” قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم “


سبحان الله !!

تعبير قرآني بليغ .

لم يقل ملاحقكم ، وإنما قال : ملاقيكم .

لو فررت من أحد يلاحقك ، فإنك تزداد منه بعدًا كلما أسرعت وبالغت في الهرب .

ولكن تصور حال من سيقابلك ويلاقيك ، فإنك كلما أسرعت على وجهك فإنك تُقَرِّبُ نفسك منه .

والموت هكذا على ما يبدو ـ والعلم عند الله ـ كلما تزداد من ذكره هربًا يزداد منك قربًا !!

كثيرًا ما يشعر الناس في فرحة العيد بمرارة الموت تمر بحلوقهم مع أن الحال لا تذكر .
ولكن يأبى الله لفرحة الدنيا أن تكمل أو تتم أو تتمحض .

إنها فرحة ناقصة مشوبة بحزن شئنا أم أبينا .

ألم يمر بك ـ أخي الكريم أبا البراء ـ أن رأيت إنسانًا يبكي يوم العيد فلما سألته قال لك : تذكرت أبي ـ رحمه الله ـ أو أمي ـ سقى الله قبرها الغيث ـ أو فلانًا أو فلانًا ، ووالله ما للعيد طعم دونهم أو كلامًا نحو هذا ؟!!


أما أنا فقد مر بي هذا كثيرًا ، ويبدو أن لتقدم العمر وكثرة مرور السنين دورها في ذلك .

فقد رأيت عددًا ممن لا أراهم يبكون إلا في مناسبات الفرح ، لا بكاء فرح ، وإنما بكاء من يعلم أن بعد هذا الاجتماع فرقة ، وبعد هذا الفرح ترحًا ، وبعد السرور حزنًا .

وقد رأيت بأم عيني في مصلى العيد من إذا سلمت عليه هملت عيناه وغص بريقه وما كاد يكمل سلامه .


الفرحة التامة والسرور الكامل لمن دخل الجنة جعلنا الله وإياكم من أهلها .


فلا نغرق في المثالية ونقول : لا تذكروا الموت ، دعونا نفرح ، دعونا نعيش العيد .

سنذكر الموت لنعتبر ونحمد ربنا أن بلغنا العيد وأتم علينا النعمة بإكمال شهر رمضان .

وسنفرح وسنهنأ وسنبسط وسنضحك … وإذا جاء الموت على طاعة فمرحبًا به ؛ فخير غائب ينتظر ، يقرب من الأحبة ويدني من لقاء الله ، ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه .

وأما من كان عاصيًا بعيدًا عن الله فلن ينفعه ألا نذكر له الموت ، أو أن نبالغ في ذكر ما يسره ، فوالله إن في نفسه همًا يلاحقه أينما حل وارتحل ، وصدق الله : ” بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره “


اللهم بلغنا عيد الفطر واجعلنا ممن يفرح فيه الفرح المشروع .