الخطبة الأولى ( إنهم يكيدون كيدا ) 21/6/1439
أما بعد فيا أيها الناس : اتقوا الله عز وجل واعلموا أنكم في دار هي دار بلاء وامتحان ، يبتلى المرء على قدر دينه ، والبلاء يتنوع ، فبلاء في الجسد وبلاء في المال وبلاء في الأهل وبلاء في الأقارب ، وبلاء في الدين وهو أشدها ، فيبتلى العبد في دينه هل يصدق مع الله ، هل يرخص نفسه لله ، أم أنه يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل .
(أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2)وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ )
عباد الله : نحن في زمن تكالب علينا فيه أعداء الفضيلة من كل حدب وصوب ، فالواجب علينا عظيم ، خصوصا على العلماء ومعلمي الناس الخير ، وعلى الوالدين ، وعلى كل من له نفوذ وقوة ، فنحن نرى الشر يكثر ، والفتن تعظم ، في وسط قمع لصوت الحق ، وهنا يعظم البلاء على من وجب عليهم النصح لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم .
إن قوى التغريب في البلد ، تسابق الزمن ، فالحذر الحذر ، فهل يعقل أن تخرج النساء بل الفتيات ذوات الخدور من مخدعها ، إلى ميادين السباق ، وعرض الأزياء ، إنهم يصنعون ذلك بزعمهم أنها وفق الضوابط الشرعية ، ضحكا على الناس ، وهم يعلمون أن المسألة كلها حرام ، فكيف تجعل لها ضوابط شرعية ، و يخرجون المرأة لسباق في عباءتها ، وهم يعلمون أنها غدا ستخلع حتى ماتحت العباءة ، لقد منع الإسلام المرأة أن ترمل عندما تطوف بالبيت أو تسعى بالصفا والمروة ، لأنها بحضرة رجال ، وقال ( ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن )
إنهم يطالبون بدخول المرأة في السباق العالمي ، وفي أنواع اللعب بالكرة ، همهم الوحيد إخراج المرأة شبه عارية ليستمتعوا بجمالها ، ثم هم يطالبون الآن بإسقاط الولاية عنها ، يريدونها أن تصنع ما تشاء بغير رقيب ولا حسيب ، ولو منعها وليها تستطيع أن ترفع عليه دعوى في المحكمة ، ولربما سجنته ، كما هي الحال في دول الغرب ، ولا حول ولا قوة إلا بالله
معاشر المسلمين: إن البلاد العربية فضلا عن الإسلامية لم تكن تعرف التفرنج ولا التغريب ، بل كانت مصونة متعففة ، لأنهم كانوا يرونها عورة يجب أن تصان ، ثم دب إليهم التغريب ، وأخذ يمخر في جسد البلدان العربية والإسلامية ، وأهل العفة يقاومون ما استطاعوا ، حتى سقط الحجاب وخرج المرأة المسلمة سافرة ، ونافست الرجل وسقطت في فخ التغريب ، الذي قادها إلى الذل وأصبحت مجرد دمية يستمتع بها الرجال الذين لا يخافون الله ، يستمتع بها الذين كانوا ينادون بحريتها .
ففي مصر ومنذ مايزيد عن مائة سنة وبالتحديد في عام ألف وتسعمائة للميلاد دب التغريب في بلاد مصر ، بخطط يهودية فرنسية ، استخدم فيها بعض العناصر المصرية ، وقامت ضدها ثورات وثورات ، ولكنها أجهضت بالقوة ، حتى أصبحت المرأة المصرية كما تشاهدون إلا من رحم الله
ثم دب التغريب في بقية الدول الإسلامية دولة دولة ، ثم دخل في دول الخليج قبل أكثر من نصف قرن ، حيث بدأ في الكويت ، وقد كان المرأة في الكويت على درجة عالية من العفة ، حتى كانوا يضعون نوافذ للبيت من الخارج ، فما زالوا بها حتى وصل الحد إلى ماترون .
عباد الله : أنتم تمشون على طريق قد مشاها غيركم ، فخذوا حذركم
لقد استعصت أرض الحرمين على أهل التغريب ، وهاهم بمساندة من قوى الشر العالمية يجلبون بخيلهم ورجلهم ، لينزعوا العفة من المرأة المسلمة في أرض الحرمين ، ولن يفلحوا بإذن الله ، ما دام المسلم يغار على عرضه ، ويصون محارمه ، ويغذي عقولهم بما يحميهم من أهل التغريب ، لقد شاهدنا كما شاهد غيرنا ، خروج المرأة في مدرجات الملاعب ، وخروجها لحفلات الاختلاط ، ودخولها في سباق المراثونات ، ولكنهم ولله قلة شرذمة مستأجرة لا تمثل أهل العفة أبدا ، هؤلاء لا يبلغون الخمسة آلاف مستأجر ومخدوع ، ونحن يربوا عددنا على العشرين مليون ، فلا يغرنكم الإعلام بتطبيله لأهل الفساد ، فبالأمس كانوا ألف وخمسمائة متسابقة بالعبايات ، واليوم يظهر الإعلام مارثونا جديدا في جدة ، فيصور عشر فتيات مستأجرات يركضن في شوارع جدة التاريخية ، وباللبس الرياضي ، تلك أمانيهم ، قل موتوا بغيظيكم إن الله عليم بذات الصدور .
اللهم انصر دينك وكتابك وعبادك الموحدين ، أقول قولي ………..
الخطبة الثانية
أما بعد فيا أيها الناس : لا يزال الناس على درجة من التقوى والخوف من الله ، ومن العفة والحياء ، وكذلك ولاة أمورهم ، ولقد يتساءل الغيورون كيف العمل ضد هذا التيار الجارف ، فأقول مستعينا بالله : أولا وقبل كل شيء ، أنكر هذه المنكرات بقلبك وإياك أن تمر عليك مرور الكرام ، فاستمراء المنكر أشد من المنكر نفسه ، فنحن نرى من ينشر تلك المقاطع التي فيها مايغضب الله ، وهم يضحكون ، ويسخرون ، والواجب ستر ذلك وسؤال الله العافية .
ثم يجب على كل مسلبم أن يهتم بنفسه ومن تحت يده من خلال هذه النقاط :
الأولى : الدعاء لهم بالعفة والحياء والستر .
الثانية : تحذيرهم من خطط الأعداء ، بعد كشفهم لهم .
الثالثة : ملئ فراغهم بالمفيد ، وتعويضهم بالمباح ، فلا يصلح المنع والكبت ، دون التنفيس .
الرابعة : مناصحة من أوجب الله عليك النصح لهم كل على قدر استطاعته .
أخرج مسلم في صحيحه من حديث تميم الداري يقول صلى الله عليه وسلم: ((الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)).
قال شيخنا ابن باز قدس الله روحه ونور ضريحه : فهذا الحديث العظيم يدل على أن الدين هو النصيحة، وذلك يدل على عظم شأنها؛ لأنه جعلها الدين …..والنصيحة كما تقدم هي الإخلاص في الشيء والعناية بها، والحرص على أن يؤدى كاملاً تاماً لا غش فيه ولا خيانة ولا تقصير، يقال في لغة العرب: ذهبٌ ناصح، أي ليس فيه غش…..
وهكذا يجب أن يكون المؤمن في أعماله ناصحاً لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.
فالنصيحة لله توحيده سبحانه وتعالى والإخلاص له وصرف العبادة له جل وعلا من صلاة وصوم وحج وجهاد وغير ذلك……
وهكذا في حق القرآن يتدبره ويتعقله ويعمل بما فيه من أوامر، وينتهي عن النواهي، وهو كتاب الله العظيم وحبله المتين، فالواجب العناية والنصح في ذلك قولاً وعملاً وذلك بحفظ الأوامر وترك النواهي، والوقوف عند الحدود التي بينها الله في القرآن الكريم حتى لا تخل بشيء من أوامر الله في القرآن، وحتى لا ترتكب شيئاً من محارم الله، مع الإيمان بأنه كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، هذا قول أهل السنة والجماعة قاطبة، كما قال عز وجل: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ ، وقال سبحانه: تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ……
وهكذا النصح للرسول صلى الله عليه وسلم، يكون بطاعة أوامره واجتناب نواهيه والإيمان بأنه رسول الله حقاً وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين، مع الدفاع عن سنته والذب عنها، كل هذا من النصح للرسول صلى الله عليه وسلم، وهكذا العناية بأحاديثه صلى الله عليه وسلم وبيان صحيحها من سقيمها، والذب عنها والامتثال بها، والوقوف عند الحدود التي حددها الله ورسوله، ….
أما النصيحة لأئمة المسلمين فبالدعاء لهم والسمع والطاعة لهم في المعروف، والتعاون معهم على الخير وترك الشر، وعدم الخروج عليهم، وعدم منازعتهم، إلا أن يوجد منهم كفر بواح عليهم برهان من الله سبحانه وتعالى، كما جاء ذلك في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه في مبايعة الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم.
ومن النصيحة لهم: توجيههم إلى الخير وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر بالأسلوب الحسن والرفق وسائر الطرق المفيدة؛ عملاً بهذا الحديث الصحيح، ويقول الله عز وجل: وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى[6]، وقوله سبحانه: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[7].
وأما النصيحة لعامة المسلمين فإنها تكون بتعليمهم وتفقيههم في الدين ودعوتهم إلى الله سبحانه وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وإقامة الحدود عليهم والتعزيرات الشرعية كل هذا من النصيحة لهم. والله ولي التوفيق.
اللهم من أرادنا ….