زيارة المسجد الأقصى تحت الاحتلال
بين رأيين

الحمد لله ذي العزة والجلال ، المنفرد بصفات الكمال ، لم يلد ولم يولد وماله من ند ولا مثال ، بل هو الكبير المتعال ، أرسل رسله ليدلوا الناس على إفراده بالعبادة ، ويحذروهم من الشرك المفضي بهم إلى الإبادة ، وصلاته وسلامه على جميع الأنبياء والمرسلين خصوصا محمدا خاتم النبيين وعلى جميع من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين
أما بعد :
إن الباحث عن الحق لا يكف عن بحثه ولا يمل من فتشه ، فحاله مع مطلوبه كحال المحب مع محبوبه أو الوالد مع مولوده لما يذهل عنه أو يفقده هنيهة ، فإذ به يدور في كل مدار ويسلك الفيافي و القفار حتى تأنس روحه بمطلوبه وترضى به
هذه مقدمة تطول ! و الأقلام بها تصول وتجول وليست هي المرادة من هذه الكتابة و إنما فرعها و تطبيقها ، فما بين أيدينا فاتحة نقاش وكلام – بالعلم و البيان و البرهان – عن مدى مشروعية زيارة القدس المحتلة – فرج الله كربها وأخزى عدوها – وهي أسيرة لئام طغام .
وحتى نكون على هدى في مسيرنا ولا نخبط في الأجواء خبط عشواء عمياء في الليلة الظلماء صار علينا أن نحرر القول و نحبكه بالمخيط و النول :
فالكلام عن حكم أصل المسألة فقهي مجرد عن بعض الملابسات التي تعتري بعض الحالات التي تقدر بقدرها و يحكم عليها لحالتها ، فأحد لا يرضى ! أن يأتي رأس من رؤوس المسلمين ثم يخرج على العالم يحرسه أرذال أنذال ليمرروا من خلاله ما لا يرضاه ولا نرضاه ! فتأمل هذا هنا فإنه مهم .
وليس الكلام مناغمة لأهل الميوعة و الذوبان في أوحال مجرم محتال بأسلوب الثعبان الألعبان ، بل من تقرأ له من أشد المتدينين في البراءة من أهل الكفر و الدناءة .
[
أقوال المختلفين في المسألة وأدلة كل فريق ]
ومن خلال هذا يقال أن للعلماء في مسألتنا أقول :
الأول : مذهب من ذهب للجواز ، ومن أولهم العلامة الشيخ ابن باز ، فإليك بعض أدلتهم على مقالتهم :
يستدلون بذهاب النبي صلى الله عليه وسلم معتمراً إلى بيت الله العظيم لولا أن حال بينه وبين عمرته أهل شرك لئيم فحاورهم و خيرهم وكلمهم بل وأرسل عثمان سفيراً لهم ، و القصة مشهورة منشورة .
و وجه الدلالة : عزم النبي صلى الله عليه وسلم و همه وسعيه بزيارة بيت الله المعظم مع أنه مغتصب من كفار أشرار ، ولا يخفاك أن النبي صلى الله عليه وسلم أخرج من مكة المحببة إليه و إلى ربه – كما صح في الأخبار – فلو كان مثل هذا محرماً ومعصية لما هم به النبي ولا عزم عليه مع إخراج الكفار له من بلده و غصبهم لحقه و صحبه .
قول النبي صلى الله عليه وسلم عن المسجد الأقصى : { ولنعم المصلى هو ، وليوشكن لأن يكون للرجل مثل شَطَنِ فرسه ( وفي رواية : مثل قوسه ) من الأرض حيث يُرى منه بيت المقدس خير له من الدنيا جميعاً ، أو قال : خير له من الدنيا وما فيها } [ أخرجه الطبراني في الأوسط و البيهقي و الطحاوي و الحاكم وصححه و وافقه الذهبي و الألباني ، انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (2902) ]
