الخطبة الأولى                                  25/4/1439هـ

في التاريخ قَصص, وفي مجالس الناس تروى القَصص, وفي السنّة قَصص, وربنا يقول (نحن نقص عليك أحسن القصص) فَلِقصص القرآن رونقها وعظمتها, بكثرة عِبَرها, وعظيمِ أثرها, ووقعِها على نفوس أولي الألباب

ما كان القرآنُ حديثاً يفترى, ولكنه تصديقٌ وذكرى, والموفق من انتفع بعظاته, واستنار بهداياته, واعتبر بقصصه.

قصةٌ في القرآن تكررت في عدة مواضع, لم تكن قصةَ نبي, ولكنه لما فيها من العبرة التي ينبغي أن يعيها الناس كُرِّرَت, إنها قصةُ أصحاب السبت من بني إسرائيل, حكى الله القصة في أربع آيات مليئة بالعبرة فقال (واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ، وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ، فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ، فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ)

فمن يكون هؤلاء, الذين يأمر ربنا نبيه ; أن يسأل اليهود عنهم, ولماذا أمره ﻷ بذلك

بعث الله تعالى موسى عليه السلام نبيًا إلى بني إسرائيل، وكان مِن شريعته التي جاء بها إليهم أن فرض الله عليهم يومًا يجتمعون فيه ويقيمون فيه شعائرهم، ويتخذونه عيدًا يذكرون الله فيه، ووكل تعيين اليوم إلى اجتهادهم، فأرشدهم نبيهم عليه السلام إلى يوم الجمعة الذي هو أفضل الأيام، لما يعلم من فضيلته، ولكنهم فضّلوا يوم السبت؛ قالوا: لأن الله خلق السموات والأرض والأقوات في ستة أيام، وسبت له كل شيء مطيعًا يوم السبت، وكان آخر الستة؟!” وادّعوا كذباً أن الله لما خلق الخلق استراح يوم السبت فهو يوم راحته ويوم راحتهم, فأوحى إليه ربه ﻷ أن دعهم وما يختارون لأنفسهم، ونهوا في هذا اليوم أن يصيدوا فيه سمكًا ولا غيره، ولا يعملون فيه شيئًا سوى ما شرعته لهم من العبادة.

امتثل اليهود بأن يكون يوم السبت هو يوم عيدهم، ومات موسى عليه السلام، ودارت الأيام إلى أن بعث الله سبحانه داوود عليه السلام نبيًا، وفي زمانه كانت قرية تدعى أيلة قريبةٌ من العقبة، على ساحل البحر، يسكنها قوم من بني إسرائيل يدينون باليهودية، يخرجون لمعاشهم طيلة أيام الأسبوع إلا يوم السبت، فيصطادون الأسماك، ويقتاتون منها، ويبيعونها، فابتلاهم الله الحكيم بيوم السبت, فكانوا إذا جاء السبت أقبلت الحيتانُ ظاهرةً أمام أعينهم، وفي متناول أيديهم ، فإذا غربت شمس يوم السبت ذهبت الحيتان صغيرها وكبيرها فلم يجدوا منها شيئا في ستة الأيام المقبلة.

استمر بهم الحال كذلك حتى طال عليهم الأمد، واشتاقوا للحم البحر, فعمد أحدهم في يوم السبت إلى سمكة استحسنها واستسمنها، فأخذها سرًا من الماء، وخطمها في أنفها بخيط، وضرب وتدًا له في الساحل، ثم ربطها وأحكم وثاقها فيه، ثم انصرف إلى بيته.

وفي صبيحة الأحد انطلق الرجل للساحل، فأخذ السمكة وأكلها, عَلِم بِفِعلَته أهل القرية, فأخبرهم الخبر, فاستحسن بعضهم هذه الحيلة, وجاؤوا بحيلة أخرى فكانوا يحفرون الحفر على شاطئ البحر، قبل مجيء السبت، فإذا كان يوم السبت أقبلت الحيتان تدفعها الأمواج إلى تلك الحُفر، ثم ينحسر الموج عنها، فتبقى فيها، فيجيؤون من الغد، فيأخذونها، يفعلون ذلك سرًا، ثم بدأوا بعد ذلك في صيدها علانية، وبيعها في الأسواق، فانتهكوا بذلك حرمة يوم السبت، وخالفوا أمر الله تعالى.

