نماذج من قضاء حوائج المسلمين:
وهذه في البداية..
نماذج من الرسل عليهم السلام…
الرسل عليهم السلام لم يكونوا يتقوقعون في حصونهم يحرسهم أتباعهم أو ينظرون من وراء جدر، بل كانوا يخرجون إلى الناس، يعيشون بينهم، ويأكلون مثل طعامهم، ويمشون في أسواقهم، يتعرفون على أحوالهم، ويحبون الخير لشعوبهم، ومن هو كذلك لا يتهرب من مشاكلهم ولا يتوارى عند تلاطم همومهم ويقول (أنتم وشأنكم)، وإنما يقدم نفسه وعقله يتبنى هموم قومه يذلل ويدفع ويزيل وكذلك كانوا- صلوات الله وسلامه عليهم-.

(1) يوسف عليه السلام:
يوسف عليه السلام ما فتئ إن مكن له الله في قلب الملك إلا وطلب منه تبني هموم الناس فقال: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)﴾ (يوسف)، وما كان يطلب يوسف عليه السلام ذلك إلا أنه علم أنه لا أحد يقوم مقامه في العدل والإصلاح وتوصيل الفقراء لحقوقهم فرأى أن ذلك فرض عليه فطلبه، يقول الأستاذ سيد قطب: (لم يكن يوسف يطلب لشخصه وهو يرى إقبال الملك عليه أن يجعله على خزائن الأرض إنما كان حصيفًا في اختيار اللحظة التي يستجاب له فيها لينهض بالواجب المرهق الثقيل ذي التبعة الضخمة في أشد أوقات الأزمة، وليكون مسئولاً عن إطعام شعب كامل وشعوب كذلك تجاوره طوال سبع سنوات، لا زرع فيها، فليس هذا غنمًا يطلبه يوسف لنفسه، فإن التكفل بإطعام شعب جائع سبع سنوات متوالية لا يقول أحد إنه غنيمة إنما هي تبعة يهرب منها الرجال؛ لأنها قد تكلفهم رءوسهم، والجوع كافر، وقد تمزق الجماهير الجائعة أجسادهم في لحظات الكفر والمنون).. إنما هي همة يوسف عليه السلام.. وهمة الصالحين.

(2) موسى وهارون عليهما السلام:
عندما يقولا لفرعون: ﴿إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ (طه: من الآية 47)، لم يكونا لينسيا هموم جماهيرهم من بني إسرائيل وهم تحت سلطان فرعون الباطش وإنما قدما ما يهم الناس؛ لأن هم الناس ومشاكلهم من قضايا الدعوة والواجب مراعاتها ورفع الظلم عنهم.

إن أصحاب النجدة والمروءة لا تسمح لهم نفوسهم بالتأخر أو التردد عند رؤية ذوي الحاجات، فيتطوعون بإنجاز وقضاء حوائجهم طلبًا للآخرة والثواب من الله تعالى.

موقف آخر لموسى عليه السلام…
انظر إلى الشهم الكريم نبي الله موسى عليه والسلام حين فرَّ هاربًا من بطش فرعون وقد أصابه الإعياء والتعب، فلما ورد ماء مدين ووجد الناس يسقون وجد امرأتين قد تنحيتا جانبًا تنتظران أن يفرغ الرجال حتى تسقيا، فلما عرف حاجتيهما لم ينتظر منهما الطلب، بل تقدَّم بنفسه وسقى لهما ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)﴾ (القصص).

وهكذا أصحاب النجدة والمروءة يندفعون نحو المكرمات، ومنها إغاثة الملهوف وذوي الحاجات، إنها فطرة في الأنبياء، والصالحين، والإيجابيين، ومن سار على دربهم.

(3) محمد صلى الله عليه وسلم:
رسولنا صلى الله عليه وسلم كان أول المسلمين قيامًا على أمر الناس ومشاركًا لهم في همومهم، يخفف عنهم وطأة الاستضعاف والاضطهاد الاجتماعي، وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال “كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله فتنطلق به حيث شاءت فيقضي لها حاجتها”.

وهذه هي شهامته وشجاعته وحرصه على مجتمعه وأهله صلى الله عليه وسلم، يروي عنه أنس بن مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق الناس قبل الصوت، فاستقبلهم النبي صلى الله عليه وسلم قد سبق إلى الصوت وهو يقول: “لم تراعوا، لم تراعوا…“، وهو على فرس لأبي طلحة عرى.. ما عليه سرج، في عنقه سيف فقال: “لقد وجدته بحرًا” (رواه البخاري ومسلم).

