تأملات قرآنية (4) (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ)

ملتقى الخطباء: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد.
فإن الحديث سيكون حول هداية قول الله – تعالى -: ( فلا تذهب نفسك عليهم حسرت ) فاطر:8.
فهذا جزء من آية في سورة فاطر، وتمام الآية: ( أفمن زين له سوء عمله فرءاه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدى من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرت إن الله عليم بما يصنعون ).
ففي هذه الآية يبين – جل وعلا – لنبيه ” أن مَنْ زَيَّن الشيطانُ له عَمَلَهُ القبيح، فجعله حسناً في عينه ليس كمن هداه الله إلى سواء الصراط؛ فهل يستوي هذا وهذا؟!
فالأول عمل السيئ، ورأى الحق باطلاً، والباطل حقاً.
والثاني: عمل الحسن، ورأى الحق حقاً، والباطل باطلاً.
أما الهداية والإضلال فهي بيد الله – عز وجل -.
فإذا كان الأمر كذلك فلا تُهْلِكْ نفسك حزناً على الضالين؛ فليس عليك إلا البلاغ، وليس عليك من هداهم من شيء؛ فالله عليم بأعمالهم، وهو الذي يجازيهم عليها.
فهذا هو معنى تلك الآية الكريمة، وأنت إذا وقفت عندها، وجدت أنها بَلْسَمٌ نافعٌ لكثير من المشكلات, ودواء ناجع لعديد من المعضلات.
وذلك أن كثيراً من الناس يرومُ الإصلاحَ, ويسعى لدرك النجاح سواء في شأنه الخاص، أو شأن غيره ممن حوله,أو شأن أمته جمعاء.
فتراه يمحضُ نُصْحَهُ, ويبذل قصارى جهدِه، ويقدم عُصَارةَ فكرِه في سبيل إرشاد غاوٍ,أو دلالة حائر ,أو الارتقاء بمقصر، وهلم جرا.
فإذا لم يظفر ببغيته, ولم تحصل له طَلِبَتُه – قَرَع سِنَّه, وقلَّب كفيه.
وترى من الناس من يعاني الأَمَرَّينِ من أُناس لا بد له من معاشرتهم ومداراتهم, فقد يبتلى بوالد شرس, أو رئيس متسلط, أو ولد عاق, أو أخ قاطع,أو تلميذ كسول أو شقي؛ فيحاول إصلاحهم, والنهوض بهم مرة إثر أُخرى, فإذا لم تأتِ الأحوال على ما يريد زادت حسراته, وتوالت أحزانه؛ فكان هو والزمان على نفسه.
وربما استشار غيره ممن لهم دراية وعلم في تلك الشؤون, فأشاروا عليه بأن يأخذ بالأسباب, ويلج البيوت من الأبواب, فيجيبهم بأنه لم يدع سبيلاً إلا سلكه, ولا باباً إلا ولجه ومع ذلك لم يحصل على مراده بزعمه.
ولا يقف الأمر عند مجرد اجترار الأحزان والحسرات، بل قد يترتب على ذلك فوات خيرات كثيرة، وأبواب من البر متنوعة؛ حيث أشغل نفسه، وشتَّتَ قلبه، وأضاع وقته بما لا طائل تحته، ولا طاقة له به.
فما الحل في مثل هذه الأحوالِ وغيرِها مما يقاس عليها؟
هل يقف الإنسان واجماً أمامها؟ وهل يسترسل مع أحزانه إزاءها؟
الجواب: لا,والحل بأن يستحضر أنه محسن في عمله, مثاب على قدر احتسابه, وما عليه بعد ذلك إلا أن يستمر في صنيعه, ويمضي في مصالحه؛ فإذا قمت بما يجب عليك, وسلكت سبيل الحكمة في نصحك,وبذلت جهدك ومستطاعك, ثم أعيتك الحيلة في الوصول إلى مرادك ( فلا تذهب نفسك عليهم حسرت ) و ( واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون “127” إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ) .
ومما يدخل في هذا القبيل ما يكون في شأن بعض الناس مع أولاده؛ فكثيراً ما يؤمل الوالد في أولاده أن يكونوا على قدر كبير من المروءةِ، والعلمِ، والتميزِ، وتراه يسعى سَعْيَهُ، ويبذل مستطاعَه في ذلك السبيل.
وقد يكون الوالد راغباً في رؤية ما فاته مِنْ فرصٍ ماثلةً في أولاده.
ولكن قد تسير الأمور على غير مراده، فلا يكون الأولاد على وَفْقِ ما أراد وأمَّل.
ومن هنا قد يصاب بخيبة أمل، وربما ضاق ذرعاً بفوات ما توقعه من خير، ووقع في الاعتراض على الحكمة الربانية.
وربما صار يغبط فلاناً وفلاناً ممن صار أولادهم ذوي تميز، وعلم، وكفاءة.
وقد يزهد بأولاده، ولم يعد يراهم أهلاً لأن يَبْذِلَ مِنْ أَجْلِهم ما يَبْذِل.
وهكذا يضيق صدره، وتتنغص حياته.
ولو اتسع عقله، وبَعُدَتْ نظرتُه، ورضي بِقِسْمَةِ ربِّه لما وقع في بحر الحسرات، وإنما سَلَّم، واستبشر، وأمَّل، وانتظر الخير، وصار لسان حاله يقول:
وعليَّ أن أسعى وليـ ـس عليَّ إدراك النجاح
فهو – إذاً – محسن، مأجور، مثاب على ما بذل.
ولكنَّ مقاليد الأمور بيد الله – عز وجل – فحريٌّ به أن يرضي، ويقنع، ويُسَلِّم، ويتحرى الخِيَرة، فربما صلحوا بعد حين، وادَّكروا بَعْد أمة، وربما خرج من أصلابهم مَنْ يناله بِرُّهُمْ، ودعواتُهم.
وجدير بالوالد أن يَقْبَل أولادَه على علاتهم؛ فيعاملهم على ما هم عليه ولو كانوا خلاف ما يؤمل.
والعرب تقول في أمثالها: إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون.
وتقول: أَنْفُكَ مِنْكَ وإنْ ذَنَّ([1]) وعِيْصُكَ([2]) مِنْكَ وإنْ كان أَشَباً([3]).
وإذا كانت الأخرى بحيث لم يرضَ، ولم يُسَلِّم فَسَيَمَلُّ منه أولاده، وربما زادوه وهناً على وهن؛ فكانت الحسرة عليه مضاعفة.
والحاصل أنه ينبغي للإنسان أن يبذل ما في وسعه في تحصيل الخير، وله أن يؤمل الآمال العراض، ويسلك السبل الموصلة إليها؛ فإذا جاءت الأمور على خلاف ما يريد رضي وتعزى بقدر الله ( فلا تذهب نفسك عليهم حسرت ) و ( إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء ).
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
المصدر: صفحة الشيخ على الفيس بوك