جزاكم الله خيرا وهذه مشاركة مني وفقنا الله جميعا لما يحب ويرضى
الغيث

الحمد لله رب العالمين، مغيثِ المستغيثين، ومجيبِ دعوة المضطرين، وكاشفِ الكرب عن المكروبين، ورافعِ البلاء عن المستغفرين، وقابلِ توب التائبين، ومسبغِ النعم على العباد أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خشعت له الجبال الراسيات، والصخور القاسيات، وأحيا الأرض بالمطر بعد الممات، وأشهد أن نبينا محمدا خاتمُ الأنبياء وإمامُ المرسلين، وسيدُ ولدِ آدمَ أجمعين، اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين، وصحبه الغر الميامين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين،أما بعد:
فيا عباد الله، اتقوا الله تعالى حق تقواه، فإن من اتقى الله حفظه ووقاه، ومن سأله منحه وأعطاه، ومن توكّل عليه كفاه وآواه. فأهل التقوى خير الناس {إن أكرمكم عن الله أتقاكم}
أيها المؤمنون: هنالك نعمة من نعم الله، وآية من آياته جل في علاه، لا غنى للناس عنها، ولا بد للخل منها، هي مادة حياتهم، وعنصر نمائهم، وسبب بقائهم، منها يشربون ويسقون، ويحرثون ويزرعون، ويرتوون ويأكلون، تلكم هي نعمة المطر والماء ، وآية الغيث والسقاء.
الماء أصل النماء، الفائق على الهواء والغذاء والكساء والدواء، هو عنصر الحياة وسبب البقاء، {أَفَرَءيْتُمُ ٱلْمَاء ٱلَّذِى تَشْرَبُونَ * أَءنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ * لَوْ نَشَاء جَعَلْنَـٰهُ أُجَاجاً فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ} [المعارج:68-70]، {وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَاء كُلَّ شَىْء حَىّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء:30]، إنه لا يقدر هذه النعمة قدرها إلا من حُرمها، ولا يعرف لها حقها إلا من مُنعها.
ومن حكمته تبارك وتعالى أن لا يديم عبادهُ على حالة واحدة، بل يبتليهم بالسراء والضراء، ويتعاهدهم بالشدة والرخاء، ويمتحنهم خيراً وشراً، نعماً ونقماً، محناً ومنحا، {وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء:35]، ومن ابتلاء الله لعباده حبسُ القطر عنهم، أو تأخيره عليهم، أو نزع بركته منهم، مع ما للمطر من المنافع العظيمة للناس والبهائم والزروع والثمار، وما في تأخيره من كثير من المضار.
إن للغيث أسباباً جالبة وأخرى مانعة، فهل سألنا أنفسنا ونحن في مواسم الغيث: هل أخذنا بأسباب نزوله، أم قد نكون نحن بأفعالنا سبباً في منعه؟
فيا عباد الله، لنحاسب أنفسنا، ألم نقصِّر في تحقيق الإيمان والتقوى؟! هل راقبنا الله في السر والنجوى، لقد اندرست كثير من معالم الخيرات، وقلت منا الأعمال الصالحات، وظهرت في نادينا المنكرات، وعمت في المجتمع المحرمات، ، فلم يتمعَّر منها وجه، ولم يشمئزّ منها قلب إلا من عصم الله.
إن ذنوبنا جسيمة، ومعاصينا عظيمة، وإن شؤم المعاصي وعواقبها وخيمة، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله : “وهل في الدنيا شرٌ وبلاء، إلا سببه الذنوب والمعاصي؟!”. الذنوب ما حلت في ديار إلا أهلكتها، ولا في مجتمعات إلا دمرتها، ولا في نفوس إلا أفسدتها، ولا في قلوب إلا أعمتها، ولا في أجساد إلا عذبتها، ولا في أمة إلا أذلتها، فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن ما عند الله لا يستنزل إلا بالتوبة النصوح، يقول أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: (ما نزل بلاء إلا بذنب، وما رفع إلا بتوبة)
عباد الله، لقد شكوتم إلى ربكم جدْب دياركم، وتأخر المطر عن بلادكم ، فما أحرى ذلك أن يدفعكم إلى محاسبة أنفسكم، ومراجعة دينكم، {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد:11]وما ابتلي المسلمون اليوم بقلة الأمطار، وغور المياه والآبار، وانتشار الجفاف الجدْب، وغلبة والمجاعة والقحط، إلا بسبب الذنوب والمعاصي.
