وهذه الخطبة بعد تهذيب وإجادة تنسيق واهتصار

الحمد لله الذي وسع كل شيءٍ رحمةً وعلماً، ورفع بعض خلقه على بعض منَّةً منه وفضلاً، وإعزازاً منه وتكرما، وله الحجة البالغة فيما اختار وانتقى ، والحِكَمُ الباهرة فيما ابتغى واصطفى، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.
وأشهد أن لا إله إلا هو، الملك العليم ، الحكيم الخبير, وهو القاهر فوق عباده وهو اللطيف الخبير وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، القائل
(لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدَكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) فصلى الله عليه وسلم وبارك، وعلى أزواجه وذريته وأصحابه السادة الغُرر، الأئمة الكُبَر، البررة الأنجاب، السابقين إلى تصديقه ونصرته، والناقلين لسننه وأحكامه، وأقواله وأفعاله وأحواله، والباذلين أنفسَهم وأموالهم لنشر دينه، وهداية الناس إليه، فلهم مثل أجور كلِ من اهتدى بشيء منه على مر الأزمان، واختلاف البلدان، وتنوع الأجناس والألوان، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
أما بعد فيا أهل السنة:
لقد قَضى الله بحِكمته أن يكونَ لنبيِّه المصطفى المختار -صلَّى الله عليه وسلَّم- صحبٌ كرام، ورجال أفذاذ، هم خيرُ الخلق بعد الأنبياء، وهم الذين حملوا رسالةَ هذا الدِّين على أكتافهم وسعوا في بثِّها في أصقاع المعمورة، واختصَّهم الله -سبحانه- بشرف عظيم وهو صحبة نبيِّه الكريم -صلَّى الله عليه وسلَّم- ولولا انفرادُهم بالأفضلية والخيرية على سائر الأمة ، لَمَا اصطفاهم الله لهذه الصُّحبة الكريمة ، والتي هي أجلُّ صحبة ومرافقة على مرِّ العصور؛ كيف لا، وهي مرافقةُ أفضلِ الخَلق وأكرمِهم؟!
روى الإمام أحمد عن عبدالله بن مسعود -رضي الله عنه- أنَّه قال: “إنَّ الله نظر في قلوب العِباد فوجد قلبَ محمَّد -صلَّى الله عليه وسلَّم- خيرَ قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثمَّ نظر في قلوب العِباد بعدَ قلب محمَّد -صلَّى الله عليه وسلَّم- فوجد قلوبَ أصحابه خيرَ قلوب العِباد، فجعلهم وُزراءَ نبيِّه، يقاتلون على دينه.أهـ
ألا وإن مما يفتت القلب كمدا يا أبرار .. أن يقع السفلة من الناس في بعض في الصحابة الأخيار، وقد وشهد لهم كبارُ هذه الأمَّة بعد رسولها -صلَّى الله عليه وسلَّم- بالخير والصلاح، ونصَّبوهم المناصبَ العالية في دولتهم، وسيَّروهم على الجُيوشِ الفاتحة لبلاد العالَم آنذاك.
عباد الله :
لا عجب من جرأة الرافضة على الصحابة الأخيار بالقدح والطعن والتشويه والتكفير فليست بغريبة منهم، ولا هي جديدة علينا، فهم قد دخلوا في الدين بقصد هدمه من الداخل بادي الأمر ونهايته ولا سبيل لإسقاط الدين وهدمه إلا بالطعن في من نقله لإسقاطهم فإذا سقطوا فكيف يقبل الناسُ دينا نقله قوم كافرين كاذبين .. وهذا ما يريدون الوصول إليه.
وإنما العجب كل العجب أن يتجرأ بعض الكتاب والمتصدرين في الفضائيات ممن ليسوا من الرافضة فيما يبدوا وينتسبون للسنة كذبا وزورا فيقدحون في بعض الصحابة الأبرار، وأكثر من نال من الصحابة سبا وشتما وتفسيقا وتكفيرا من هؤلاء السفهاء الفجرة هو الأمير المبجل ، والملك الصالح العادل معاوية بن أبي سفيان ـ رضي الله عنه، وعن أبيه ـ.
أيها الناس:
إن القدح والعيب في الصحابي الجليل معاويةَ بن أبي سفيان ـ رضي الله عنه ـ كبيرة موبقة وجريمة منكرة، وخطيئة شنيعة، ومن قدحه أو عابه أو أطلق قلمه أو لسانه فيه ذما وانتقاصا فقد خالف القرآن العظيم، وعارض السنة النبوية، واهتدى بغير هداهما، وكان ضالا مبتدعا.
وذلك لأن كل نص جاء في الكتاب والسنة ينص على فضل الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ، ووجوب محبتهم، ولزوم توقيرهم ، وحرمة سبهم والطعن فيهم، فمعاوية داخل فيه، إذ هو من جملة الصحابة رضي الله عنه.