بينما الناس يستعدون للذهاب إذا به صلى الله عليه وسلم كان قد ذهب وعاد.. إيجابية وشهامة.

وهذا أيضًا رسولنا صلى الله عليه وسلم قبل بعثته كان ضمن شمائله الكريمة قضاء حوائج الناس، كما أثنت عليه زوجه الوفية السيدة خديجة رضي الله عنها وأرضاها؛ حيث قالت له يوم أن جاء فزعًا من الغار في بداية الوحي: “كلا والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق…”.

ثم كان بعد الرسالة سعيه في ذلك أشد صلى الله عليه وسلم

زانتك في الخلق العظيم شمائل يغري بهن ويولع الكرماء
فإذا سخوت بلغت بالجود المدى وفعلت ما لا تفعل الأنــواء
وإذا عفوت فقادرًا ومقدرًا لا يستهين بعفوك الجهلاء
وإذا رحمت فأنت أم أو أب هذان في الدنيا هم الرحـماء

(4) نموذج قرآني (ذو القرنين):
مجتمع حدد مشكلته بوضوح وهي (الفساد): ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ﴾ (الكهف: من الآية 94)، فحدد حل مشكلة هذا المجتمع (سدًّا)، لكنهم اخطأوا الوسيلة فقد أرادوها من خارج جهودهم وجهادهم فقالوا ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ (الكهف: من الآية 94)، لكنه طلب منهم قوتهم العملية ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ (الكهف: من الآية 95).

وهكذا طلب ذو القرنين من هذا المجتمع بذل الجهود وتوظيف الطاقات لتحقيق الهدف المنشود ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96)﴾ (الكهف).

هكذا تفاعل ذو القرنين مع المجتمع فقاموا جميعًا بعمل مشترك، ولم يقم ذو القرنين بالعمل وحده نيابة عن المجتمع، إلا أنه كان مقصد الناس، وكان قديرًا لقضاء حاجة الناس ومشرفًا عليها.

(5) رجل ذكر اسمه في الساحات:
يقول صلى الله عليه وسلم: “بينا رجل بفلاة من الأرض، فسمع صوتًا في سحابة: اسق حديقة فلان. فتنحى ذلك السحاب. فأفرغ ماءه في حرة (أرض لها مجارٍ كثيرة) فإذا شرجة (مسيل الماء إلى الأرض السهلة) من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله. فتتبع الماء. فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته (مجرفة من الحديد) فقال له: يا عبد الله! ما اسمك؟ قال: فلان– للاسم الذي سمع في السحابة- فقال له: يا عبد الله! لم تسألني عن اسمي؟ فقال: إني سمعت صوتًا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان. لاسمك. فما تصنع فيها؟ قال: أما إذ قلت هذا، فإني أنظر إلى ما يخرج منها، فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثًا، وأرد فيها ثلثه” (مسلم)، وفي رواية “اجعل ثلثه في المساكين والسائلين وابن السبيل“.

(6) ابن عباس والاعتكاف:
عن ابن عباس رضي الله عنه أنه كان معتكفًا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه رجل فسلم عليه ثم جلس فقال له ابن عباس:
يا فلان أراك كئيبًا حزينًا، قال: نعم يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم لفلان على حق، لا ورمة صاحب هذا القبر ما أقدر عليه، قال ابن عباس: أفلا أكلمه فيك؟! قال: إن أحببت.

قال: فانتقل ابن عباس ثم خرج من المسجد، فقال له الرجل: أنسيت ما كنت فيه؟! قال: لا، ولكني سمعت صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم والعهد به قريب- فدمعت عيناه- وهو يقول: “من مشى في حاجة أخيه وبلغ فيها كان خيرًا من اعتكافه عشر سنين، ومن اعتكف يومًا ابتغاء وجه الله تعالى جعل الله بينه وبين النار ثلاثة خنادق أبعد ما بين الخافقين” (شعب الإيمان للبيهقي).

(7) عبد الله بن المبارك والحج:
خرج عبد الله بن المبارك إلى الحج فاجتاز بعض البلاد فمات طائر معهم فأمر بإلقائه على المزبلة، فخرجت جارية من دار قريبة فأخذت الطائر الميت ولفته وأسرعت به إلى الدار، فلما سألها لم أخذت الميتة؟!.

