شكر الله للإخوة جميعًا مرورهم وتعليقهم .

وقد ذكر ابن رجب ـ رحمه الله ـ في جامع العلوم والحكم عند شرحه حديث : ” ثم ذكر الرجل يُطيلُ السفرَ أشعثَ أغبرَ ، يمدُّ يديه إلى السَّماء : يا رب ، يا رب ، ومطعمُه حرام ، ومشربه حرامٌ ، وملبسه حرام ، وغُذِي بالحرام ، فأنَّى يُستجاب لذلك ؟! “
أن فيه ذِكرًا لأربعة أسباب تقتضي إجابة الدعاء : ومنها : حصول التبذُّل في اللِّباس والهيئة بالشعث والاغبرار . قال : وهو ـ أيضًا ـ من المقتضيات لإجابة الدُّعاء ، كما في الحديث المشهور عن النَّبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ” ربَّ أشعث أغبرَ ذي طِمرين ، مدفوع بالأبواب ، لو أقسم على الله لأبرَّه ” قال : ولما خرج النَّبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ للاستسقاء خرج متبذِّلاً متواضعًا متضرِّعًا .ا.هـ


وأقول : إن حصول التبذل في اللباس والهيئة الظاهرة بالشعث والاغبرار ليس مقصودًا لذاته دون ما وراءه من معانٍ وما يدل عليه من حال صاحبه في داخلِهِ ، ولا أظن أحدًا يدعي أن مجرد التبذل يكون سببًا في إجابة الدعاء لولا أن ذلك التبذل والشعث ناشئ عن قلبِ عارفٍ بحقيقة الدنيا ، معرض عن زخارفها ، زاهد في زينتها ، مهتم بإصلاح نفسه ، منشغل بآخرته عن التجمل في الدنيا والانشغال بالتزين في اللباس والهيئة .
فالحالة الظاهرة ـ من هذا الوجه ـ هي دعاء في حد ذاتها واسترحام لله ـ جل وعلا ـ ولذا فقد جعل القرطبي في شرحه على صحيح مسلم المقصود بالأشعث الأغبر هو الحاج ، والحاج ولا شك خارج في سفر طاعة أشعث أغبر ، وحالته حالة استرحام واستعطاف لربه .
ولا يخفى علينا ما ورد من قول الرب ـ تبارك وتعالى ـ حين يباهي بأهل عرفات أهل السماء فيقول لهم : انظروا إلى عبادي جاؤوني شعثًا غبرًا .
وفي بعض الروايات : أشهدكم أني قد غفرت لهم .

فالمقصود أن الحالة التي يكون العبد عليها طائعًا مستقيمًا ، مستكينًا لربه متضرعًا ، منكسرًا متخشعًا لينًا متواضعًا ، هي من أسباب إجابة دعائه ، بل هي دعاء في حد ذاتها ، فنسأل الله أن يجعلنا ممن هم على طاعته مهتدين وعلى صراطه مستقيمين ، وبما يرضيه عاملين وعما يغضبه منتهين ، وأن يجنبنا حال من يدعو بلسانه وقلبه غافل لاهٍ .