لم يكن هذا الفعلُ فعلَ أهل القرية كلها، بل كان مِن القوم أولو بقية ينهون عن الانتهاك والتحايل, وينكرون عليهم قائلين: “ويحكم! إنما تصطادون يوم السبت، وهو لا يحل لكم, وإن صيدكم للحيتان يوم أن حفرتم حفركم، فدخلت الحيتان فيها يوم السبت”.

وهناك طائفة أخرى لم يشركوهم في صيدهم يوم السبت، كانوا يرون الناصحين ينصحون, ويرون في المقابل المتحايلين المنتهكين يعرضون ولا يستجيبون, فأشفقوا على الناصحين فقالوا لهم: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ} في الدنيا بمعصيتهم إياه، وخلافهم أمره، واستحلالهم ما حرم عليهم. {أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا} في الآخرة!

فكان هذا منهم عتابًا ولومًا على موعظة من لا يتعظ، ويُعلم من حاله أنه غير مقلع عن ذنبه.

فأجابهم الناصحون قائلين: (مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ): فالأمر بالمعروف واجب علينا إعذارًا إلى الله، {وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} وينتفعون بالموعظة فيتركون المعصية.

لم يرعوي القوم عن فعلتهم، واستمروا في عصيانهم، فما كان من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر إلا أن انتقلوا إلى مرحلة أخرى من مراحل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فعزموا على مقاطعتهم واعتزالهم، فقالوا لهم: “والله لا نساكنكم في قرية واحدة”. فانحاز هؤلاء إلى ناحية من القرية، وانحاز الآخرون إلى الناحية الأخرى، وقسموا القرية بجدار، ففتح المحرِّمون للسبت بابًا من ناحيتهم، وفتح المعتدون في السبت بابًا من ناحيتهم.

وذات يومٍ خرج المحرِّمون للسبت على عادتهم فهم في أنديتهم ومساجدهم، وإذا بباب المعتدين مغلقٌ، ولم يفتح على خلاف العادة، وحين أبطأوا عليهم انطلقوا فتسوروا الحائط، فذهبوا ينظرون في دورهم، فوجدوها مغلقةً عليهم، قد دخلوها ليلًا فغلقوها على أنفسهم، كما يُغلِق الناس على أنفسهم, فأصبحوا فيها قردة، وإنهم ليعرفون الرجل بعينه وإنه لقرد، والمرأةَ بعينها وإنها لقردة، والصبيَ بعينه وإنه لقرد.

 قال تعالى: {فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ}  وقال سبحانه: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ}

مكث هؤلاء الممسوخون ثلاثة أيام، ثم هلكوا بعدها، فلم يكن لهم عقب ولا نسل، وفي حديث أم حبيبة قالت: قال رسول الله ق: «إن الله لم يجعل لمسخ نسلًا ولا عقبًا»

وأما من كان ينهى عن السوء وعن الصيد يوم السبت فقد كان نهيهم عن المنكر سببًا لنجاتهم، قال تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ}

فجعل الله تعالى هذه الحادثة: {نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ}

عباد الله: كم في هذا الخبر من العبر, ولأجل هذا قصّه علينا الله في القرآن, فدعونا نذكر طرفاً يسيراً من عبره.

فمن أبرزها: أن التحايل على الأحكام مِن صفات اليهود, وقد قال نبينا عليه السلام “لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم اللَّه بأدنى الحيل

حين يحرم ربنا بابًا من العصيان, فمن الخذلان أن نتحايل عليه بالحيل المحرمة, التي مؤداها الوقوع فيه, وهذا باب واسع اليوم, كم هي المعاملات المالية التي يتحايل فيها البعض على الربا, فيوهمون أنفسهم أنهم لم يقعوا في الربا, وهم إنما تحايلوا عليه, ويبقى الربا رباً ولو اختيرت له الأسماء المستلطفة, كالفوائد والهدايا والعمولة, مادام بصورة الربا, ولن يخرج المتحايل عليه مما قال ابن القيم: فليَصْنَعْ أربابُ الحيل ما شاءوا، وليسلكوا أية طريق سلكوا؛ فإنهم لا يخرجون بذلك عن بيع مئة بمئة وخمسين إلى سنة، واللَّه لا يخادع ولا تروج عليه الحيل ولا تلبس عليه الأمور

وأبواب التحايل المحرّمة كثيرة, ستجدها في بعض أبواب النكاح كنكاح التحليل, وفي بعض أبواب تعامل أخرى هي في النهاية تحايل على شرع ربنا, والله لا يخادَع.

عباد الله: ومن عبر الخبر أن ربنا يفتح للحلال أبواباً مشرعة, ويغلق للحرام باباً, فمن ولج الحرام الضيق, وترك أبواب الحلال الواسعة فهو مستحق للعقوبة, وهذا ما فعله أصحاب السبت حين تركوا الصيد في ستة أيام حلال ولجئوا لليوم الحرام, والمقرر أن الحلال كثير وأن الحرام قليل

فيا مبارك كم فتح للحلال من باب, أفيليق أن تضيق العيون ولا نرى إلا باب الحرام, في السماع, في الشراب, في النكاح, في السفر, في غير ذلك, ستجد الحلال واسعاً, فمن اعتدى بعد تيسر الحلال, وتعدد أبوابه, وتخوض الحرام, فذاك كأصحاب السبت تركوا ستة الأيام وصادوا في يوم حرام, اللهم اعصمنا من الآثام, وارزقنا الامتثال لأمرك يا ذا الجلال والإكرام, اللهم صل على محمد

 

 

 

 

الخطبة الثانية: أعظم قررته قصة أصحاب السبت يا كرام, هو أنَّ الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر هو سبيل النجاة من عقوبة الله تعالى، إنّ كل مجتمع فيه نصيبه من المنكرات قلّت أو كثرت, فيه قوم يفسدون في الأرض ولا يصلحون, ويريدون من الناس أن يميلوا ميلاً عظيماً, وإنما تحفظ الديار بأولي بقية ينهون عن الفساد في الأرص, ولذا: فحينما حكى الله في سورة هود, خبر الأمم أمة أمةً وإهلاكه لهم حين خالفوا أمر رسله قال في خواتيم السورة بعد تلكم الأخبار (فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ)

نعم يا كرام: فالشرور تزداد حين يتوارى المصلحون عن مشهد الاحتساب, وحين يركنُ الآمرون بالمعروف إلى الراحة والانعزال, والحجج كثيرة, إما بحجة عدم استجابة الناس, أو بحجة الخوف على المكتسبات, أو بحجة “لا تتعبوا أنفسكم”، “هل أنتم الذين تصلحون الكون”، “الفساد مستمر”، ولكنّ الأمر المفزع, والشأن المقلق الذي يتراءى لكل مسلم في كل مجتمع وهو يرى المنكر, هو أنه يخاف عقوبةً إذا ما جاءت لا تخصُّ الفاعلَ وحده, بل ربما عمّت, ولذا فهو يسعى للإنكار بما يتيسر له من سبيل, ولو أيقن أن لا استجابة ولا تغيير, فهو إنما طُلِب منه الإنكار, ولو لم يكن من ذلك إلا الإعذار, وأن يكون في زمرة المصلحين, لا في زمرة المفسدين, ولا الساكتين.

مِن الناس تجاه المنكرات من يقدر على إنكارها بيده, ومنهم من يقدر بلسانه, ومنهم من لا يقدر إلا بقلبه, وذاك خيرٌ لا ينبغي أن يخلو منه قلب المؤمن وهو يسمع عن منكرٍ هنا أو هناك, وهو أضعف الإيمان, ومع هذا فقد يغيب عن بعض الناس استشعاره, وفي الحديث ” إِذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ فِي الْأَرْضِ، كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا, أو «أَنْكَرَهَا» كَانَ كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا، كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا

عباد الله: سنة المدافعة بين الخير والشر, والطاعة والمعصية باقية, وما دام في الناس من ينكر إذ يرى المنكر, ومن يلحقه الهمّ إذ يرى المعصية في الأرض, ومن يسلك الطرق المتاحة لتغيير المنكر, ففي الأمة خير.

فإذا سمعت بمنكر أو علمته, فأنكره, واكره وقوعه بقلبك, وحاذر أن تكون ممن يشهده, فعباد الرحمن (لا يشهدون الزور) والزور كل معصية من القول والفعل.

وقد قيل: إنما تُمات المنكرات بهجرها, وإنكارها.

تلكم يا كرام إطلالة على قصة من قصص القرآن, وخبرٍ من روائع أخباره العظام, وكل أخباره عظام, ما كانت أحاديث تفترى, لكنها دروس لمن أراد, وعبرٌ لمن اعتبر.