وَتَنَصَّفَ شَهْرُ رَمَضَانُ.!
جامع عمر t 13/9/1435هـ

الخُطْبَةُ الأُوْلَى

إِنَّ الحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَهْدِيْه، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِئَاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلا الله، وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
أَمَّا بَعْدُ:
ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦﭧ ﭨ ﭩﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ
فاتقوا الله يا عباد الله، فتقوى اللهِ هي سبيلُ المؤمنين، واعلموا أنَّ رمضان مضمار السابقين، وغنيمةُ الصادقين، فيه تُضاعف الأعمال وتُحطُ الأوزارُ الثِقال، وفيه يُجابُ الدعاءُ والسؤال، ويُغفرُ للمستغفرِ ويُقالُ، فهو غُرَّةُ الدُهُور، ومصباحُ الشهور، وربيعُ المؤمنِ يقطِفُ فيهِ الأُجور، وتُزيَّنُ فيه الجِنانُ والقصور، فَجُدْ فيه بالطاعاتِ واهجُرِ الفتور.
شهرٌ اشتهرتْ بفضلهِ الأخبار، وتواترتْ فيه الأحاديثُ والآثار، ففي الصحيحين قال عليه أتم صلاةٍ وأزكى تسليمٍ: (إذا جاءَ رمضانُ فُتِّحتْ أبوابُ الجنَّةِ وغُلِّقتْ أبوابُ النَّار، وصُفِّدتْ الشياطين).
بلوغُهُ نعمةٌ كبيرةٌ، ومنْحَةٌ عظيمةٌ، ينبغي لمنْ بَلَغَهُ أنْ يقومَ بحقهِ، حقُهُ الرجوعُ إلى الله ربِّ العزَّةِ والجلال، من المعاصي إلى الطاعات، من الغفلاتِ إلى الذكر والآيات، من البُعدِ عنهُ إلى الإنابة إليه والدعوات.