يا أهل الولاء للصحب الأبرار:
إن مناقب هذا الأميرِ المبجل، والصحابيِ الموقر، ملكِ أهل الإسلام، كثيرةٌ مشهورة، ظاهرة غير خفية، نسوق لكم في هذه الخطبة بعضَها:
أولها أنه كان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين آمنوا به وصدقوه ونصروه وجاهدوا بين يديه وتلقوا العلم عنه، وشرف صحبة النبي
r لا يعدله شرف.
ومنها أيضا:
أنه كاتب الرسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب عنه الوحي الذي أُنزل عليه هداية ورحمة للخلق أجمعين , ومن المؤكد حتما أن النبي صلى الله عليه وسلم لن يختار لكتابة وحي الله تعالى إلا من كان عنده أميناً عدلاً مرضياً.

ومن مناقبه : دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له في أكثر من موضع قال صلى الله عليه وسلم يدعوا لمعاوية ( اللهم اجعله هادياً مهدياً واهد به ) رواه الترمذي وصححه الألباني
وروى الإمام أحمدُ في “مُسنده”، والنَّسائيُ في “سُننه”، وغيرُهم، عن العرباض بن سارِية قال: دخلتُ على رسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمفي رمضان عند السَّحَر، فإذا هو رافع يَدَيه يدعو لمُعاوية؛ يقول: “اللهم! علِّم مُعاويةَ الكتاب والحساب، وَقِهِ العذاب”، وزيد في رواية ومكِّن له في البِلاد”، صحَّحه التِّرمذي والبغوي وابن كثير والذَّهبي والحافظ ابن حَجر،
ومن مناقبه :
أنه ممن أعز الله تعالى بهم الإسلام وأهله فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفةً كلهم من قريش )) رواه البخاري.
قال العلامة ابن أبي العز الحنفي ـ رحمه الله ـ: وأول ملوك الإسلام معاوية، وهو خير ملوك المسلمين قاطبة وأحسنهم سيرة .اهـ

و كانت سياسته رضي الله عنه مع رعيته من أفضل السياسات عدلا ورحمة قال قَبيصة بن جابر: ما رأيت أحداً أعظمَ حلماً ولا أكثرَ سؤدداً ولا أبعدَ أناة ولا ألينَ مخرجاً، ولا أرحبَ باعاً بالمعروف من معاوية ..
ومن مناقبه
شهوده للكثير من المعارك والغزوات مع النبي صلى الله عليه وسلم وبعده فقد شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم حنينا وشهد بعده الكثيرَ من الغزوات ومنها معركةَ اليمامة وأبلى فيها بلاءً حسنًا، وما أدراكم ما اليمامة! أعظم حربٍ خاضها الصحابةُ -بعد موت النبي-صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم مع المرتدين وكان معاوية أحدُ المشارِكين في قتل مُسَيلمة الكذَّاب مع وحشيٍّ، ضربه في نفسِ الوقت الذي ضَربَه وحشي، حتى ذكر الحافظُ ابن كثير: أنه لا يُعرف أي الرَّجلين أسرع في قتل مُسَيلمة الكذَّاب.
ومن مناقبه أيضا:
دخوله في قوله صلى الله عليه وسلم: (( أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا )) رواه البخاري. أي وجبت لهم الجنة
قال الحافظ ابن حجر قَالَ الْمُهَلَّب : فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنْقَبَة لِمُعَاوِيَة لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ غَزَا الْبَحْرَ فهنيئاً له هذا الوعدَ الجميل من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهنيئاً له هذه البشارة العظيمة
وقد كان معاوية ِرضي الله عنه لما أن كان أميرًا لعُمَر على الشام، كان يقول لعُمَر: (يا أمير المؤمنين! مُرني لأركب البَحر!) فكان عمر يخاف على جيش المسلمين من ركوب البحر، فكان بعد ذلك يطلب من عثمان في خلافته فيأبى، فلما تولى المُعاوية؛ صنع ما كان يريد: فأسَّس أسطولاً بحريًّا عظيمًا، ففتح به الكثير من البلدان
ومن مناقبه رضي الله عنه:
تولية ثلاثة من الخلفاء الراشدين المهديين له، وهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ـ رضي الله عنهم ـ.
حيث ولاه أبو بكر على بعض المدد الذي أرسله إلى بلاد الشام ناشراً للإسلام، ومجاهداً في سبيل الرحمن، ثم ولاه عمر على بعض أقاليم الشام وهي الأردن ، ثم ولاه عثمان أميراً على بلاد الشام كلها. وهذا دليل على ثقة الخلفاء في أمانته وحكمته وحنكته
ومن مناقبه:
نزع فتيل الفتنة في عهده واتساعُ رقعة الإسلام حتى وصلت إلى حدود القسطنطينية، وإلى شمال أفريقية، وإلى حدود روسياً.
ويا لله كم ترتب على كثرة الفتوح في عهده من إسلام مئات الألوف، بل الملايين من الناس.

