صحيح رواه النسائي وابن ماجه.
وحين أباحَ لنا دينُنا الطيبات، وامتنَّ علينا ربُّنا بالزينة نهانا عن الإسراف، فقال – عزَّ شأنُه -: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الأعراف: 31].
لا فضلَ لأمةٍ أن تضعَ على موائِدها ألوانًا من الأطعمة مُختلفات، ولا أن تمتلِك أصنافًا من المراكِب مُمتطيَات، ولا أن تقتنِيَ ألوانًا من الملابِس مُكتسَيَات؛ وإنما الفضلُ كل الفضلِ – بعد الإيمان بالله وتوحيده – أن يكون لها رجالٌ سليمةٌ أبدانُهم، مُضيئةٌ أبصارُهم، مضَّاءةٌ عزائِمُهم.
إن الناظر في حال غالب الناس اليوم يرى أن نفقتهم تضيق بهم مع وفرة المال، وترى غالب الصرف في مجال الكماليات والمجاملات على حساب الضروريات والحاجيات، بل ترى بعض الناس يستدينون ويقترضون لا لسد الحاجة وإنما للكماليات ولمجاراة الأغنياء والمترفين، فيقلد بعضهم بعضًا، ويسرفون كما يسرفون، ويركضون خلف التقليد ويلهثون، حتى يسقطوا في حمأة الديون، وقد قال الله -عز وجل-: (وَلاَ تُطِيعُوا أَمْرَ المُسْرِفِينَ) [الشعراء:151].

، وصدق الله: (كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [يونس:12].


أيها المسلمون: وفي هذا المجال أيضًا ترى الإنفاق الضخم على الحفلات والمناسبات والأعراف والدرجات سرف عظيم وإنفاق ليس له مردود يكفي لإعاشة المحتفلين دهرًا طويلاً.

عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: “ما أنفقت على نفسك وأهل بيتك في غير سرف ولا تبذير وما تصدقت فهو لك، وما أنفقت رياءً وسمعة فذلك حظ الشيطان”، ولقد كان العرب في الجاهلية ينفقون أموالهم ويطعمون الطعام ويقيمون الولائم للتفاخر والسمعة، ويذكرون ذلك في أشعارهم؛ فنهى الله عن ذلك الصنيع، فهل عادت تلك الخصلة الجاهلية بالمباهاة والتكلف في المناسبات، ليقال: ما صنع آل فلان؟!!
الإسرافُ عدوُّ حفظِ الأموال والموارِد، وهو طريقُ الفقر والإفلاس، حفظُ المال حفظٌ للدين والعِرض والشَّرَف، وقد قالت الحُكماء: “من حفِظَ مالَه فقد حفِظَ الأكرَمَيْن: الدينَ والعِرض”.

أيها المسلمون: إن وفرة المال ليست عذرًا ولا مسوغًا لإسراف، حتى وإن كان المنفق مقتدرًا، وقد علمتم ما جاء في السرف، فإن صاحب المال مسؤول عنه يوم القيامة”عن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه؟!. رواه الترمذي بإسناد صحيح، قال الله -عز وجل-: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) [التكاثر:8]، أي ما تنعمتم به في الدنيا، فهل أعددنا للسؤال جوابًا؟! وهل أعددنا للجواب صوابًا؟!!
عباد الله: إنها ليست دعوة للبخل والتقتير، وليست اعتذارًا للشحيح المضيق على أهله المقتر عليهم، ولكن يجب أن يعاد النظر في كثير من العادات، في الصرف والإنفاق، على ضوء الصفة الكريمة: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً) [الفرقان: 67]، إنه القصد والعدل، والتوازن والتقصد، وقد قيل: “لا عقل كالتدبير”.