أَيُّهَا الحَبيبُ الصَّائِمُ:
سارع بفكاكِ نفسكَ بالنَّدم، وعُدْ إلى ربك بالتوبة، مُدَّ إليه يدَ الاعتذارِ، وقُمْ على بابهِ بالذُلِّ والانكسار، وارفعْ قِصَّةَ ندمكَ مرموقةً على صحيفةِ خَدِّكَ بمدادِ الدُّمُوعِ الغِزار، وقلْ بقلبٍ خاشعٍ:)ربَّنا ظلمنا أنفسنا وإنْ لم تغفرْ لنا وترْحمْنَا لنكوننَّ من الخاسرين(.
قفْ على البابِ باكياً، ونكِّسِ الرَّأسَ بالندمِ شاكياً، وألحَّ على المولى العظيمِ داعياً، وقلْ بلسانِ الاعتذار، بالنَّدمِ على الذنوبِ والأوزار:
يا ربِّ إنْ عَظُمَتْ ذُنوبي كثرةً فَلَقَدْ عَلِمْتُ بأنَّ عَفْوَكَ أَعظَـــمُ
إنْ كانَ لاَ يَرجــــــــوكَ إلا محسنٌ فمنْ الَّذي يَدعُو ويَرجُو المُجــرمُ
أدعوكَ ربِّ كما أمرْتَ تَضرُّعاً فإذا رددتَ يَدِي فمنْ ذا يَرحمُ
ما لي إليكَ وَسيلةٌ إلا الدُّعـــاء وَجميــــــــلُ عَفـــــــوكَ، ثُمَّ إنِّي مُسلـمُ
عِبَادَ الله:
شهر رمضان قد انتصف، فمن منكم حاسب نفسه فيه وانتصف، من منكم قبلَ غلقِ أبوابِ الجنَّةِ، أنْ يبنيَ لهُ غُرَفاً من فوقها غُرف، ألا إنَّ شهركم قد أخَذَ في النقص، فيا معشر من عرف، زيدوا في العمل، فكأنكم به وقد انصرف، وكلُّ شهرٍ فعسى أن يكون منه خلف، وأما شهرُ رمضان فمن أينَ لكم منه خلف. الإمام ابن رجب رحمه الله.
تَنَصَّفَ الشهرُ وآلهفاهـُ وانْصَرَمَــا وَاخْتَصَّ بالجنَّاتِ من حَـــزَمَـــا
وأَصبحَ الغَافلُ المسكينُ مُنْكَسِراً فَيَا وَيحهُ يا عُظْـــــــــــمَ ما حُرِمَــا
مَنْ فَاتَهُ الزَّرعُ بوقتِ البِذارِ فمــا تَراهُ يحصدُ غير الهمِّ والنَّدَمَـــــا
طُوبى لم كانت التقوى بِضَاعَتَـــهُ في شهرهِ وَبحبلِ الله مُعتَصِمَا
أَيُّهَا المؤمنين الصَّائِمون:
رَحَلَ النِّصْفُ الأَوَّلُ مِنْ رَمَضَان، ولئنْكان منا من فرّط فيما مضى، فمَا بَقِيَ منه خيرٌ وأبقى، فَلْنُرِي اللهَ مِنْأَنْفُسِنَا خَيراً، فَلُقيَاالشَّهْرِ غَيرُ مُؤكدة، وَرَحِيلُنا مُنتظر، والخسارةُ قد تكونُ كبيرةً، نسألُ الله السلامة.
رَحَلَ النِّصْفُ الأَوَّلُ، وبين صُفوفنا الصَّائمُ العابد، الباذلُالمنفقُ الجواد، نَقِيَ السَريرة، طَيِّبَ المعشر، فهنيئاً لمنْ كان كذلكَ، وثبتهُ الله على الطاعةِ، وأعانهُ على البذلِ والعطاءِ والمزيد فيما يَستقبلهُ ويأتيه.
رَحَلَ النِّصْفُ الأَوَّلُ من رمضان، وبين صُفوفنا صَائمٌ همُّهُ المأْكَلُ والـمَشْرَب، يملؤ نهارهـُ بالرقاد، ويَبِيْتُ لَيْلَهُ سَهَرانَ، قد أشغلتهُ المجالسُ والمُعَسَّلات، همّهُ القناةٌ والمسلسل، والدوريٌّ والمباراة، تَائِهٌ في غَيِّهِ، ضَائِعٌ في لَهوِه.
رَحَلَ النِّصْفُ الأَوَّلُ وبين صُفوفنا من يُفوتُ الصلواتَ والجماعات،خصوصاً صلاتي الظهرَ والعصر، قد آثر النوم والراحةَ، على كسب الطاعةِ والعبادة، ما عَلِمَ أنَّ: (العهدُ الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر).!، ما عَلِمَ أنَّ: (منْ تركَ صلاةَ العصر، فقد حبطَ عملُه).!
رَحَلَ النِّصْفُ الأَوَّلُ من رمضان، وبين صُفوفنا أُناسٌ لم يقدروا لرمضان قدره، تمروا عليهم أيامهُ ولياليهِ وكأنهُ شهرٌ كأيُّ الشهور.! لم يعلموا أنهم بشهر مختلفٍ عن غيره، وموسمٍ يتنافسُ فيه المتنافسون، فأحسن الله عزاءَ هؤلاءِ فيما مَضَى مِنْ شَهْرِهِم، وَجَبَرَهُم في مصيبتهم، وأحسنَ الله لهم استقبالَ البقية، وجعلهم فيما يستقبلون خيراً مما قد ودَّعُوا، )مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجزَى إِلَّا مِثلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنذَكَرٍ أَو أُنثى وَهُوَ مُؤمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدخُلُونَ الجَنَّةَ يُرزَقُونَفِيهَا بِغَيرِ حِسَابٍ(.

أَيُّهَا المؤمنين الصَّائِمون:
ألا وإنَّه وإنْ تنصفَ الشهرُ ومضى نصفه، فقد بقي نصفٌ آخرُ فيه الخير والبركة، والغنيمةَ الباردة لمن أرادَ المسابقةَ والمزيد، والفرصة السانحة لمن أرادَ أنْ يُصححَ ما مضى من رمضان، فشمروا عن أيديكم وشدوا من أزرِ أنفسكم، قوموا ليلكم وصوموا يومكم إيماناً واحتساباً، تصدقوا وجودوا بأموالكم، تعرضوا لنفحاتِ ورحماتِ ربكم، ادعوا وتضرعوا وتوبوا إلى مولاكم، وشدُّوا إلى المسجد الحرام رحالكم، فـــــ ( إِنَّ عُمرةً في رمضان تَعدلُ حَجَّةً معي)، قالهُ محمدٌ e نبيكم.
وكونوا أوسعَ صدوراً، وأندى ألسنةً، وأبعدَ عن المخاصمةِ والشر، إذا رأيتم زلةً فاحتملوها، وإنْ وجدتم إساءةً من إخوانكم فاصبروا عليها، وإنْ بدأكم أحدٌ بالخصامِ فلا تردُّوا عليه بمثله، بل (ليقلْ أحدكم: إِنِّي صائمٌ).

