وهذه هي الخطبة الثانية وهي في نفس الموضوع عن الاستقامة على الطاعة بعد رمضان .. وهي كذلك من منقولي بجمع مني واختصار وتصرف ..

أيها المسلمون: لقد يسر الله طرقَ الخيرات، وتابع لعباده مواسم الحسنات، وربنا وحده مصرف الأيام والشهور، يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، جعل لكل شيء سببًا، ولكل أجل كتابًا، ولكل عمل حسابًا، وجعل الدنيا سوقًا يغدو إليها الناس ويروحون ، فبائع نفسَه فمعتقها أو موبقها، والأيام إنما هي أجزاء من العمر ومراحلُ في الطريق، تفنى يومًا بعد يوم، مُضِيُّها استنفاد للأعمار، واستكمال للآثار، وقرب من الآجال، يابن آدم إنما أنت أيام فإذا ذهب يومك ذهب بعضك .
إنا لنفرح بالأيام نقطعها وكل يوم مضى يدني من الأجل
أيها المسلمون: لقد مضت أيام مباركات قطعتم بها مرحلة من مراحل العمر، من أحسن فيها فليحمد الله وليواصل الإحسان بعد الإحسان، ومن أساء فليتب إلى الله وليصلح العمل بلواحق الإحسان، ولا سبيل إلى الراحة إلا بانتهاء الأجل لمن أصلح العمل، والعبرة بالخواتيم ,,, قيل للإمام أحمد رحمه الله: متى الراحة يا إمام؟ قال: عند أول قدم تضعها في الجنة.
أيها المسلمون : في استدامة الطاعة والاستمرار على العبادة نعيم للصالحين، وقرة عين للمؤمنين، يقول المصطفى r : ((خير الناس من طال عمره وحسن عمله)).
ولقبول العمل والطاعات علامات، وللكذب في التوبة والإنابة أمارات، فمن علامة قبول الحسنة فعل الحسنة بعدها، فأتبع الحسناتِ بالحسنات تكن علامةً على قبولها وتكميلاً لها، وتوطينًا للنفس عليها، حتى تصبح من سجاياها وكريم خصالها، وأتبع السيئات بالحسنات تكن كفارة لها ووقاية من خطرها وضررها، ((إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيّئَاتِ ذالِكَ ذِكْرَى لِلذكِرِينَ ))
أيها الإخوة المسلمون، إن مِن شكر الله عز وجل على نعمة توفيقه للصيام والقيام أن يستمرَّ المسلم على طاعة الله عز وجل في حياته كلِّها، فالإله الذي يُصام له ويُعبد في رمضان هو الإله في جميع الأزمان،
وإن الناظر في حياة كثيرٍ من المسلمين اليومَ بعد رمضان يأسفُ أشدَّ الأسف لما عليه بعضُ الناس هداهم الله بعد شهر الصيام من هجرِ المساجد، وتركِ الجماعات، والتساهلِ في الصلوات، واعتزالِ الطاعات، من قراءة القرآن والذكر والدعاء، والبذل والإحسان والصدقة، والإقبال على أنواع المعاصي والمنكرات، واستمراء الفواحش والمحرمات
يقول كعب: “من صام رمضان وهو يحدِّث نفسَه أنه إذا خرج رمضانُ عصى ربَّه فصيامُه عليه مردود، وباب التوفيق في وجهه مسدود”
ولما سُئل بشرٌ الحافي رحمه الله عن أناس يتعبَّدون في رمضان ويجتهدون فيه، فإذا انسلخ رمضان تركوا ,,, قال: “بئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان”. فيا لفداحةِ المصيبة ويا لعِظم الحِرمان أن يحورَ أقوامٌ بعدَ الهدى إلى الضّلال وبعد الرّشاد إلى الغِواية، نعوذ بالله من الحور بعد الكور
عباد الله : إن الاستقامة على الطاعة والاستمرار على العبادة هي صفات عباد الله المؤمنين، إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ.