عباد الله : لقد كان السلف الصالح من الصحابة وغيرهم يثنون على معاوية ويزكونه ويذكرونه بخير ..
فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعرف فضل مُعاوية، ويتفرَّس فيه، رآه يومًا فقال: “تَعجبون مِن دهاء قيصر وكسرى، ولا تعجبون من دَهاء مُعاوية؟!!”.
وكان سعد بن أبي وقاص –وهو من العشرة المشهود لهم بالجنَّة- يقولكما في “سُنن الترمذي”-: “والله؛ ما رأيتُ أقضى بحقٍّ بعد عثمانَ من صاحب هذا الباب” وأشار إلى باب مُعاوية.
وجاء عن عبد الله بن عمر -بالأسانيد الكثيرة، والطرق العديدة التي صحَّحها أهل العلم- أنه قال: “ما أعرِف في الإسلامِ مَن هو أسوَد من مُعاويةمن السِّيادة التي قامت على الحِلم والسُّؤدد والكَرم وسعة العطاء، ودهائه وسداد رأيه.

فقيل له: ولا أبو بكر؟ قال: ” أبو بكرٍ خير مِن مُعاوية، ومُعاوية أَسوَد!”، قيل له: وعمر؟ قال: “عُمر خيرٌ من مُعاوية، ومُعاوية أَسوَد، قيل له: عثمان؟ فبكى -رضِيَ اللهُ عنهُ-، قال: “إنْ كان عثمان لحليمًا سيِّدا، وكان خير مِن معاوية، ومُعاوية أَسودُ مِنه”
وكان ابن عباس رضي الله عنه يثني على معاوية رضي الله عنه فعَنْ هَمَّامِ بنِ مُنَبِّهٍ، سَمِعْت ابْن عَبَّاسٍ يَقُوْل : مَا رَأَيْت رَجُلا كَانَ أَخْلَق لِلمُلْكِ مِنْ مُعَاوِيَةَ ، كَانَ النَّاسُ يَرِدُوْنَ مِنْهُ عَلَى أَرْجَاءِ وَادٍ رَحْبٍ ، لَمْ يَكُنْ بِالضَّيِّقِ ، الحَصِرِ ، المُتَغَضِّب . رواه عبد الرزاق في ” المصنف ” بإسناده صحيح .
وشهد لمعاوية أبو الدَّرداء: -كما في الصَّحيح- قال: “ما رأيت أحدًا أشبهَ بصَلاة رسولِ الله من مُعاوية“.
وكان أئمة السلف ينكرون شديدا على من يُفضِّل أحدا من التابعين على معاوية مهما كان فضله وعلا قدره قيل للإمام عبد الله بن المبارك ـ رحمه الله ـ:
أيهما أفضل : معاوية بن أبي سفيان ، أم عمر بن عبد العزيز ؟ فقال : و الله إن الغبار الذي دخل في أنف معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من عمر بألف مرة ، ثم قال صلى معاوية خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : سمع الله لمن حمده ، فقال معاوية ربنا ولك الحمد . فما بعد هذا ؟ …
وقيل للإمام أحمد بن حنبل ـ رحمه الله ـ:
أيهما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: معاوية أفضل، لسنا نقيس بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً.اهـ