الصومُ مدرســــــــــةُ التعفُّفِ والغِنَى وتقارُبُ البُعَداءِ والأغــــــــــــــــرابِ
الصومُ رابطةُ الإخـــــــــــــــــــــــــــــاءِ قويةً وحِبَالِ ودِّ الأهلِ والأصحابِ
الصومُ درسٌ في التساوي حافلٌ بالجودِ والإيثارِ والتِّرحــــــــــــــــــــابِ

فاللهمَّ تقبل منا يسير الأعمال، وسامحنا عن الغفلة والإهمال، فأنت الكبير المتعال، واغفر اللهم لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، الأحياء منهم والميتين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

بَارَكَاللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ،

وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَافِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ،

أَقُولُ قَوْلِي هَذَاوَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِالْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُالرَّحِيمُ.

الخُطْبَةُ الثَّانِيةُ

الحمد لله على إحسانِه، والشكرُ له على توفيقِه وامتِنانه.أَمَّا بَعْدُ:
أَلا فَاتَّقُوا اللهَ يا عباد الله..)وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ(.. فاغتَنِمُوا الأَوقَاتِ، وَاستَبِقُوا الخَيرَاتِ، وَاكتَسِبُوا الحَسَنَاتِ،واستكثروا مِنَ البَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ، فَإِنَّكُم في شَهرٍ كَرِيمٍ وَمَوسِمٍ عَظِيمٍ، مَن لم يَذُقْفِيهِ لَذَّةً لِلطَّاعَةِ، وَيَستَكثِرْ مِنهَا قَدرَ الاستِطَاعَةِ، فَمَتىسيَذُوقُ لِحَيَاتِهِ لَذَّةً وَطَعْمًا.!؟ وَمَتى سيَجِدُ فِيهَا نَعِيمًا وَأُنسًا.!؟
أيها المؤمنون:
إِنَّ ما حصلَ في هذا الشهر الفضيل،في الأيام الماضية بمنفذ الوديعةمن تفجير وقتل طال حماة الوطن، والتي قام بها خوارجُمارقين، أعمالهم لا تمتُ إلى الإسلام بصلة، ولا تُرضي الله سبحانه ولارسوله e، ولا ترضي أمة الإسلام، لا يقوم بهذه الأعمال الإجرامية،إلاّ أناسٌ تجردوا من ومروءتهم وفطرتهم التي فطرهم الله عليها، بل وتجردواقبل ذلكمن إيمانهم وانتكست عقولهم، طغمةٌفاسدةٌمن وراءهم أعداءٌ للإسلام والمسلمين لا يريدون للأمة أن تعيشَ فيأمنٍ وإيمان، وعيشٍ رغيدٍ بأمان.
فاحفظوا أمنكم وإيمانكم أيها الكرام.. احفظوهـ بالتمسك بشرع ربكم عزّ وجلّ وطاعته،
والعمل بسنة نبيه.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونُ:
اعلَموا أن الله أمركم بالصلاة والتسليم، على نبيه الصادق الأمين، فقال في محكم التنزيل:)إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا(الأحزاب:56.
فاللهم صلّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن أصحابه الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر الصحابة أجمعين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا رب العالمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين، واجعل اللهم هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين..
اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان..
اللهم ولِّ عليهم خيارهم واكفهم شر شرارهم..
اللهم احقن دماء المسلمين في كل مكان..
اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك.. اللهم كن لهم ولياً ونصيراً.. ومُعيناً وظهيراً.. يا ذا الجلال والإكرام..
اللهم انصر إخواننا المستضعفين في كل مكان، اللهم ارحم ضعفهم واجبر كسرهم، واخذل عدوهم، وانتقم ممن بغى وتجبر عليهم، بقوتك يا قوي يا متين. يا رب العالمين.
اللهماللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعلهم هداة مهتدين يقولون بالحق وبه يعدلون.
اللهممن أرادنا وأراد ديننا وبلادنا بسوءٍ فأشغلهُ في نفسه، واجعل تدبيره تدميراً عليه، اللهم احفظ علينا أمننا واستقرارنا، وديننا وإيماننا.يا ربَّ العالمين.
اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا.. اللهم اشفِ مرضانا، وعافِ مُبتلانا، وارحم موتانا، وانصرنا على من عادانا يا قوي يا عزيز يا رب العالمين.
اَللَّهُمَّأَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ.
اللَّهُمَّاهْدِنَا لأَحْسَنِ الأَخْلاقِ لا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ وَاصْرِفْعَنَّا سَيِّءَ الأَخْلاقِ لا يَصْرِفُ عَنَّا سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْت.
اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنَّا صَلاتَنَا وَصِيَامَنَا وَصَالِحَ أَعْمَالِنَا، واجْعَلْنَا مِمَّنْ صَامَ رَمَضَانَ وَقَامَهُ إِيمَانَاًوَاحْتِسَابَاً يَارَبَّ الْعَالَمِيْنَ.
رَبَّنَا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين..
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِيالآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

عباد الله:

)..اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا (

الأحزاب 41-42.