إن تشخيص الداء يحمل في طياته معرفة الدواء، فإن من الأدواء: فالإعراض عن التوبة والتسويف فيها، وغفلة العباد، وقسوة قلوبهم، وضعف إيمانهم، وانتشار والمعاصي بينهم، لا سيما منع الزكاة، ونقص المكاييل والموازين، يقول r: ((لم ينقُص قومٌ المكيالَ والميزانَ إلا أُخِذوا بالسنين وشدّة المؤونة وجورِ السلطانِ عليهم، ولم يمنَعوا زكاةَ أموالهم إلا مُنِعوا القطرَ من السماء، ولولا البهائمُ لم يمطَروا)) خرَّجه البيهقي والحاكم وصحّحه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما
كذلك التقصير في الدعاء والضراعة، في حين أن الاجتهاد في الدعاء من أعظم الأمور التي يستنزل بها المطر، يقول سبحانه: {أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوء}
ومثله إغفال الاستغفار الذي هو السبب العظيم في استنزال المطر من السماء، يقول تعالى عن نوح عليه السلام: {فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ ٱلسَّمَاء عَلَيْكُمْ مُّدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوٰلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّـٰتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً} [نوح:10-12]، وقال سبحانه عن هود عليه السلام: {وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ٱلسَّمَاء عَلَيْكُمْ مّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ} [هود:52]، واستسقى عمر رضي الله عنه فلم يزد على الاستغفار، فقيل له في ذلك، قال : (لقد طلبت الغيث بمجاديح السماء التي يستنزل بها المطر) فالاستغفار ـ يا عباد الله ـ هو الدواء الناجع في حصول الغيث النافع، ولا بد في الاستغفار أن يكون صادقاً، لئلا يصدق علينا قول بعض السلف: “استغفارنا يحتاج إلى استغفار”
فلنتق الله عباد الله، وما أنزل الله بأهلِ الأرض من شدّةٍ وعناء، ولا أصَابهم من محنةٍ وبلاء إلا ليعلَم الله الذين صدَقوا ويعلمَ الكاذبين، ولينظرَ سبحانه من يُحدِث منهم توبة. وإنَّ من حكمتِه جلّ وعلا أن لا يديمَ عبادَه على حالةٍ واحدة، بل يتعهَّدهم بالشدّة والرخاء، ويبتليهم بالسرّاء والضرّاء، نعَمًا ونِقما، مِنَحا ومحَنًا، {وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء:35]. وإنما يُخوّفكم الله بالجفاف والقحط والجدب ومنعِ القطر وشدّة المؤونة في الأرزاق لئلا تستمرّوا في ذنوبكم وتصرّوا على غفلتكم، ولنعلم أنه ليس طلب الغيث بمجرد القلوب الغافلة، والعقول اللاهية، وإنما يطلب بتجديد العهد مع الله، وصدق العمل بشريعة الله، وفتح صفحة جديدة من حياة الاستقامة، شعارها طاعتك اللهم ما دامت لنا في هذه الدنيا إقامة. يضافُ إلى حسنِ ظنٍ بالله شاسع، ورجاءٍ لرحمتهِ وفضلهِ واسع، فما ضاق أمرٌ إلا جعل الله منه مخرجا، وما عظم خطب إلا جعل الله معه فرجا، فمنه يكون الخوف وفيه يكون الرجا، وإن مواهب ربنا لجليلة، وعطاياه لجزيلة، بابه للسائلين مفتوح، وعطاؤه للمقبلين ممنوح، وفضله للراغبين يغدو ويروح، فاشكروه على ما أعطى، وارجعوا عن المعاصي والأخطا، وجددوا التوبة من ذنوبكم، وأصلحوا يا عباد ذات بينكم.
واشكروه جلّ وعلا على ما بِكم من النّعم الكثار، وأقلعوا عن الذنوب والأوزار، والجؤوا إليه بغاية الذلِّ والافتقار، فبيدِه وحدَه إنزالُ الغيث وتقدير الأرزاق على من أراد واختار، وحقِّقوا التوبةَ من ذنوبِكم بشروطِها المعروفة؛ بالنّدم على ما كان من الذنوب وسلف، والإقلاع عنها ولإتباعها بصالح الخلف، والعزم على عدم العَود إليها ففي ذلك العطب والتلف. ورُدّوا المظالم إلى أهلِها، وجدِّدوا التوبةَ إلى الرحمنِ قبلَ فواتها، جرّدوا القلوبَ من الحَسد والبغضاء، وصونوا ألسنتَكم عن الفحش والغثاء، واحذَروا الولوغَ في مساخط ملك الأرض والسماء
فارفعوا قلوبكم وأيديكم إلى ربكم ومولاكم، والهجوا بالثناء عليه سبحانه، طالبين الغيث منه، راجين لفضله، مؤمِّلين لكرمه، ملحِّين عليه بإغاثة القلوب والأرواح، وسقي البلاد والعباد، فمتى علم الله إخلاصكم وصدقكم وتضرعكم، أغاث قلوبكم بالتوبة إليه، وبلدكم بإنزال المطر عليه.
أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه. فاستغفروه وتوبوا إليه إنه كان غفارا.

الحمد لله الذي لم يزل بالمعروف معروفا، وبالكرم والفضل والإحسان موصوفا، سبحانه، كلَّ يومٍ هو في شأن، يستر عيبا، ويغفر ذنبا ويكشف كربا، ويغيث ملهوفا، واصلي وأسلم على من جعله الله صادق الوعد أمينا عفيفا، وعلى آله وأصحابه، فزدهم اللهم تفضيلا وتشريفا، أما بعد:
فاعلموا يا عبد الله أنَّ مولاكم جلّت حكمته يوالي نعمَه على عبادِه لتكون رِفداً على طاعتِه والتقرّب بعبادته، فإذا استعانوا بنعمِه وفيض خيرِه ورزقه على معصيتِه وفرّطوا في جنبِه وأضاعوا أوامرَه وأتوا زواجره غيّر حالَهم جزاءً وفاقاً، {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيّراً نّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الأنفال:53].فإن غيّر العباد حالَهم من الطّاعة إلى المعصية ومن الحقّ إلى الباطل أحال الله عليهم الغِنى بالفَقر والنّعم بالنّقم والعزّة بالذّلة والقوّة بالضّعف والمَهانة والخصبَ بالجَدب والمَطر بالقَحط والخَير بالشّدّة .
عباد الله: ارفَعوا أكفَّ الضراعة إلى ربّكم، والهَجوا بالثناء عليه مؤمّلين نوالَه وكرمَه، ملحّين في الدعاء أن يكشفَ هذه الشدّة وهذا الكرب، وأن يغيثَ البلادَ والعباد، وأن ينصرَ دينَه ويُعليَ كلمتَه، إنّه جواد كريم.
اللهم أنت الله لا إله إلا أن غِياثُ المستغيثين، وراحم المستضعفين، وجابر المنكسرين، لا إله إلا أنت سبحانك إنّا كنّا من الظالمين، لا إله إلا أنت سبحانك إنّا كنّا من الظالمين، لا إله إلا أنت سبحانك إنّا كنّا من الظالمين.
اللهم يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث، فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك، ونجنا برحمتك من القوم الكافرين، لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين،
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين.اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم إنا خلق من خلقك، فلا تمنع عنا بذنوبنا فضلك، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان والهدى واليقين، وبلادنا بالخيرات والأمطار يا رب العالمين.
اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفَّاراً، فأرسل السماء علينا مدرارا، اللهم أغثنا غيثاً مُغيثا هنيئاً مريئاً مريعاً سحًّا غدقاً طبقا عاماً واسعاً مجللا، نافعاً غير ضار، عاجلا غير آجل، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذابٍ ولا بلاءٍ ولا هدمٍ ولا غرق.
اللهم اسق عبادك وبهائمك، وانشر رحمتك، وأحي بلدك الميت، اللهم أغثنا غيثاً مباركا، تحيي به البلاد، وتسقي به العباد، وتجعله بلاغاً للحاضر والباد. اللهم أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلته عوناً لنا على طاعتك وبلاغاً إلى حين.اللهم أنبت لنا به الزرع، وأدرّ به الضرع، وأسقنا من بركاتك، وأنزل علينا من بركات السماء، وأخرج لنا من بركات الأرض.
اللهم ارفع عنا الجهد والقحط والجفاف، وعن بلاد المسلمين يا رب العالمين، واكشف عنا من الضر ما لا يكشفه غيرك.اللهم إن بالعباد والبلاد من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكوه إلا إليك. اللهم ارحم الشيوخ الركع، والبهائم الرتع، والأطفال الرضع، اللهم اكشف الضر عن المتضررين، والكرب عن المكروبين، وأسبغ النعم، وادفع النقم عن عبادك المؤمنين.
اللهم صل وسلم وبارك على خاتم النبيين، وإمام المتقين، وأشرف المرسلين. محمد الصادق الوعد الأمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وأعل راية الحق والدين، وأصلح ذات بين المسلمين، وألف بين قلوبهم على الحق واليقين، وارحم عبادك المستضعفين، وانصر عباد المجاهدين، وفك أسر المأسورين من المسلمين، ودمر أعداء الدين، وادرأ شرهم عن المسلمين. اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات إنك سميع قريب مجيب الدعوات، وآخر دعوانا إن الحمد لله رب العالمين.