زيارة الجفريّ للمسجد الأقصى
د. عبد المجيد البيانوني | 20/5/1433 هـ
أحدثت زيارة الحبيب علي الجفري للمسجد الأقصى ضجّة كبيرة ، وكثر القيل والكلام حولها، وأكثره مُنتقِد معترِض .. ودافع آخرون بعاطفة وتبرير ..
والحقّ أنّ هذه القضيّة دقيقة مشتبهة ، الحكم فيها ليس له صفة الوضوح والقطع ، ولذا فإنّ الفتوى فيها لا يفصل فيها نصّ واحد ، يتحدّث عن حالة فرديّة خاصّة ، لا صلة لها بالشأن العامّ ، الذي له علاقاته المتداخلة المتشابكة ، الواسعة الشاملة ، وله ملابساته المؤثّرة ، كما لا ينبغي أن يؤخذ فيه برأي الفرد مهما علا شأنه ، أو كان مبلغه من العلم . ويمكننا أن نفهم هذه العلاقات ونحلّلها كما يلي :
ـ الحكم الشرعيّ للزيارة ، وأثره في هذه القضيّة .
ـ واقع المؤمنين القريبين المعنيّين بهذا الصراع ، وما يحقّق أهدافهم ، ويشدّ عزائمهم ، ويدخل في باب نصرتهم ، وموقفهم من زيارة الأقصى في هذه الظروف .
ـ موقف الأعداء ودوافعهم وأهدافهم .
ـ صدى هذا الفعل عالميّاً ، وفهم عامّة الناس له ؛ سواء أكانوا موالين للأعداء متعاطفين معهم ، أو متعاطفين مع الأصدقاء ، مؤيّدين لحقّهم .
وأحبّ أن أحصر حديثي في هذه المقالة من خلال هذه النقاط السالفة :
ـ ينبغي التمييز أوّلاً بين حكم الأمر الذي له صفة فرديّة بحتة ، سواء أكان بالنظر إليه بذاته ، أو بالنظر إلى فاعله ، وبين الأمر الذي له بعد اجتماعيّ ، أو مجتمعيّ ، أو الأمر الذي له بعد إقليميّ أو عالميّ ، وبمعنى أدقّ : له بعد سياسيّ وحضاريّ .. فما بالك إذا كان الأمر يتعلّق بأخطر صراع تواجهه الأمّة عقديّاً وحضاريّاً .؟! فمثل هذا الأمر لا يصحّ بحال من الأحوال أن ينظر إليه ، أو يؤخذ بصفته الفرديّة ، بعيداً عن محيطه الاجتماعيّ والعالميّ .
وتأسيساً على ما تقدّم ؛ فإنّ زيارة المسجد الأقصى لا ينظر إليها من خلال حديث : ( لا تشدّ الرحال.. ) ، الذي يرغّب بشدّ الرحال إليه ، والصلاة فيه .. فحسب ، ومن نظر إليها كذلك كان كمن دعي إلى الصلاة في مسجد ، أرضه مغصوبة ، فصلّى فيه بدعوى الحرص على نيل فضائل السعي إلى المساجد وإحيائها وعمارتها ، ولم يلتفت إلى الملابسات التي تحيط بهذا المسجد ، وتوجب مراعاتها ، فكيف إذا كان المغتصِب عدوّاً لدوداً لهذا المصلّي ، وهو يريد أن يتّخذ من صلاته حجّة تبرّر اغتصابه وعدوانه .؟! وكيف إذا كان الصراع مع هذا المغتصِب صراع مبادئ وقيم ، وعقيدة وحضارة ، وليس صراع حدود وحجارة ..
إنّ حكم شدّ الرحال لزيارة المسجد الأقصى لا بدّ أن تتوفّر شروط مشروعيّته واستحبابه ، وأن تنتفي موانع ذلك ، فلا حجّة لمن تمسّك بهذا الأصل وأغضى عمّا يشترط فيه ، وما يمنع منه .. وذلك لا يخفى على كلّ طالب علم حصيف ..
