ما زلنا مع كلام العارف ابن القيم رحمه الله أخانا رشيد
قال ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين:

قلت: الفكرة فكرتان؛ فكرة تتعلق بالعلم والمعرفة، وفكرة تتعلق بالطلب والإرادة.
فالتي تتعلق بالعلم والمعرفة: فكرة التمييز بين الحق والباطل، والثابت والمنفي.
والتي تتعلق بالطلب والإرادة: هي الفكرة التي تميز بين النافع والضار.
ثم يترتب عليها فكرة أخرى في الطريق إلى حصول ما ينفع فيسلكها، والطريق إلى ما يضر فيتركها.
فهذه ستة أقسام لا سابع لها هي مجال أفكار العقلاء.
فالفكرة في التوحيد استحضار أدلته، وشواهد الدلالة على بطلان الشرك واستحالته، وأن الإلهية يستحيل ثبوتها لاثنين كما يستحيل ثبوت الربوبية لاثنين؛ فكذلك من أبطل الباطل عبادة اثنين، والتوكل على اثنين، بل لا تصح العبادة إلا للإله الحق والرب الحق وهو الله الواحد القهار. اهـ

وقال أيضا في الجواب الكافي: فخطرات العاقل وفكره لا تتجاوز ذلك، وبذلك جاءت الشرائع، ومصالح الدنيا والآخرة لا تقوم إلا على ذلك، وأعلى الفكر وأجلها وأنفعها ما كان لله والدار الآخرة فما كان لله فهو أنواع:
الأول: الفكرة فى آياته المنزلة وتعقلها وفهمها، وفهم مراده منها، ولذلك أنزلها الله تعالى لا لمجرد تلاوتها، بل التلاوة وسيلة. قال بعض السلف: أنزل القرآن ليعمل به فاتخذوا تلاوته عملا .
الثاني: الفكرة فى آياته المشهودة والاعتبار بها، والاستدلال بها على أسمائه وصفاته وحكمته، وإحسانه، وبره، وجوده، وقد حث الله سبحانه عباده على التفكر فى آياته وتدبرها وتعقلها وذم الغافل عن ذلك.
الثالث: الفكرة فى آلائه وإحسانه، وإنعامه على خلقه بأصناف النعم، وسعة مغفرته ورحمته وحلمه.
وهذه الأنواع الثلاثة تستوجب من القلب معرفة الله ومحبته وخوفه ورجاءه، ودوام الفكرة فى ذلك مع الذكر يصبغ القلب فى المعرفة والمحبة صبغة تامة.
الرابع: الفكرة فى عيوب النفس وآفاتها، وفى عيوب العمل، وهذه الفكرة عظيمة النفع، وهذا باب كل خير وتأثيرها فى كسر النفس الأمارة بالسوء، ومتى كسرت عاشت النفس المطمئنة وانتعشت وصار الحكم لها، فحيي القلب ودارت كلمته فى مملكته، وبث أمراءه وجنوده فى مصالحه.
الخامس: الفكرة فى واجب الوقت ووظيفته وجمع الهم كله عليه، فالعارف ابن وقته فإن أضاعه ضاعت عليه مصالحه كلها، فجميع المصالح إنما تنشأ من الوقت فمتى أضاع الوقت لم يستدركه أبدا.اهـ
فقوله: وهذه الأنواع الثلاثة تستوجب من القلب معرفة الله ومحبته وخوفه ورجاءه، ودوام الفكرة فى ذلك مع الذكر يصبغ القلب فى المعرفة والمحبة صبغة تامة.

هذه ثمرة العقيدة الصحيحة السليمة