عجيب أمر هؤلاء الصحفيين !!
يريدون ألا يتركوا صغيرة ولا كبيرة ولا وارة ولا شاردة من أمر المجتمع إلا نقدوها ، ولا سائرًا فيما لا يرغبون فيه إلا شهروا به وجابهوه ، لا يخرج عن ذلك عندهم عالم لجلالة قدره ، ولا يسلم منهم فقيه لرسوخ قدمه ، ولا يراعون مسلمًا لإرادته الستر وتباعده عن الفضيحة والتشهير ، ثم تراهم يستنكرون بعد ذلك أن يذكرهم المفتون والعلماء أو يرميهم الدعاة والخطباء بما لا يسرهم من حقائق هي أوضح من عين الشمس لمن أنصف !!
باختصار : نحن الصحفيين قد نصبنا أنفسنا ناقدين للمجتمع بكل أطيافه وفئاته ، من أكبر شخصية فيه إلى أصغر شخصية ، لا نلتزم في نقدنا دينًا يردع ، ولا خلقًا يمنع ، ولا أدبًا يقدع ، ومع هذا فلا نسمح لأحد منكم أن يتكلم فينا ولو على سبيل الدفاع عن نفسه وتبرئة ساحته !!!
نقول لهم : إذا لم تريدوا من الخطباء والعلماء أن يذكروكم على منابر الحق فاسكتوا أنتم عنهم في منابر الباطل ، فهذه هي أسهل طريق لحماية أنفسكم من ألسنة أهل الحق ، الذين وإن ألبستموهم بباطل قولكم كل ما يحدث في الدنيا من مصائب ، ولم تترفعوا عن وصمهم بما فيهم وبما ليس فيهم زورًا وبهتانًا ، فإنهم يترفعون عن أن يقولوا فيكم إلا بعض ما يعلمون مضطرين إلى ذلك اضطرارًا لإحقاق الحق الذي سرتم به عن وجهه ، وجعلتم تلبسونه بالباطل لإضلال الناس .
أنا شخصيًّا كنتُ وما زلتُ لا أحبذ الكلام المفصل عن هؤلاء على المنابر تنـزيهًا لها عن ذكرهم ، وتمشيًا مع ما يذكره بعض إخواننا من أن ذلك قد يكون إثارة للفتنة وإشغالاً للعوام بمعارك هم بعيدون عنها ، ولكن … وجدت أن هذا قد يكون صحيحًا في وقت مضى ، أما الآن فقد صارت منكراتهم ظاهرة ، يعرفها الصغير قبل الكبير من عامة المجتمع ، فضلاً عن مثقفيه وقراء الصحف ومتابعي القنوات ، الذين نعرف منهم مَن تغير منهجه وتبلبلت أفكاره بل وشك في ثوابت دينه وأتى ببعض ما قد يكفر به بسبب متابعته لهذه القنوات وتسمره أمام هؤلاء الكذبة وهو الخلي الذهن من العلم الشرعي الذي يتحصن به ضد ما يلقيه أولئك الأفاكون من شبهات ، أفيسوغ أن نسكت نحن الخطباء ولا نبين سبيل هؤلاء المجرمين ونحن نرى تأثيرهم في إخواننا رجالاً ونساءً مثقفين وعامةً ؟!
لا أظن هذا من الفقه في شيء . غير أنه قد يقال إن من الأحسن أن يقتصر في الخطب على ما تدعو الضرورة والحاجة لبيانه ، وأن يسلك مسلك التعريض ما دام ينفع ويتضح به المقصود ، تنـزيهًا لمنابر الحق ، وصيانة لأسماع المسلمين ، وحفظًا لاجتماع الكلمة ، وتقوية لوحدة الصف ، التي يعمل هؤلاء ليلاً ونهارًا على تمزيقها وتقويض بنيانها بقصد أو غير قصد .
وأما إذا لم يتبين المقصود إلا بالتصريح ولغة الأرقام والإتيان بالشواهد من كلامهم وكتاباتهم فأظن أنه من واجب البيان أن نأتي به ، ولكن مع الاحتراز الشديد في كل ذلك ، والترفع عن كل كلمة قد تحسب على الخطيب لا له ، والتثبت في كل ما يقال ، والتبين والعدل مع الخصوم ديانة لله ـ عز وجل ـ وعملاً بقوله ـ سبحانه ـ : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ للهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَومٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بما تَعمَلُونَ “