و وجه الدلالة : أن النبي صلى الله عليه وسلم يخبر في هذا الحديث عن وقوع هذا المسجد الحبيب بأيدي أهل عدوان وتخريب ، ومع ذلك فإنه – صلى الله عليه وسلم – يحث أهل الإيمان على الدنو من هذا المسجد قدر الاستطاعة و الإمكان ، ولا يقال أن المقال خاص بأهل هذه الديار فالحديث يعم كل القادرين الأخيار . ولو كان مثل هذا يحرم لبين النبي العدنان ولم يأخر عن وقت الحاجة البيان .
ما رواه جابر بن عبد الله : { من أن رجلاً قام يوم الفتح فقال : يا رسول الله إني نذرت لله إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس ركعتين ، فقال : صل هاهنا ، ثم أعاد عليه ، فقال : صل هاهنا ، ثم أعاد عليه ، فقال : شأنك إذن }
[
أخرجه أحمد وأبو داود و الدارمي و البيهقي و الحاكم وصححه على شرط مسلم و أقره الذهبي و وافقه الألباني انظر إرواء الغليل (4/147) ]
و وجه الدلالة من الحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعترض على الناذر أصل زيارته للمسجد الأقصى و الصلاة فيه مع أنه كان تحت الكفار ، ولكنه أرشده إلى ما هو أكثر أجراً و أيسر مطلباً ثم لما أصر الصحابي على نذره تركه النبي صلى الله عليه وسلم وشأنه .
وفي هذا رد بين جلي على من إذا ما رويت عليه الأحاديث التي فيها حث زيارة المسجد الأقصى أن أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فعله قبل تحريره فجوابه من وجوه :
الأول : هذا .
الثاني : مجرد ما أتى به النفي المجرد ، و النفي لم يكن علماً يوماً .
الثالث : بل يقال : ألم يزر النبي صلى الله عليه وسلم المسجد الأقصى وهو بأيدي الكفار وصلى به إماماً بالأنبياء الأطهار الأخيار ؟
ومن أدلتهم البراءة الأصلية من الطوارئ التحريمية .
ومن أدلتهم مطلق الأدلة المرغبة بإتيان المسجد الأقصى و زيارته .
***
من أقوال العلماء في هذه المسألة واكتفي بنموذجين من كلام العلماء أحدهما متقدم و ثانيهما معاصر :
1-
ذكر الحافظ ضياء الدين المقدسي هجرة المقادمة من فلسطين إلى دمشق بسبب أذى الكفار لهم وعدم مقدرتهم إلى القيام بدينهم [ القلائد الجوهرية (1/26 وما بعدها ) وحكى حادثة هجرتهم بالتفصيل و روى أخبارهم وما حل بهم ، وكان مما قاله تردد بعض العلماء من دمشق إلى فلسطين و العكس فقال : ( وكان جماعة من أصحابنا يأتون مدة فيقيمون مدة ثم يرجعون ) ثم سرد أسماءهم وأخبارهم [ القلائد الجوهرية (1/33) ]
ومنهم العلماء و الفقهاء و الحافظ الضياء عالم مبرز ، فلو كان الدخول إلى فلسطين وهي تحت أيدي الصليبيين نوع اعتراف و تشريع و تطبيع معهم لأنكر ذلك عليهم ولكن شيئاً من ذلك لم يكن .
2-