والاستقامة مفتاح للخيرات، وسبب لحصول البركات، قال عز وجل (( وَأَلَّوِ اسْتَقَامُواْ عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً)).
فاستقيموا يا مسلمون على طاعة مولاكم في كل وقت وحين، فإن عمل المؤمن ليس له أجل دون الموت، قال عز وجل: ((وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ))
فيا من استجبتم لربكم في رمضان، استجيبوا له في سائر الشهور والأيام، ٱسْتَجِيبُواْ لِرَبّكُمْ مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ
معشر المؤمنين : إن نفس المؤمن لا تستكين، وهمته لا تلين، وكلما سكنت نفسه أحدث لها نشاطًا وقال لها: يا نفسُ، أبشري فقد قُرب المنزل ودنا التلاقي فلا تنقطعي في الطريق ، فيحال بينكِ وبين منازل الأحبة محمدا وصحبه .
فحين سئل نافع- رحمه الله – عما يفعله ابن عمر رضي الله عنهما في منزله قال: “الوضوء لكل صلاة، والمصحف فيما بينهما” وهذا في عموم أيامه رضي الله عنه وليس في رمضان فحسب.
يقول الحسن البصري رحمه الله واصفاً اجتهاد السلف في العبادة: “لقد أدركت أقواماً وصحبت طوائف فما كانوا يفرحون بشيء من الدنيا أقبل، ولا يحزنون على شيء أدبر، وكانت في أعينهم أهون من التراب الذي يطأون عليه، وكانوا عاملين بكتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم. كانوا إذا جن الليل قاموا على أقدامهم وافترشوا وجوههم وجرت دموعهم على خدودهم”.
وكان ابن عمر إذا فاتته صلاة الجماعة صام يومًا وأحيا ليلةً وأعتق رقبة.
وقالت فاطمة بنت عبد الملك زوج أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-: ما رأيت أحدًا أكثر صلاة ولا صيامًا منه، كان يصلي العشاء ثم يجلس يذكر الله حتى تغلبه عيناه ثم ينتبه. ولقد كان يكون على الفراش فيذكر الشيء من أمور الآخرة فينتفض كما ينتفض العصفور من الماء ويجلسُ يبكي، فأطرحُ عليه اللحاف.
وعن وكيع قال: كان الأعمش قريباً من سبعين سنةً لم تفته التكبيرة الأولى، واختلفتُ إليه أكثر من ستين سنة فما رأيتهُ يقضي ركعة واحدة.
وقال سلمان بن حمزة المقدسي: لم أصلِّ الفريضة قطُّ منفرداً إلا مرتين وكأني لم أصلها قطّ، مع أنه قارب التسعين حين مات، رحمهم الله تعالى.
أيها المسلمون: دأْب الصالحين الديمومة على العمل ثم خوفهم من عدم قبول الأعمال الصالحات، ذكر الحافظ ابن رجب رحمه الله عن معلَّى بن الفضل أنهم كانوا يدعون الله ستة أشهر بعد رمضان أن يتقبله منهم. ويقول الحسن البصري: أدركت أقوامًا لو أنفق أحدهم ملءَ الأرضِ ذهبا في سبيل الله ما أمِن العقوبة لعظم الذنب في نفسه”.
فلا تثقوا بما كان منك من عمل؛ فإنك لا تدري أيقبل منك أم لا؟، ولا تأمن ذنوبَك فإنك لا تدري أكُفِّرت عنك أم لا؟ والمعجب بعمله مخذول، وكم من عابد قد أفسده العجب، ومن المهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه، ومن لم يتفقد آفات الأعمال من الرياء والعجب كان عمله إلى البوار .