قالت: إنها وأخاها فقيران لا يجدون شيئًا ولا يعلم بهما أحد، فأمر ابن المبارك برد الأحمال، وقال لوكيله كم معك من النفقة؟ قال: ألف دينار. قال: أبق منها عشرين دينارًا وأعط باقي الألف إلى الجارية وعد بنا إلى مرو، فهذا أفضل من حجنا هذا العام.

قال ذو الرياستين لثمامة بن أشرس: ما أدري ما أصنع بكثرة الطلاب المحتاجين، فقال له: ذل- أي اخطأ- عن موضعك وعلى ألا يلقاك منهم أحد، فقال له: صدقت… وجلس لهم في قضاء حوائجهم.

أي أن الذي يصرف توجه الناس إليك معصيتك، والذي يدعوهم إليك طاعتك وقدرتك، فاحمد الله على كثرة الطلاب واحمده على الطاعة.

(8) أبو بكر يحلب الغنم:
كان أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه يحلب للحي أغنامهم، فلما استخلف قالت جارية منهم: الآن لا يحلبها. فقال: بلى وإني لأرجو أن لا يغيرني ما دخلت فيه عن شيء كنت أفعله.

(9) رحمك الله يا عمر.. حتى الأرامل؟!
ولقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتعاهد الأرامل بالليل يستقي لهن الماء، فرآه طلحة رضي الله عنه ليلة يدخل بيت امرأة.. فدخل طلحة على المرأة نهارًا فإذا هي امرأة عمياء مقعدة فقال لها: يا هذه ما يصنع هذا عندك؟ قالت: إنه منذ كذا وكذا يتعاهدني يأتيني بما يصلحني ويخرج عني الأذى.

فقال طلحة رضي الله عنه: ثكلتك أمك يا طلحة… أعورات عمر تتبع؟

حدث أبو جعفر محمد بن القاسم الكرخي قال: عرضت على أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات رقعة في حاجة لي فقرأها ووضعها من يده- تركها- ولم يوقع فيها بشيء، فأخذتها وقمت وأنا أقول متمثلاً من حيث يسمع هذين البيتين:

وإذا خطبت إلى كريم حاجة وأبى فلا تقعد عليه بحاجب
فلربما منع الكريم وما به بخل ولكن سوء حظ الطالب

فقال وقد سمع ما قلت: ارجع يا أبا جعفر بغير سوء حظ الطالب، ولكن إذا سألتموني الحاجة فعاودونا، فإن القلوب بيد الله تعالى. فأخذ الرقعة ووقع فيها بما أردت.

وعن عبد الله بن الحسن بن الحسين رضي الله تعالى عنهم قال: أتيت باب عمر بن عبد العزيز في حاجة فقال: إذا كانت لك حاجة إلي فأرسل إلي رسولاً أو اكتب لي كتابًا فإني لأستحي من الله أن يراك ببابي.

وكان أبو وائل يطوف على نساء الحي وعجائزهم يشتري لهن حوائجهن ويقوم بما يصلحهن.

وقال مجاهد: صحبت ابن عمر في السفر لأخدمه فكان يخدمني.

(10) كتابة بين الجلد واللحم:
وكان كثير من الصالحين يشترط على أصحابه أن يخدمهم في السفر.

وصحب رجل قومًا في الجهاد فاشترط عليهم أن يخدمهم، وكان إذا أراد أحد منهم أن يغسل رأسه أو ثوبه قال:
هذا من شرطي فيفعله. فمات فجردوه للغسل فرأوه على يده مكتوبًا “من أهل الجنة” فنظروا فإذا هي كتابة بين الجلد واللحم.

(11) وفي الصحيحين عن أنس قال: “كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في السفر فمنا الصائم ومنا المفطر. قال: فنزلنا منزلاً في يوم حار أكثرنا ظلاًّ صاحب الكساء، ومنا من يتقي الشمس بيده. قال: فسقط الصوام وقام المفطرون وضربوا الأبنية وسقوا الركاب فقال صلى الله عليه وسلم: “ذهب المفطرون بالأجر“.. لأنهم يخدمون إخوانهم ويقومون على مصالحهم فزاد لهم الأجر.

(12) وكان حكيم بن حزام يحزن على اليوم الذي لا يجد فيه محتاجًا ليقضي له حاجة.