سئل الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى عن زيارة المسجد الأقصى وهي تحت الاحتلال اليهودي الفاجر ، فقال :
(
زيارة المسجد الأقصى والصلاة فيه سنة إذا تيسر ذلك؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى)) متفق على صحته. والله الموفق ) [مجموع فتاوى ومقالات متنوعة الجزء الثامن ]
أما القول الثاني في هذه المسألة فهو التحريم و أبرز قائليه الدكتور يوسف بن عبد الله القرضاوي فقد قال : ( نرى أن السفر أو السياحة إلى دولة العدو الصهيوني لغير أبناء فلسطين حرام شرعاً ، ولو كان بقصد ما يسمونه ( السياحة الدينية ) أو زيارة المسجد الأقصى ) [ فتاوى معاصرة (3/462) ] ، و من أدلة هذا الفريق :
أن هذا الحكم مبني على مقاطعة اليهود الغاصبين ، وهذا ما نقدر عليه .
أن السفر إلى ديار المحتلين فيه شد من أزرهم مادياً ومعنوياً . وهذا تعاون محرم على العدوان .
أن في مثل هذا العمل كسر للحاجز النفسي بيننا وبينهم ويعمل بمضي الزمن على ردم الفجوة التي حفرها الاغتصاب و العدوان . وهذا كله همزة وصل إلى ما يسمى بالتطبيع .
لأن الاختلاط بالغاصبين لفلسطين بغير قيد ولا شرط يحمل معه أضراراً خطيرة و تهديداً لمجتمعنا بنشر الفساد و الرذيلة و و الأمراض .
فلهذا كان سد الذرائع إلى هذا الفساد المتوقع فريضة وضرورة : فريضة يوجبها الدين ، وضرورة يحتمها الواقع ” [ المصدر السابق ]
ومن مفاسد إباحة الزيارة إلى فلسطين تحت أيدي الاحتلال الاعتراف بالاحتلال اليهودي لأن الزيارة تكون عبر إذنه وتأشيرته .
[
نقاش أدلة المحرم لزيارة فلسطين تحت حراب الاحتلال ]
وقد يناقش المستدل بهذه الأدلة بأمور :
الأول : فيما يتعلق بمقاطعة اليهود وأن هذا مقدرتنا :
لا يسلم للمخالف بأن زيارة فلسطين تحت الاحتلال تطبيع – إن لم يكن القصد منها ذلك ! – فلا يمكن في هذه النازلة تركيب فعل على فعل ثم استصدار حكم واحد لهما مع انفكاك جهتهما و اختلافها .
الثاني : فيما يتعلق بالدعم المادي و المعنوي للاحتلال :
فيقال : كما أن الدعم المادي يصل ليهود ، فإنه يصل للمسلمين كذلك ، بل لا يحصل اليهود إلا على رسوم الدخول فقط ، أما بقية المصاريف فإن الزائر بإمكانه أن يصرفها كلها بين المسلمين .
أما الدعم المعنوي : فقد يسلم للمخالف بهذه الحجة إن كانت الزيارة على نحو يؤيد هذا كأن يدخل المسجد الأقصى مثلاً تحت حراسة اليهود و أمام الإعلام وما أشبه ذلك ، فحينئذ تحرم هذه الصورة فحسب ، ولا يسحب الحكم على أصل المسألة كلها ، فإن هذه الحالة فرع عن الأصل ، فيقال : أن أصل الزيارة ليس بالحرام إلا إذا اقترنت بمثل هذه الأمور .
ولكم زار المسجد الأقصى من المسلمين في شتى بقاع الدنيا ولكم التقينا بالمسلمين الذين اعتكفوا معنا في المسجد الأقصى في رمضان و غيره فلم يظهر أي شيء من هذا الأثر الذي جعلوه سبباً لتحريم مطلق الزيارة .