وانظر إلى موقف عثمان ذي النورين رضي الله عنه يوم صلح الحديبية ، وتدبّره ببصيرة ، إذ عرض عليه المشركون أن يطوف بالبيت ، وقد جاء يفاوضهم بأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، وكأنّهم كانوا ينصبون له مطبّاً شائكاً فيما عرضوا عليه ، فأقسم رضي الله عنه أنّه لن يطوف بالبيت حتّى يطوف به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، والبيت العتيق على مرمى بصره ، والشوق في قلبه لا شكّ في توقّده .. وهل يقاس الشوق إلى المسجد الأقصى بالشوق إلى البيت العتيق .؟!
وهذا الخليفة الراشد ، المهديّ الملهم ، عُمَرُ بنُ الخطَّابِ رضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ : ” لَسْتُ بالخِبِّ ، ولا الخِبُّ يَخْدَعُنِي”، أي لَسْتُ بالمَاكِرِ المُخَادِعِ ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَخْدَعَهُ المَاكِرُ المُرَاوِغُ ، فالمُسْلِمُ كَيِّسٌ فَطِنٌ ، وَاعٍ لِمَا حَوْلَه ، مُدْرِكٌ لأبعاد ما يعرض عليه .
ويَقُولُ عنه المغيرة بن شعبة رضِيَ اللهُ عَنْهُ : ” كَانَ وَالله أَفْضَلَ مِنْ أَنْ يَخْدَعَ ، وَأَعْقَلَ مِنْ أَنْ يُخْدَعَ ” ([1]).
ومن مشكاة هذا الوعي الرشيد كان موقف العالم القاضي ، محيي الدين بن الزكيّ عندما دعي للخطبة والصلاة في المسجد الأقصى ، وهو تحت الاحتلال الصليبيّ قبل أن يحرّر بقليل ، فقال : ” لا ، والله لا أخطب ولا أصلّي في المسجد الأقصى قبل أن نحرّره من أيدي الصليبيّين ” .
فالمؤمن الحقّ له مشروعه وأهدافه ، ولا يمكن أن يستجرّ لخندق المَاكِرِين المُخَادِعِين ، مهما زيّنوا الباطل ولبّسوا .. ( ودُّوا لو تُدهِنُ فيُدهِنُونَ ) ، ( فاصبر ـ على طريق الحقّ وأهدافك ـ إنّ وَعدَ الله حَقٌّ ، ولا يَستَخِفَّنَّكَ الذينَ لا يُوقِنُونَ ) ..
ـ إنّ هذا الأمر أوّل من يستشار فيه وأولى من يستفتى أهل الدار، فهم أدرىالناس بما فيها ، ومن فيها ، وصحيح أنّ قضيّة فلسطين ، والمسجد الأقصى هي قضيّة المسلمين كافّة ، وهي في عنق كلّ مسلم ، ولكنّ العلماء والدعاة من أهلها الأقربين هم أعلم الناس بمجريات الأمور ، وظواهر الصراع وخوافيه ، وهم الذين يعانون المأساة بكلّ أبعادها ، ويعيشونها في الليل والنهار ، لحظة بعد لحظة ؛ فكيف يتقدّم عليهم أحد .؟! وهم المرابطون المصابرون ، أهل الدار المكابدون .؟! ألا يُستأذنون في الدخول عليهم وزيارتهم .؟!
ـ وتأسيساً على هذه النقطة فإنّ فتوى ” رابـطـة عـلـمـاء فـلـسـطـيـن ” في هذا الأمر هي القول الفصل ، فكيف وقد أيّدتها فتاوى عامّة العلماء والدعاة في العالم الإسلاميّ ، ووثّقتها مواقفهم .؟!
ـ لا يستطيع أن يماري أحد أنّ هذه الزيارة سياسيّة مسيّسة ، لُبّست في جانب منها لبوس الدين ، لاستغلال عاطفة دينيّة حاضرة في قلب كلّ مؤمن .. فكلّ ظروفها ، وملابساتها ، وإجراءاتها ، ومراحلها تؤكّد ذلك ، وتدلّعليه ، ويكفي للشكّ فيها ورفضها أنّها جاءت بمبادرة من العدوّ المغتصب ، أو بموافقته وتشجيعه ، ولا يخفّف ذلك ولا يلغيه قضيّة التأشيرة على الجواز ، فتلك قضيّة شكليّة ، ربّما يحصل عليها كلّ من أرادها .. بل ذلك ممّا يؤكّد الريبة ويثبتها ..