فالله لا يريد من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه صوابا على سنة نبيه r قال عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه ((من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه))
فالأعمال إذا لم تكن خالصة عن الشوائب لم تكن عند الله نافعة، يقول ابن مسعود : (الهلاك في اثنتين: القنوط والعجب)،
فاستعن بالله يا مسلم على دفع الإعجاب باحتقار الأعمال، وتذكر آلاء الله عليك وعظيم حقه عليك،
يقول سعيد بن جبير: “دخل رجل الجنة بمعصية، ودخل رجل النار بطاعة” قيل: وكيف ذلك يا سعيد؟! قال: “عمل رجل معصية فما زال خائفًا من فعلها، فأدخله الله الجنة بخوفه من الله، وعمل رجلٌ طاعة، فما زال معجبًا بها حتى أحبط الله عمله فدخل النار”.
سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها رسولَ الله عن قوله سبحانه: وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أهُم الذين يزنون ويسرقون ويشربون الخمر؟ قال: ((لا يا ابنة الصديق، ولكنهم الذين يصلّون ويصومون ويتصدّقون ويخافون أن لا يُتقبَّل منهم))،
يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (كونوا لقبول العمل أشدَّ اهتماماً منكم بالعمل,,, وعن فضالة بن عبيد قال: “لو أني أعلم أن الله تقبَّل مني مثقالَ حبةِ خردلٍ أحبُّ إليَّ من الدنيا وما فيها لأن الله يقول: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ
فاحفظ يا عبدالله ما عملته من صالحات في الشهر المبارك,, بالإخلاص لله، والإقرار بالتقصير والشعور بالتضييع , واتهام النفس بالتفريط
عباد الله، اتقوا الله واحذروا ما يبطل العبادة أو يُذهب ثوابها:
ومن ذلك الشرك بالله عز وجل، ومنه الرياء والسمعة، قال تعالى: وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [الأنعام:88].
ومن ذلك الإحداث في الدين، قال : ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)).
ومن ذلك ظلم الناس والتعدي عليهم في دمائهم وأموالهم وأعراضهم فقد جاء في الحديث: ((إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا، فيُعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضي ما عليه أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه ثم طُرح في النار)) [أخرجه مسلم]
ومن ذلك بعض الكلمات السيئة التي ينطق بها الإنسان من غير تفكير في عواقبها فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يرى بها بأساً فيهوي بها في نار جهنم سبعين خريفاً)) [أخرجه ابن ماجه] ،
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.




الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا مزيدًا. أما بعد:
أيها المسلمون، مضت تلك الليالي الغرُّ بفضائلها، ونفحات ربها، فهنيئًا للذين أطاعوا ربهم، وعظموا شهرهم، وأخلصوا العمل لخالقهم، ومن فاتته التوبة في شهر الغفران فليتداركها قبل فوات الأوان، وربنا تعالى يتودد إلى خلقه بالنعم، ويناديهم في الظُلَم، فكن متعلقًا بخالقك في كل لحظة من حياتك، وفي كل حركة وسكون من شأنك، والذي فضَّل رمضان هو الإله المعبود في كل زمان، واجعلوا الاستقامة شعاركم، وصالحَ الأعمالِ غايتَكم، يحصل لكم الفلاح، وتتم لكم السعادة في الدارين، ولا يكن آخر عهدكم بالصيام والقيام والصدقة والقرآن في رمضان , خاب وخسر من لا يعرف الله إلا في رمضان , قال جل وعلا: مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حياةً طَيّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ.
واعلموا ـ رحمكم الله ـ أنَّ رسولَكم ندبكم لصيام ستةِ أيامٍ من شوال، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي أيوب رضي الله عنه أن رسول الله قال: ((من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر)).
فلا تفوِّتوا ـ رحمكم الله ـ على أنفسكم هذه الفضيلة العظيمة، فكلّنا بحاجة إلى سدّ ما نقص من صيامنا بصيام التطوع، فصوموها وحثوا عليها نساءكم وأولادكم.
ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاة والسلام على نبيه فقال في محكم التنزيل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