الثالث : أن هذا فيه كسر للحاجز النفسي مع المحتل :
يقال : أن الإسلام لم يقرر عقيدة البراء من المحتل فقط بل من الكافر ، ومع ذلك لم يجعل من التعامل المادي ( الجائز ) ناقضاً لهذا الحكم ، مع العلم أن هذا الحكم لا يخص اليهود في فلسطين فقط ، بل يخص كل كافر في أي بقعة من بقاع الدنيا ، فكان ماذا ؟

الرابع : الاختلاط بهم ينشر الرذيلة و الأمراض :
القول في هذه النقطة كالقول بسابقتها .

الخامس : زيارة فلسطين تحت الاحتلال تشريع و إقرار بالمحتل :
يقال : لا يسلم للمخالف بهذه الدعوى ، بل دلت الأدلة السابقة على الدخول إلى الأراضي المغتصبة ولم يكن في ذلك شيء من التشريع للمغتصب . وكيف يكون كذلك ولا سبيل إلى فلسطين إلا عبر هذا الختم ؟ فهو لم يقع به باختياره ولا رضاه فكيف يكون راضياً بالاحتلال مشرعاً له ؟

[ وهنا أسئلة للمخالف ]
ما الفرق بين الدخول إلى الأندلس [ الدولة المسلمة المحتلة ] و فلسطين [ الدولة المسلمة المحتلة ] ، هل ختم محتل الأندلس على جواز سفري تشريع مني لاحتلالها ورضا مني به ؟ فلماذا أبيح الأول وحرم الثاني ؟
ما الفرق بين التعامل مع [ أمريكا ] – مثلاً – وهي بلد محتل لبلاد المسلمين كأفغانستان – مثلاً – فهل دخولي إليها تطبيع ؟
هل دخولي إلى [ بريطانيا ] – مثلاً – أو دخول [ البريطانيين ] – مثلاً – إلى بلاد المسلمين لا ينقل الرذيلة و الفساد و الأمراض ؟ بينما هو يفعل ذلك مع اليهود المحتلين لفلسطين ؟
ألا يكون في زيارتي [ لفرنسا ] – مثلاً – تعاون على كفرهم و باطلهم و ضلالهم مثلما قلتم من زيارتي لفلسطين المحتلة ؟
ألا يكون في زيارتي [ لألمانيا ] – مثلاً – و زيارة الألمان – مثلاً – كسر لحاجز البراء من الكفار الذي شرعه الإسلام عقيدة رصينة لحماية بيضة الإسلام و المسلمين من الذوبان في غيرهم ؛ كما يكون كذلك من خلال زيارتي لفلسطين المحتلة ؟
طبعاً الأسئلة عن كفار تلك البلاد ..

[ الختام ]
وفي الختام فلا أقل من أن يقال أن المسألة – بهذا التصوير الذي ذكرته – خلافية ، لكل رأي يراه ، ولا يسع متبني أحد القولين أن يرمي الآخر بالجهل بالواقع ! أو التعامي عن الوقائع ! أو عدم الفهم أو غير ذلك من سيء المقاصد و النوايا .
وأنا مقتنع تماماً بحلية زيارة فلسطين و المسجد الأقصى و إن كانت تحت الاحتلال للأدلة السابقة و لعدم اقتناعي بأي دليل من أدلة المحرم ، بشرط معتبر جداً ! أن لا تكون زيارته تطبيعية أصلاً ، و ألا يعرف قبل زيارته أن المحتل سيتغلها الاستغلال السيء – وعادة لا يكون هذه إلا لذوي الهيئات و الشخصيات المعتبرة، بل تكون الزيارة لهذه البلاد الحبيبة و لأهلها زادهم الله توفيقاً وهدى ، وأما عوام المسلمين في أصقاع الدنيا فلا يلحقهم ذلك وعليه فلا ينسحب عليهم حكم المنع و التحريم ولكم التقينا بالمئات منهم ممن زاروا هذه البلاد من شتى البلاد و صادقناهم وما زالت تربطنا ببعضهم علاقات طيبة و اتصالات متواصلة .
بل هناك ممن يرى أن زيارة المسلمين لفلسطين في هذه الظروف تقوية لشوكة المسلمين بها ، وإرغام لمحتلها وتحدٍ في وجهه بأن هذه الأرض إسلامية وهي لنا نزورها و نلتقي بأهلها متى ما أردنا .

هذا ما أقوله و أرده فإن كان صواباً فمن الله جل في علاه و إن كان خطأً فمني ونفسي الخاطئة ، و الله الموفق لا رب سواه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

المصدر: