( واقع الأمة )

( الفرار إلى الله )

معاشر المسلمين إن الناظر اليوم بعين البصر و البصيرة في واقع الأمة و ما حل بها من مصائب و ويلات، ليأخذ به الأسى و التوجع مأخذا بعيدا، حتى إن اليأس ليوشك أن يحيط به لولا عظيم الأمل في وعد الله – عز وجل – الذي قال: ” فان مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا”( سورة الشرح، الآية 5، 6). ومما يذهب اليأس ويعزي النفوس معرفة المسلم بسنن الله – عز وجل – في عباده و إدارك أن ما أصابنا من المصائب إنما هو من عند أنفسنا و بسبب ذنوبنا، وبما طرأ على حياتنا من بعد عن الله – عز وجل – و نسيان للآخرة و انغماس في الملذات و إقبال على الدنيا.

و ما دام الداء قد عرف و المرض قد شخص فلا يبقى أمام من ينشد النجاة لنفسه و لأمته إلا أن يقبل على العلاج و ذلك بالفرار إلى الله – عز وجل – والإنابة إليه و الاعتصام به سبحانه وتعالى كما أمر في كتابه العزيز بقوله: ” ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين ” ( سورة الذاريات، الآية 50 ).

و هذا الفرار يعني ترك أسباب سخطه إلى أسباب مرضاته، والفرار من عقوبته إلى معافاته، ومنه إليه، كما جاء ذلك في دعاء النبي ( صلى الله عليه وسلم) حين قال : ” اللهم إني أعوذ بك برضاك من سخطك و بمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناءا عليك أنت كما أثنيت على نفسك ” أخرجه الترمذي.

 على المسلم أن يفر إلى الله في زمن الانفتاح الشديد على الدنيا و تغلب الجانب المادي على حياة الناس أكثر، و ما ترتب عن ذلك من تكالب على حطامها دون تمييز بين حلال و حرام وطيب و خبيث، فحصل التنافس الشديد على حطامها و صار الحب والبغض من أجلها ، بل والقتال من أجلها والعياذ بالله.

على المسلم أن يفر إلى الله في زمن حصلت فيه الغفلة الشديدة عن الآخرة و الغاية التي من أجلها خلقنا، و تحولت هذه الدنيا الفانية من كونها خادمة إلى مخدومة ، قد ذلت كل عزيز و غدرت بكل طامع و أسكرت أقواما تعلقت قلوبهم بها ففقدوا وعيهم، و ضلوا طريقهم، فمن أجلها يظلمون ويبغون على بعضهم البعض و يعيشون كسباع الغابة يفترس القوي الضعيف، ويلتهم الكبير الصغير من أجل مال أو امرأة أو شهرة أو منصب أو غير ذلك من حب الجاه و المال و شهوة السيطرة و الاستعلاء، و قد كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يحذر أصحابه فيقول: ” و الله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها و تهلككم كما أهلكتهم “. أخرجه البخاري ومسلم و الترمذي وابن ماجه في الفتن.

 على المسلم أن يفر إلى الله في زمن ظهرت فيه الفتن المتلاطمة التي يوقظ بعضها بعضا، و تساقط فيها خلق كثير ما بين هالك فيها بقلبه أو بلسانه أو بيده…

معاشر المسلمين إن الفرار إلى الله يقتضي منا أن نقبل على كتاب الله – عز وجل – بالتلاوة والتدبر و النظر في معانيه و العمل بأحكامه، نفر إلى الله بالدعاء و قيام الليل و صيام التطوع و إخراج الصدقات، نفر إلى الله بفعل ما أمرنا به و اجتناب نواهيه… نفر إلى الله فرار السعداء لا فرار الأشقياء الذين يفرون منه لا إليه، فاللجوء إليه – سبحانه وتعالى – و الذهاب إليه و الهجرة إليه والمسارعة إلى مغفرته و جناته كلها من معاني الفرار إليه سبحانه، وذلك بتوحيده و السعي إلى مرضاته و جنته هربا من سخطه و عقوبته، و في ذلك يقول الإمام ابن قيم الجوزية :” وله في كل وقت هجرتان : هجرة إلى الله بالطلب و المحبة و العبودية والتوكل و التسليم والتفويض والخوف و الرجاء و الإقبال عليه وصدق اللجوء و الافتقار إليه، وهجرة إلى رسوله في حركاته وسكناته الظاهرة والباطنة بحيث تكون موافقة لشرعه “.

معاشر المسلمين إن الذي يفر إلى الله بصدق، فان الله يكشف عنه مصائبه و يتغمده برحمته الواسعة، و يجعل له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا:

إن مسنا الضر أو ضاقت بنا الحيل                  فلن يخيب لنا في ربنا أمل

و إن أناخت بنا البلى فان لنا                                   ربا يحولها عنا فتنتقل

الله في كل خطب حسبنا، وكفى                                إليه نرفع شكوانا ونبتهل

 فافزع إلى الله و اقرع باب رحمته                                فهو الرجاء لمن أعيت به السبل…