كما لا يستطيع أحد أن يواري ذلك كلّه تحت غلالة شفّافة من حكم شرعيّ ، لا يتجاوز حدّ الندبوالاستحباب ، وأحكام المنع تحيط به من جوانبه ..
ولعلّنا لا ننسى موقف الشيخ محمّد العريفيّ عندما (أعلن أنه سيبث حلقته القادمة من الأقصى، قبل أن يوضح بعدها أنه كان لا يقصد حضوره شخصياً في المسجد) ، وضجّ الناس .. بين مؤيّد ومستنكر ومستغرب .. وجاء الجواب الإسرائيليّ القاطع بأنّه غير مرغوب فيه ، ولو حضر لاعتقل.!
وكيف لا تكون هذه الزيارة سياسيّة مُسيّسة .؟! وهي تحت حراب الظلم والاغتصاب ، وفي موكب التطبيع ، الذي ترفضه الأمّة من أدناها إلى أقصاها .؟!
وقد حسمت منظّمة التعاون الإسلاميّ قضيّة الزيارة بأنّها تتبع موقف كلّ عضو من أعضائها ، بمعنى أنّ من كان من الأنظمة مُطبّعاً فزيارة شعبه ورعاياه طبيعيّة ، ولا مانع منها ، ومن كان من الأنظمة يقف موقف المقاومة ورفض التطبيع ، فتلك الزيارة جريمة يحاسب عليها ، ويؤاخذ بها .. ومع ذلك فكلّنا يعرف موقف أحرار مصر ، وهي بلد التطبيع الأوّل ، كيف يرفضون الزيارة ويمنعونها ..
فهل بعد هذا التسييس من تسييس .؟! وهل وضح الصبح لذي عينين ..
وأخيراً ؛ متى أيّها العقلاء الحكماء نثوب إلى تفكير بعقل الأمّة الجمعيّ ، وفتوى تمثّل عقل الأمّة الجمعيّ ، وحركة تواكب حركة الأمّة ، وخطواتها الراشدة .. فعقل الأمّة الجمعيّ عصمة لها من الزيغ والضلال ، وتيه المسالك العوجاء ، ولا نظنّ اجتهاد الفرد في قضايا الأمّة مهما بلغ من العلم والفهم ، أن يكون مسدّداً راشداً ..
ألم نكتف بعد من التشرذم والشتات .؟! ألم نكتف من فرديّة الاجتهاد في قضايا الأمّة العامّة .؟! إنّ الأمّة كلّها تقول بلسان فطرتها الإسلاميّة المشبوبة : ” لسنا مع تصوُّف ولا غيره ، إذا كان يَشقُّ صفَّ الأمّة ، ويُفرِّقُ كلمتَها ، ويُشيعُ البلبلةَ بين خاصّتها وعامّتها ، ويصرف أنظارها عمّا يحيق بها .. ونَربأُ بكلّ واعظ أو داعية أيًّا كان موقعه أن يستجرّ إلى موقف يوهن العزائم ، ويضعف المقاومة المشروعة لاستعادة حقوق الأمّة المغتصبة ، وعلى رأسها فلسطين السليبة ، والمسجد الأقصى الأسير .. ” .
ومرّة أخرى أقول بكلّ أسف : تقع الأمّة ضحيّة تفرّق ولاة أمرها من العلماء والدعاة ، في شؤون عامّة ، ما كان لهم أن تتفرّق كلمتهم فيها .. فينفذ إليهم أعداؤهم ، ويحقّقون بتفرّقهم أهدافهم ..
نسأل الله تبارك وتعالى أن يلهمنا رشدنا ، ويعيذنا من شرور أنفسنا ، وكيد أعدائنا ، ويجعلنا من المهديّين الراشدين ، إنّه وليّ ذلك والقادر عليه ، وصلّى الله وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، والحمد لله ربّ العالمين .


([1]) ـ سراج الملوك (1 / 55).