وسُئل أخرى عن مُعاوية؛ فبكى -رضِيَ اللهُ عنهُ-، وقال: “مثلي يُسأل عن مُعاوية! إنه رجل مِن أصحاب النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-” اكتفى بهذا!
وقيل للمعافى بن عمران ـ رحمه الله ـ:
أيهما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز فغضب على السائل
فقال: “أعوذُ بالله منكم! أتَقيسون رجلاً مِن غير الصَّحابة برجلٍ من أصحاب النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-؟!! إنه لا يُقاس بأصحاب رسولِ الله مَن جاء بعدهم“. ثم قال معاوية صاحب النبي صلى الله عليه وسلم وصهره وكاتبه وأمينه على وحي الله.اهـ
وعن الأعمش أنه ذُكر عنده عمرَ بن عبد العزيز وعدَله ، فقال : فكيف لو أدركتم معاوية ؟ قالوا : يا أبا محمد يعني في حلمه ؟ قال : لا والله بل في عدله
وقال الإمام الزهري: عمل معاوية بسيرة عمر بن الخطاب سنينا لا يخرم منها شيئاً
أيها الناس:
إن سبب إكثارنا من النقولات عن هذا الصحابي الجليل، والمجاهد النبيل، والحاكم العادل، والفقيه الصالح، أمران:
أولهما: ما عليه الرافضة من تشويه لصورته الطيبة، ونسف لتاريخه المشرق المضيء، وهدم لأعماله الجليلة ، ودس للأكاذيب وتلفيق للأباطيل عبر كتب ومؤلفات ملاليهم ودعاتهم ، ووسائل إعلامهم من فضائيات وغيرها، فوجب أن يُدَافع عنه، وتُحيى فضائله، ويُذَكَّر الناس بشيء من مناقبه.
وثانيهما: أن هذا الصحابي ـ رضي الله عنه ـ هو بوابة الصحابة وسترهم، فمن تجرأ عليه تجرأ على غيره
من الصحابة
قال الربيع بن نافع ـ رحمه الله ـ:
معاوية سترٌ لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فإذا كَشف الرجل الستر اجترأ على ما وراءه.اهـ

أيها الناس: إنه ليؤذينا شديداً، ويزعجنا كثيراً، ويكدر صفونا، ويحزن قلوبنا تجرأ بعض من ينتسبون للسنة وهم منها براء فيطعنون في بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يخرج علينا أحمد الكبيسي عبر إحدى الفضائيات فيطعن في معاوية بن أبي سفيان ـ رضي الله عنه ـ بأبشع الكلام، وأقبح القول، وأفظع الوصف، وأشنع القدح، وأفجر العبارة، حتى إنه جعله كذباً وزوراً وبهتاناً ممن ارتد وكفر بعد إسلامه.

وفاجر آخر يُقال له عدنان إبراهيم هو شيطان في مسلاخ إنسان يتستر بالسنة ولا يفتأ في كل لقاء يطعن في معاوية وآخرين من الصحب الكرام
وثالث مدلس ماكر هو حسن فرحان المالكي جعل شغله الشاغل الطعن في معاوية وبعض الصحب الكرام وغيرهم كثير
فإنا لله وإنا إليه راجعون، هو حسبنا وحسب أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم، وناصرهم ورافع ذكرهم في العالمين، والمخذول من أردى بنفسه بالوقيعة في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وأزراها بين الناس، وأساء إليها في الدنيا والآخرة.
أيها الناس: جاء رجل فقال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أعدت لها؟ قال: يا رسول الله ما أعددت لها كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله، قال: ” فأنت مع من أحببت “.
قال أنس راوي: فما فرحنا بعد الإسلام فرحاً أشد من قول النبي صلى الله عليه وسلم: ” فإنك مع من أحببت” ثم قال: فأنا أحب الله ورسوله، وأبا بكر وعمر، فأرجوا أن أكون معهم، وإن لم أعمل بأعمالهم )) رواه البخاري ومسلم واللفظ له.
فاللهم اجعلنا ممن يحب صحابة نبيك صلى الله عليه وسلم حباً كثيراً، وممن يتولاهم وينصرهم، ويجلهم ويوقرهم، ويترضى عنهم، ويعرف لهم سابقتهم وفضلهم، ويستغفر لهم، ويسير على طريقهم، ويقتدي بهم، إنك سميع مجيب.{ ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين منوا ربنا إنك رءوف رحيم }{ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب}

الحمد لله معز أوليائه، ومذلُ من عاداهم، والصلاة والسلام على نبيه الكريم، وعلى آل بيته، وعلى الصحابة الكرام المكرمين المرضيين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الجزاء والمصير.
أما بعد أيها الناس:

رحم الله مُعاوية! لما حضرتهُ الوفاةُ، وشعر بالمرض، أرسل لبَناتِه، فقال لابنتِه الكُبرى: إن في خزانتي خِرقة فيها شَعرات أخذتُها مِن رسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- لما كنتُ معهُ في الحج، وبلغني أن كعبَ بن زُهير يَملِك ثوبًا من أثوابِه، فدونَكُم حتى إذا اشتريتُمُوه؛ اجعلُوهُ على بَدَني. فاشتراهُ الأولاد بِعِشرين ألفًا مِن الذَّهب. قال: اكسُوني الثَّوب، واجعلوه على بدني، ومن فوقِه الأكفان، وضعُوا الشَّعرات في عينيَّ وفي فَمي، ثم زُجوا بي في القبر، ودعوا مُعاوية وأرحم الرَّاحمين.
ثم قال لهم: اتقوا الله! فمَن اتَّقى اللهَ وقاهُ، وقال: اللهم! إنَّ عبدك مُعاوية يتمنَّى لو كان رجلًا مِن قريش في ذي طُوى ولم يلِ مِن أمر النَّاس شيئًا، اللهم! إنك علمتَ أنني سِرت على سيرة أبي بكر وعمر، ولَنَقل الجبال الرَّاسيات أصعب من السَّير على سيرة أبي بكرٍ وعمر، اللهم! إني قدمتُ عليك وأنتَ أرحم الرَّاحمين.
ثم نزل مِن على كُرسيه، وكشف البِساط، ومرَّغ وجهه بالتراب، وقال: صدق الله: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ(15)أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[هود].
عباد الله :
إن من أعظم خصال التقوى، وأجل صفات أهل الإيمان، ودلائل جميل الديانة، وشواهد صلاح الباطن، وعلامات وفور العقل وصحته، هو حب جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسلامة القلوب والألسن فيهم، وذكرهم بين الناس بالجميل، وإعزازهم وإجلالهم وتوقيرهم.

وعلى هذه العقيدة الطيبة الزكية سار أهل السنة والحديث على مر الأزمان، وتباين الأقطار.
ومن قرأ القرآن المجيد ونظر أقوال الرسول الكريم صلى الله عليه ووقف على أقوال أئمة السلف الصالحين وقلب دواوين السنة فلن يجد إلا هذه العقيدة
قال الإمام أحمد بن حنبل ـ رحمه الله ـ:
من انتقص واحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أبغضه لحدث كان منه، أو ذكر مساويه كان مبتدعاً، حتى يترحم عليهم جميعاً، ويكون قلبه لهم سليماً.اهـ

وقال رحمه الله :” إذا رأيت الرجل يذكر أحداً من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بسوء فاتهمه على الإسلام
وقال الإمام أبو زرعة الرازي ـ رحمه الله ـ:
إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الذي أدى إلينا هذا القرآن والسنن هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن طعن عليهم فقد أسقط الكتاب والسنة

ومما أجمع عليه أئمة السلف وجوب السكوت عما شجر بين الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ من الخلاف بعد مقتل عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ حتى لا تنجر الألسنُ أو القلوب إلى ذم أو بغض أحد منهم فتضل وتهلك.
ولأن أكثر ما يروى من الأقاويل والقصص في ذلك كذب ودس من الرافضة، ومنه ما زيد فيه أو نُقص حتى تغير عن معناه الصحيح، والصحيح منه قليل، وهم فيه إما مجتهدون مصيبون أو مجتهدون مخطئون، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرةَ ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنه يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم، لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم.

فينبغي على كلِّ مسلم -عبادَ الله- عدمُ الخوض فيما دار بين الصحابة، ويجب علينا أن نتولاَّهم جميعًا , ونترضَّى عنهم؛ قال -سبحانه-: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} وقال عليه الصلاة والسلام ((إذا ذُكِرَ أصحابي فأمسكوا)) صححه الألباني
وسُئل عمر بن عبدالعزيز عمَّا وقع بين الصحابة مِن فتنٍ وحوادثَ وحروب، قال: “تلك أمورٌ سلَّم الله منها سيوفَنا من دمائهم، فلماذا لا نُسلِّم ألسنتنا من الخوض فيها؟!”
وقال الإمام أحمد: “ومِن السُّنَّة ذِكْرُ محاسن أصحاب رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- كلِّهم أجمعين، والكفُّ عن الذي شَجَر بينهم، فمن سبَّ أصحاب رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- أو واحدًا، فهو مبتدعٌ رافضي، حبُّهم سُنَّة، والدُّعاء لهم قُربة، والاقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآرائهم فَضيلة. أهـ
فاللهم اجعلنا من المتبعين لسنة نبييك صلى الله عليه وسلم، والمستمسكين بما عليه صحابته، والمحبين له ولهم.

اللهم انصر إخواننا المستضعفين في الشام واجعل لهم من كل ضيق مخرجا ..
اللهم صل على عبدك ورسولك الكريم وعلى أزواجه وذريته، وجميع قرابته، وسائر أصحابه، ذكوراً وإناثاً، صغاراً وكباراً، وسلم تسليماً كثيراً.